سيارة بلا مقود.. ماذا يحدث للتصميم حين يصبح الإنسان مجرد راكب؟

ظل المقود لأكثر من قرن مركز السيارة، والمكان الذي تُبنى حوله المقصورة وعلاقتنا كلها بالقيادة. لكن سيارات Cybercab بدأت تنقل ركاباً في أوستن من دون مقود أو دواسات. وحين يختفي «مقعد السائق» نفسه، لا تتغير السيارة وحدها؛ تتغير فكرة من يملك السيطرة، وما الذي يمكن أن نفعله بالوقت والمساحة أثناء الحركة.
________________________________________
باريس- “صوت صورة”:
ثمة شيء غريب في النظر إلى داخل سيارة Cybercab. ليست الشاشة الكبيرة، ولا المقعدان فقط، ولا التصميم الذي يبدو كأنه خرج من رسم تخيلي للمستقبل. إنه الفراغ. في المكان الذي اعتادت العين أن تجد فيه المقود منذ أكثر من قرن، لا يوجد شيء.
لا عجلة قيادة. لا دواسة بنزين. لا دواسة مكابح. ولا مجموعة المرايا التقليدية التي اعتدنا أن تحيط بالسائق.
وهذه المرة، لم تعد السيارة مجرد نموذج يُعرض تحت أضواء معرض للسيارات.
في الثالث من سبتمبر/أيلول 2026، بدأت تسلا تقديم رحلات محدودة مدفوعة بسيارات Cybercab في أوستن بولاية تكساس، لتنتقل السيارة ذات المقعدين، المصممة من البداية للقيادة الذاتية، من فكرة إلى مركبة تحمل ركاباً فعليين على الطريق.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى قصة أخرى عن الذكاء الاصطناعي والقيادة الذاتية. لكنه في الحقيقة يطرح سؤالاً أقدم وأكثر إثارة: ماذا تبقّى من السيارة عندما نزيل منها الشيء الذي صُممت حوله دائماً: السائق؟

قد تتحول السيارة من آلة قيادة إلى غرفة صغيرة تتحرك

المقود الذي بنى السيارة

منذ بدايات القرن العشرين، لم يكن المقود مجرد أداة توجه العجلات. لقد كان مركز العمارة الداخلية للسيارة. مكانه يحدد أين يجلس السائق، وأين توضع العدادات، وكيف تميل لوحة القيادة، وأين توجد الدواسات، وكيف تصمم المرايا، وأين يجلس بقية الركاب.
حتى السيارة التي تتسع لخمسة أشخاص ليست مساحة ديمقراطية تماماً. هناك دائماً شخص أهم. يجلس أمام المقود. كل شيء تقريباً موجّه إليه: المعلومات، الأزرار، الطريق، المسؤولية. هو الذي يقرر السرعة والاتجاه ومتى نتوقف ومتى ننطلق.
أما Cybercab فتزيل هذا الشخص من المعادلة. فجأة لا يوجد مقعد للسائق. هناك مقعدان فقط. والجميع ركاب.
هذه الفكرة البسيطة قد تكون أكثر أهمية من كل أجهزة الاستشعار والخوارزميات التي تجعل السيارة تتحرك.
لأن اختفاء السائق يعني، للمرة الأولى منذ ولادة السيارة الحديثة، أن المصمم يستطيع أن يسأل: إذا لم يعد علينا تصميم المقصورة حول شخص يقود، فلماذا يجب أن تبدو السيارة من الداخل كما تبدو اليوم؟

غرفة صغيرة تتحرك

يمكن تخيل الإجابات. إذا لم نعد بحاجة إلى النظر باستمرار عبر الزجاج الأمامي، يمكن أن تتغير وضعية المقاعد. إذا لم تعد هناك دواسات، تتحرر مساحة الأرجل.
إذا اختفى المقود، يمكن أن تتغير لوحة القيادة كلها. وإذا لم يعد هناك شخص مسؤول عن الطريق، تصبح الشاشة أداة للراكب بدل أن تكون واجهة للسائق. في النهاية، يمكن أن تتحول السيارة من آلة قيادة إلى غرفة صغيرة تتحرك. وهذا التحول ليس جمالياً فقط. إنه يعيد تعريف الوقت الذي نقضيه داخل السيارة.
اليوم، وقت القيادة وقت مشغول. يجب أن تنظر إلى الطريق، وتتابع المرايا، وتتخذ مئات القرارات الصغيرة في كل دقيقة. في السيارة الذاتية بالكامل، يتحول هذا الوقت نظرياً إلى شيء آخر.
يمكنك القراءة. العمل. مشاهدة فيلم. التحدث إلى الشخص الجالس إلى جانبك. أو ببساطة النظر من النافذة. وعندها لا تعود المنافسة بين شركات السيارات حول من يصنع أفضل تجربة قيادة فقط. قد تصبح حول من يصنع أفضل مكان لقضاء نصف ساعة من حياتك.

ماذا نفعل بالحرية الجديدة؟

هنا تبدأ الأسئلة التصميمية المثيرة فعلاً. هل نريد السيارة المستقبلية مكتباً؟ أم غرفة معيشة؟ أم مساحة للترفيه؟ أم مكاناً للنوم؟
تصاميم السيارات الاختبارية منذ عقود تتخيل مقصورات يستطيع ركابها الجلوس وجهاً لوجه، ومقاعد تدور، وشاشات ضخمة، وطاولات تظهر وتختفي. لكن المقود والدواسات كانا يعيدان السيارة دائماً إلى حقيقتها القديمة. هناك شخص يجب أن يقود.
إزالة هذه الأدوات تجعل بعض تلك الخيالات ممكنة من حيث المبدأ، لكنها تفتح أيضاً مشكلة جديدة. فالسيارة ليست غرفة فعلاً. إنها غرفة يمكن أن تتعرض لحادث. وكلما تحررت المقصورة من شكلها التقليدي، كان على مهندسي السلامة إعادة التفكير في أحزمة الأمان والوسائد الهوائية ووضعية الجسم أثناء الاصطدام. حرية التصميم لا تلغي قوانين الفيزياء.

قرن من الإمساك بالسيطرة

لكن المقود ليس مجرد مشكلة تصميمية. إنه أيضاً رمز. في القرن العشرين، ارتبطت السيارة بفكرة الحرية الفردية إلى درجة يصعب فصل إحداهما عن الأخرى. تمسك المقود، تختار الطريق، وتذهب حيث تريد. كانت القيادة نفسها جزءاً من المتعة.

التحدي الأكبر للسيارة بلا مقود قد لا يكون إقناع الخوارزمية بالقيادة، بل إقناع الإنسان بالجلوس

والإعلانات لم تبعنا وسيلة انتقال فقط، بل باعتنا دائماً ذلك الشعور: طريق مفتوح، يدان على المقود، والمدينة أو الجبل أو البحر أمامك.
Cybercab تقترح علاقة معاكسة تماماً. تدخل السيارة. تغلق الباب. وتسلم نفسك للخوارزمية. لا يوجد مقود تستطيع الإمساك به إذا شعرت بالخوف. ولا دواسة مكابح تضغط عليها. ولا حتى ذلك الوهم المطمئن بأنك تستطيع استعادة السيطرة في اللحظة الأخيرة. ولهذا فإن التحدي الأكبر للسيارة بلا مقود قد لا يكون إقناع الخوارزمية بالقيادة. بل إقناع الإنسان بالجلوس.

هل تستطيع أن تثق بسيارة لا تستطيع قيادتها؟

في يوم إطلاق الرحلات في أوستن، كان هذا السؤال حاضراً بقوة. فالقيادة الذاتية تطلب من الإنسان نوعاً جديداً من الثقة. نحن نثق بالفعل بالتكنولوجيا في الطائرة والقطار والمصعد. قليلون يفكرون في الخوارزميات التي تتحكم في المصعد عندما يضغطون زر الطابق العاشر. لكن السيارة مختلفة. نحن نرى الخطر أمامنا. نرى الطفل قرب الرصيف. والسيارة التي تغير مسارها. والشاحنة القادمة من الجانب. وعندما يوجد مقود، يشعر الإنسان -سواء كان ذلك صحيحاً أم لا- بأنه يستطيع فعل شيء.
في Cybercab، القرار في مكان آخر. الثقة هنا ليست تفصيلاً نفسياً. إنها جزء من تصميم المنتج نفسه. فالسيارة الذاتية لن تنجح فقط عندما تستطيع القيادة بأمان، بل عندما تستطيع جعل ركابها يشعرون بأن ما تفعله مفهوم ومتوقع وآمن. وهذا قد يحتاج إلى لغة تصميم جديدة بالكامل. كيف تخبرك السيارة بأنها رأت أحد المشاة؟ كيف تشرح سبب توقفها المفاجئ؟ كيف تقول لك إنها اختارت طريقاً مختلفاً؟
وكيف تطمئنك عندما لا يوجد شخص في المقعد الأمامي تستطيع أن تسأله؟

السيارة التي أربكت القانون

المفارقة أن السيارة بلا مقود لا تحير الركاب والمصممين وحدهم. إنها تحير القانون أيضاً.
بعد يوم واحد من بدء تشغيل Cybercab تجارياً في أوستن، فتحت الإدارة الوطنية الأميركية لسلامة المرور على الطرق السريعة NHTSA تدقيقاً في عملية تصديق تسلا على نحو ألف سيارة Cybercab.
السبب في جوهره بسيط وغريب في الوقت نفسه.
قواعد سلامة السيارات كُتبت تاريخياً على افتراض أن السيارة لها سائق. لذلك تتحدث اللوائح عن أشياء مثل المقود ودواسة المكابح ودواسة الوقود والمرايا. لكن ماذا تفعل بالقواعد عندما تصل مركبة لا تحتاج إلى أي منها؟
تقول تسلا إنها صدّقت سياراتها باعتبارها متوافقة مع القواعد الفيدرالية، بينما تريد NHTSA الآن فحص الأساس الذي اعتمدت عليه الشركة في اعتبار بعض المتطلبات غير قابلة للتطبيق على Cybercab.
القضية ليست حكماً مسبقاً بأن السيارة غير آمنة. إنها سؤال أكثر جوهرية: كيف نطبق قانون السيارة على شيء بدأ يتخلى عن تعريف السيارة القديم؟

القانون يلاحق التصميم

المفارقة الأخرى أن الولايات المتحدة نفسها بدأت بالفعل محاولة تحديث هذه القواعد. ففي يونيو/حزيران الماضي، اقترحت NHTSA تغييرات من شأنها إلغاء بعض المتطلبات الخاصة بأدوات التحكم البشرية في المركبات المصممة حصرياً للقيادة الذاتية، ومنها اشتراط دواسة مكابح تقليدية. أي أن التكنولوجيا والقانون يتحركان في الاتجاه نفسه، لكن بسرعتين مختلفتين. التصميم يقول: لا نحتاج إلى المقود. القانون يجيب: لكن قواعدنا تفترض وجوده. وهذه لحظة نادرة يصبح فيها التصميم نفسه قوة تضغط على التشريع. فالسيارة الجديدة لا تحتاج فقط إلى الحصول على ترخيص كي تدخل الطريق. إنها تجبرنا على إعادة تعريف ما الذي يجب أن تحتويه السيارة أصلاً.

المقود قد لا يموت تماماً

مع ذلك، من المبكر إعلان وفاة المقود.
السيارات التي نقودها بأنفسنا لن تختفي فجأة، وكثير من الناس يحبون فعل القيادة ذاته. وقد تبقى السيارة الشخصية التقليدية، لسنوات طويلة، مختلفة جذرياً عن الروبوتاكسي الذي يؤدي وظيفة نقل حضرية.
وربما يظهر انقسام ثقافي مثير. سيارة يومية ذاتية بالكامل لا نريد قيادتها. وسيارة أخرى نحتفظ بها تحديداً لأننا نريد قيادتها.
عندها قد تتحول القيادة اليدوية تدريجياً من ضرورة يومية إلى هواية، كما حدث مع أشياء كثيرة سبقتها.

ربما يكون الفراغ الذي تركه المقود هو أهم جزء في السيارة كلها

الحصان لم يختف عندما توقفت المدن عن الاعتماد عليه في النقل. والكاميرا الفيلمية لم تختف بعد الكاميرا الرقمية. والأسطوانة لم تمت بعد الموسيقى المتدفقة.
ربما يصبح المقود يوماً شيئاً نبحث عنه لا لأنه ضروري، بل لأنه يمنحنا تجربة نفتقدها.

السيارة بعد السيارة

هذا هو السبب في أن Cybercab مثيرة للاهتمام أكثر من كونها «تاكسي ذاتياً جديداً».
فهي تأخذ واحداً من أكثر الأشياء ثباتاً في تصميم السيارة وتزيله. وعندما يختفي المقود، تبدأ بقية الأسئلة في السقوط وراءه. لماذا يجب أن تكون المقاعد بهذا الاتجاه؟ لماذا توجد لوحة قيادة؟ لماذا نحتاج إلى زجاج أمامي بهذا الحجم؟ ماذا نفعل بالوقت داخل السيارة؟ ومن المسؤول عندما لا يكون أحد مسؤولاً عن القيادة؟
هذه الأسئلة لن تجيب عنها تسلا وحدها، ولا سيارة واحدة، ولا حتى جيل واحد من التكنولوجيا.
لكن للمرة الأولى، بدأ الركاب في أوستن يجلسون داخل السؤال نفسه. يدخلون سيارة. يغلق الباب. ينظرون إلى المكان الذي كان يجب أن يوجد فيه المقود. ولا يجدون شيئاً. ربما يكون ذلك الفراغ هو أهم جزء في السيارة كلها. لأنه يقول إننا قد نكون أمام نهاية فكرة عاشت معنا أكثر من قرن: أن السيارة شيء نقوده.

——————–

إعداد: “صوت صورة”

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا