السينما الفرنسية ليست فرنسية فقط.. معرض يستعيد 60 عاماً من الإبداع المغاربي

يعيد معرض مرتقب في باريس قراءة تاريخ السينما الفرنسية من زاوية طالما بقيت على هامش السردية الرسمية: إسهامات أبناء الهجرة المغاربية في صناعة الأفلام، وتغيير صورة المهاجر، وإعادة تعريف الهوية والانتماء.

لقطة سينمائية لشاب أمام سياج معدني من فيلم الشاي في حريم أرخميدس للمخرج مهدي شارف عام 1985
من فيلم «الشاي في حريم أرخميدس» (1985) لمهدي شارف، أحد الأعمال التي منحت أبناء الهجرة المغاربية صوتًا جديدًا في السينما الفرنسية.

باريس- “صوت صورة”:

لم تكن السينما الفرنسية، طوال العقود الماضية، مجرد مرآة لمجتمع يتغير بفعل الهجرة، بل كانت أيضًا ساحة شارك فيها أبناء المهاجرين في إعادة تشكيل صورة فرنسا عن نفسها. فمن الأحياء الشعبية وضواحي المدن الكبرى إلى المهرجانات الدولية وشاشات السينما، شقّ مخرجون وممثلون من أصول جزائرية ومغربية وتونسية طريقهم داخل صناعة سينمائية لم تكن دائمًا مستعدة للاعتراف بتنوع أصواتها.
هذه الحكاية، بما تنطوي عليه من تحولات فنية واجتماعية وسياسية، يستعيدها معرض «تاريخ من السينما الفرنسية: إرث مغاربي» (Une histoire du cinéma français. Héritages maghrébins)، الذي يستعد المتحف الوطني لتاريخ الهجرة في باريس لافتتاحه في 30 أكتوبر الجاري، ويستمر، وفق البرنامج المعلن، حتى 21 مارس 2027.
ولا تكمن أهمية المعرض في جمع أسماء بارزة من أصول مغاربية فحسب، بل في السؤال الذي يطرحه على تاريخ الفن السابع في فرنسا: هل يمكن كتابة تاريخ السينما الفرنسية بمعزل عن المهاجرين وأبنائهم، الذين كانوا موضوعًا لأفلامها قبل أن يصبحوا من أبرز صانعيها؟

 من الهجرة إلى صناعة الصورة

تبدأ الحكاية في ستينيات القرن الماضي، حين كانت فرنسا تعيش تحولات عميقة أعقبت استقلال الجزائر، وتزايد الهجرة القادمة من بلدان المغرب العربي. كان العمال المهاجرون حاضرِين في المصانع وورش البناء والأحياء الشعبية، لكن حضورهم على الشاشة ظل محدودًا، وغالبًا ما ارتبط بصور نمطية تختزل حياتهم في الفقر أو الغربة أو المشكلات الاجتماعية.

حين ينتقل المهاجر من موضوع للتصوير إلى صانع للصورة تتغير طبيعة الحكاية

ومع ذلك، بدأت أصوات سينمائية جديدة في الظهور، محاولةً تقديم تجارب هؤلاء الناس من الداخل، لا بوصفهم شخصيات ثانوية في حكاية يرويها الآخرون.
ومن الأسماء الرائدة التي يستعيدها المعرض المخرج الجزائري علي غالم، صاحب فيلم «مكتوب؟» (Mektoub?) الصادر عام 1970، الذي تناول تجربة الهجرة الجزائرية إلى فرنسا في مرحلة كانت السينما السائدة نادرًا ما تمنح المهاجر فرصة أن يكون بطل حكايته.

ولم تكن أهمية هذه التجارب مرتبطة بموضوعاتها الاجتماعية وحدها، بل أيضًا بموقع أصحابها خلف الكاميرا. فحين ينتقل المهاجر من موضوع للتصوير إلى صانع للصورة، تتغير طبيعة الحكاية، وتتبدل زاوية النظر إلى المجتمع الذي يعيش فيه.
ويخصص المعرض مرحلته الأولى، الممتدة بين 1960 و1980، لهذه التجارب المبكرة، تحت عنوان «المنفى واللقطات المضادة»، في إشارة إلى ظهور رؤى سينمائية تنازع الصور السائدة عن الهجرة والمهاجرين.

جيل الضواحي.. حين بدأ أبناء المهاجرين يروون حكاياتهم

مع ثمانينيات القرن الماضي، دخلت السينما الفرنسية مرحلة جديدة، بعدما بدأ أبناء المهاجرين الذين وُلدوا أو نشأوا في فرنسا يعبّرون عن تجاربهم الخاصة.
لم يعد السؤال مقتصرًا على صعوبة العيش بعيدًا عن الوطن الأصلي، بل اتسع ليشمل معنى الانتماء إلى بلد يعتبره المرء وطنه، بينما يظل الآخرون ينظرون إليه أحيانًا بوصفه غريبًا.
في هذا السياق، برز المخرج الفرنسي الجزائري مهدي شارف، الذي قدّم عام 1985 فيلم «الشاي في حريم أرخميدس» (Le Thé au harem d’Archimède)، المقتبس من روايته التي تحمل العنوان نفسه.

تناول الفيلم حياة شباب من أصول مهاجرة في الضواحي الفرنسية، حيث تتداخل الصداقة والبطالة والتمييز والأحلام الصغيرة، بعيدًا عن الصور المبسطة التي تختزل أبناء المهاجرين في مشكلات الاندماج.

وكان من أبرز ما قدمته هذه السينما أنها نقلت الكاميرا إلى فضاءات ظلت طويلًا بعيدة عن مركز الصورة الفرنسية: المجمعات السكنية الشعبية، والشوارع المحيطة بالمدن الكبرى، والبيوت التي تتجاور داخلها لغات وعادات وذكريات متعددة.
ولم تكن هذه الأماكن مجرد خلفيات للأحداث، بل أصبحت عناصر أساسية في بناء الشخصيات وتحديد علاقتها بالعالم.
هكذا بدأ ما عُرف لاحقًا بسينما «البور» (Cinéma beur)، وهو تعبير ارتبط بأعمال سينمائيين من أصول مغاربية، وإن كان بعض الفنانين والنقاد يتحفظون على استخدامه عندما يتحول إلى تصنيف يحصر تجارب متنوعة في خانة إثنية واحدة.
فليس كل فيلم ينجزه مخرج من أصول مغاربية فيلمًا عن الهجرة، كما أن الهوية العائلية للفنان لا ينبغي أن تحدد مسبقًا الموضوعات التي يُسمح له بتناولها.

 رشيد بوشارب.. الذاكرة الاستعمارية تدخل الشاشة الكبرى

من بين أبرز المخرجين الذين ساهموا في توسيع هذه المساحة رشيد بوشارب، الذي جعل من التاريخ الاستعماري والهجرة والذاكرة الجماعية موضوعات محورية في عدد من أفلامه.
في فيلم «أيام المجد» (Indigènes) عام 2006، أعاد بوشارب إلى الواجهة قصة الجنود القادمين من مستعمرات شمال أفريقيا، الذين شاركوا في تحرير فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، لكن مساهماتهم لم تحظَ دائمًا بالمكانة التي تستحقها في الذاكرة الوطنية.
شارك في بطولة الفيلم جمال دبوز وسامي بوعجيلة ورشدي زيم وبرنار بلانكان، وحصل الممثلون الأربعة على جائزة أفضل أداء رجالي جماعي في مهرجان كان السينمائي عام 2006.

وقد تجاوز أثر الفيلم حدود السينما، بعدما أسهم في إعادة النقاش العام حول حقوق المحاربين القدامى المنحدرين من المستعمرات السابقة، والتفاوت في المعاملة بينهم وبين نظرائهم الفرنسيين.
تكمن أهمية هذه التجربة في أنها لم تكتفِ بإضافة شخصيات مغاربية إلى الشاشة، بل أعادت طرح سؤال أكثر حساسية: من يُعترف به بوصفه صانعًا للتاريخ الوطني، ومن يبقى خارج روايته الرسمية؟
وهو السؤال نفسه الذي يستعيده المعرض الباريسي، لكن هذه المرة من خلال تاريخ السينما ذاتها.
فإذا كان الجنود المغاربيون قد شاركوا في صنع تاريخ فرنسا العسكري، فإن المخرجين والممثلين المنحدرين من المنطقة شاركوا أيضًا في صنع تاريخها الثقافي.

ليس كل فيلم ينجزه مخرج من أصول مغاربية فيلماً عن الهجرة

 من جمال دبوز إلى رشدي زيم.. وجوه غيّرت الشاشة الفرنسية

لا يقتصر حضور المبدعين من أصول مغاربية على السينما التي تتناول الهجرة أو الاستعمار.
فقد أصبح ممثلون مثل جمال دبوز ورشدي زيم وسامي بوعجيلة ورشيدة براكني جزءًا من المشهد السينمائي الفرنسي العام، وشاركوا في أعمال كوميدية ودرامية وتاريخية وتشويقية متنوعة.
وكان جمال دبوز، على سبيل المثال، أحد الوجوه التي جمعت بين الكوميديا الشعبية والحضور السينمائي الواسع، فيما بنى رشدي زيم مسيرة امتدت من الأدوار الاجتماعية إلى البطولة والإخراج.
أما سامي بوعجيلة، فقد قدّم شخصيات متنوعة في أفلام فرنسية وعالمية، مؤكدًا أن الممثل المنحدر من الهجرة لا يحتاج إلى البقاء أسير أدوار مرتبطة بأصوله.
هذه النقلة من التمثيل بوصفه حضورًا استثنائيًا إلى المشاركة الطبيعية في صناعة السينما، تكشف جانبًا مهمًا من التحولات التي شهدتها فرنسا خلال العقود الأخيرة.
لكنها لا تعني أن مشكلات التمثيل والتصنيف قد انتهت. فالسؤال المتعلق بالأدوار المتاحة للممثلين من أصول مهاجرة، والحدود التي تفرضها الصور النمطية على مسيرتهم، ما زال حاضرًا في النقاش الثقافي الفرنسي.
وهنا تظهر إحدى المفارقات التي يمكن أن يثيرها المعرض: فالنجاح الفردي لفنانين من أصول مغاربية لا يلغي بالضرورة الحاجة إلى إعادة النظر في البنى التي تحدد من يحصل على فرصة رواية الحكايات، ومن يظل موضوعًا لها.

 النساء يُعِدن كتابة الذاكرة السينمائية

من أبرز الجوانب التي يسلط عليها المعرض الضوء تصاعد حضور المخرجات من أصول مغاربية، وانتقالهن من معالجة الهجرة بوصفها قضية اجتماعية عامة إلى استكشاف الذاكرة العائلية والجسد والعلاقات بين الأجيال.
تحتل المخرجة الفرنسية الجزائرية يمينة بنغيغي موقعًا مهمًا في هذا المسار، ولا سيما من خلال عملها الوثائقي «ذكريات المهاجرين: الإرث المغاربي» (Mémoires d’immigrés: L’héritage maghrébin) الصادر عام 1997.

استعادت بنغيغي شهادات رجال ونساء وأبناء مهاجرين، ومنحت أصواتهم مساحة لتقديم تاريخ لم يكن حاضرًا بما يكفي في السردية العامة.

وفي جيل أحدث، تبرز لينا سويلم، التي اشتغلت على الذاكرة العائلية وعلاقة الأجيال باللغة والبلد الأصلي.
في فيلمها الوثائقي «وداعًا طبريا» (Bye Bye Tiberias) عام 2023، تابعت سويلم رحلة والدتها، الممثلة الفلسطينية هيام عباس، إلى الأماكن والذكريات العائلية التي تركتها وراءها.
ورغم أن الفيلم يتناول ذاكرة فلسطينية، فإنه يكشف عن اتساع آفاق الجيل الجديد من المخرجات اللواتي يتحركن بين هويات وتجارب متعددة، ولا يختزلن انتماءهن الفني في أصل واحد.

وتقدم حفصية حرزي مثالًا آخر على هذا التحول. فقد انتقلت من التمثيل إلى الإخراج، واشتغلت على شخصيات نسائية معقدة تتجاوز التصنيفات الاجتماعية والثقافية الجاهزة.
ويحضر فيلمها «الأخت الصغرى» (La Petite Dernière)، الصادر عام 2025، في المواد البصرية المرتبطة بالمعرض، بوصفه إحدى علامات المرحلة الراهنة التي تمنح فيها السينما مساحة متزايدة لتجارب النساء وأسئلتهن الشخصية.

معرض لا يكتفي بملصقات الأفلام

يمتد المعرض على أكثر من ستة عقود من التاريخ السينمائي، من خلال مقاطع أفلام وملصقات وصور من مواقع التصوير ورسوم تحضيرية ووثائق صحافية وأغراض مرتبطة بصناعة السينما، بينها جوائز «سيزار» الفرنسية.

السينما الفرنسية لم تكن يوماً حكاية تُروى من ضفة واحدة

كما يضم أعمالًا معروفة إلى جانب أفلام أقل شهرة، أُعيد ترميم بعض نسخها أو رقمنتها خصيصًا لإتاحتها للجمهور.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة، لأنها تنقل المعرض من مجرد الاحتفاء بأسماء نجحت في السينما الفرنسية إلى محاولة بناء أرشيف ثقافي يجمع تجارب ظلت متفرقة بين الأفلام والمهرجانات والذاكرة الشخصية لأصحابها.
ويُختتم المسار بقسم يتطلع إلى المستقبل، من خلال حضور سينما النوع، وتزايد دور النساء، والتجارب التي تتجاوز الحدود التقليدية بين السينما الفرنسية والمغاربية.
وقد أُنجز المعرض بإشراف كليمنتين ديرودي ولوسيل أومبير بلجودي، بمشاركة كلوي دوبون، ضمن برنامج «موسم المتوسط 2026». ويرافقه كتاب جماعي من 224 صفحة، بإشراف أحمد بجاوي وماري بيير بوتييه وسليمة تنفيش، يضم دراسات وشهادات ووثائق بصرية توسع موضوعاته.

 أي تاريخ للسينما الفرنسية؟

قد يبدو عنوان المعرض، «تاريخ من السينما الفرنسية»، بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه يحمل اختيارًا فكريًا مهمًا.
فهو لا يدّعي تقديم التاريخ الوحيد أو النهائي للسينما الفرنسية، بل يقترح إضافة رواية أخرى إلى تاريخ كُتب طويلًا من زوايا مختلفة.
والفارق بين الحديث عن «المهاجر في السينما» والحديث عن «المهاجر الذي صنع السينما» ليس تفصيلًا لغويًا.
في الحالة الأولى، يكون المهاجر شخصية على الشاشة، تخضع لطريقة تصوير الآخرين لها. أما في الثانية، فيصبح صاحب رؤية فنية، يختار موضوعاته وشخصياته ولغته البصرية، ويساهم في تحديد ما الذي يستحق أن يُروى أصلًا.

وهذا التحول هو جوهر المشروع الذي يستعد المتحف الوطني لتاريخ الهجرة لتقديمه. فالمعرض لا يحاول انتزاع السينما الفرنسية من تاريخها، ولا إعادة نسبتها إلى بلد آخر، وإنما يكشف أنها تشكلت، مثل المجتمع الذي أنتجها، عبر التقاء تجارب متعددة، بعضها جاء من الضفة الجنوبية للمتوسط.
ولعل أهمية هذه القراءة للقارئ العربي أنها تعيد النظر أيضًا في مفهوم النجاح الثقافي في المهجر. فالمبدع المغاربي في فرنسا ليس بالضرورة فنانًا يعيش بين ثقافتين منفصلتين، وإنما قد يكون شريكًا في تشكيل ثقافة مشتركة لا يمكن اختزالها في أصل قومي واحد.
بعد ستين عامًا من الأفلام والوجوه والحكايات، يطرح المعرض سؤالًا يتجاوز السينما إلى معنى الثقافة الوطنية نفسها: هل تتحدد الثقافة بأصول صانعيها، أم بالأعمال التي ينتجونها وبالتحولات التي يحدثونها في المجتمع؟
وإذا كانت السينما الفرنسية قد تغيرت بالفعل بفعل إسهامات أبناء الهجرة المغاربية، فإن الاعتراف بهذه الحقيقة لا ينتقص من هويتها، بل يجعل تاريخها أكثر اكتمالًا.

فالسينما الفرنسية لم تكن يومًا حكاية تُروى من ضفة واحدة؛ لقد شارك في كتابتها أيضًا أولئك الذين عبروا المتوسط، أو ورثوا ذاكرة العبور، ثم وجدوا في الكاميرا وسيلتهم لرواية العالم.
إعداد: “صوت صورة”

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا