«طنجة الآثمة» كما وصفها محمود درويش.. لماذا ظلت المدينة تغوي العالم؟

كتاب جديد يعيد اكتشاف طنجة، المدينة التي أغوت أجيالاً من الكتّاب والفنانين، من بول بولز إلى إيف سان لوران. لكن Tangier Tangerine يحاول هذه المرة أن يرى المدينة من الداخل، وأن يستعيدها من الأسطورة التي صنعها الغرباء عنها.والعنوان نفسه لعبة لغوية بين اسم طنجة (Tangier) وكلمة Tangerine، أي اليوسفي واللون البرتقالي، وهي كلمة ارتبط اسمها في الإنجليزية تاريخياً بطنجة، التي كانت الفاكهة تصل منها إلى أوروبا.

باريس- “صوت صورة”:
هناك مدن نزورها، ومدن نقرأ عنها، ومدن ثالثة يبدو أنها لا تكف عن اختراع نفسها في خيال الغرباء. طنجة من النوع الثالث.
يكفي أن تنظر إليها من البحر كي تفهم جزءاً من الحكاية. مدينة في أقصى شمال المغرب، يقابلها الشاطئ الأوروبي عبر مضيق ضيق، وخلفها تمتد أفريقيا. ليست أوروبا، وليست بعيدة عنها. عربية ومغربية ومتوسطية وأفريقية، لكن تاريخها أضاف إليها طبقات من الإسبانية والفرنسية والإنجليزية، ومن المهاجرين والرحالة والمنفيين والباحثين عن حياة أخرى.
لهذا جاء إليها الكتاب والرسامون والموسيقيون والمغامرون. بعضهم مرّ بها، وبعضهم بقي فيها، وبعضهم ساهم، عن قصد أو من دونه، في صناعة «طنجة» أخرى موازية للمدينة الحقيقية: طنجة الأدب والفن والأسطورة.
والآن تعود المدينة إلى الواجهة من باب كتاب جديد.
أصدرت دار Assouline العالمية في آب/أغسطس كتاباً فنياً ضخماً بعنوان Tangier Tangerine، للكاتب المغربي سليمان برادة، في 276 صفحة تضم أكثر من 150 صورة. واللافت أن الكتاب لا يريد فقط إعادة تدوير الحكاية القديمة عن «مدينة الغرباء»، بل يحاول أن يرى طنجة أيضاً من الداخل، عبر بيوت أهلها ومصمميها وفنانيها وصورها التي قدم بعض سكانها أنفسهم للكتاب.
ومن هنا يعود السؤال القديم: ما الذي جعل هذه المدينة تحديداً تغوي العالم؟

جاء الغرباء إلى طنجة كي يعيدوا اختراع أنفسهم، أما طنجة اليوم فتريد أن تستعيد حقها في رواية نفسها

 مدينة على حافة عالمين

تصف Assouline طنجة بأنها المكان الذي «تلتقي فيه أفريقيا بأوروبا عبر مضيق ضيق»، وتبني كتابها حول فكرة أن المدينة جذبت طويلاً أولئك الذين جاؤوا إلى شاطئها ليعيدوا اختراع أنفسهم. وهذه العبارة تكاد تختصر تاريخاً كاملاً.
فطنجة لم تغوِ الغرباء لأنها جميلة فحسب. مدن كثيرة جميلة. ولم يكن البحر وحده كافياً، ولا القصبة ولا المقاهي ولا الضوء.
ما امتلكته طنجة كان أكثر ندرة: الإحساس بأن المرء يقف على عتبة. بين قارتين. بين لغات. بين البحر والمحيط. وبين ثقافات لا تندمج تماماً ولا تبقى منفصلة تماماً.
وقد وصفها البحث الأكاديمي بالفعل بأنها «منطقة تماس» ثقافي ولغوي، تلاقت فيها العربية والإسبانية والفرنسية ثم الإنجليزية، وأنتج الاحتكاك بينها أشكالاً أدبية وثقافية هجينة.

غلاف كتاب Tangier Tangerine عن مدينة طنجة للكاتب سليمان برادة
غلاف كتاب Tangier Tangerine للكاتب المغربي سليمان برادة، الصادر عن دار Assouline في أغسطس 2026

وكان وضع طنجة الدولي في القرن العشرين سيضاعف هذا الإحساس.
أصبحت المدينة منطقة دولية في عشرينيات القرن الماضي، قبل أن تعود إلى السيادة المغربية بعد الاستقلال. وفي تلك المرحلة اكتسبت السمعة التي ستلاحقها طويلاً: مدينة مفتوحة، متعددة اللغات، غامضة، يقصدها الدبلوماسيون والجواسيس والأثرياء والفنانون والكتّاب، وكذلك أولئك الذين يريدون الهروب من شيء ما. ومن هنا بدأت الأسطورة.

 بول بولز: الرجل الذي جعل طنجة عنواناً أدبياً

يصعب الحديث عن طنجة الأدبية من دون بول بولز. فقد جاء الكاتب والملحن الأميركي إلى المدينة ثم استقر فيها منذ أواخر الأربعينيات، وظل مرتبطاً بها حتى وفاته عام 1999. وتشير المواد الخاصة بإرثه إلى أنه عاش في طنجة خمسة عقود وجمع فيها مكتبة شخصية تجاوزت ثلاثة آلاف كتاب.
في كتاب Assouline الجديد يظهر بولز وهو يصنع حكاياته عن شمال أفريقيا في مقاهي طنجة. لكن تأثيره تجاوز الكتب التي كتبها. كان حلقة وصل.
تشير دراسة أكاديمية في The Journal of North African Studies إلى أن بولز أدى دور «الوسيط الثقافي»، فكان يصل الفنانين والكتاب الأجانب القادمين إلى المغرب

بعضهم ببعض، وبفنانين محليين أيضاً، وأسهم بذلك في الطريقة التي أخذت بها صورة طنجة تنتقل داخل الثقافة العالمية.
ثم جاء الآخرون. مَرَّ بالمدينة أو ارتبط بها أسماء مثل تنيسي وليامز، وجان جينيه، وويليام بوروز، وجاك كيرواك، وبريون غيسن. وكان لطنجة أبناؤها الذين لم يكونوا مجرد ديكور محلي في حكاية الغرباء: محمد شكري، ومحمد المرابط، والطاهر بن جلون وغيرهم. وتضع دراسة من جامعة القاضي عياض طنجة ضمن المواقع الاستثنائية في تاريخ الفن والأدب بسبب كثافة هذه الأسماء واللقاءات.
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلاً. لأن أسطورة طنجة ليست بريئة تماماً.

مدينة مفتوحة، متعددة اللغات، غامضة، يقصدها الدبلوماسيون والجواسيس والأثرياء والفنانون والكتّاب، وكذلك أولئك الذين يريدون الهروب من شيء ما

مَن كتب طنجة؟

حين نقرأ تاريخ المدينة الثقافي باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، تظهر مشكلة لافتة: كثيراً ما تبدو طنجة كما رآها القادمون إليها، لا كما عاشها أهلها. مدينة الحرية. مدينة المخدرات. مدينة الجنس. مدينة الجواسيس. مدينة الكتاب المنفيين. مدينة يستطيع فيها الأوروبي أو الأميركي أن يفلت من قيود مجتمعه. كل ذلك أصبح جزءاً من «العلامة التجارية» الثقافية لطنجة.
لكن أين الطنجاوي في هذه الصورة؟
السؤال مهم لأن الدراسات الحديثة بدأت تنتقد الطريقة التي جرى بها تغليف المغرب وطنجة ثقافياً للاستهلاك الغربي. حتى بول بولز، الذي ساهم كثيراً في التعريف بالأدب والثقافة المغربية، أصبح موضوعاً لنقاش نقدي حول التملك الثقافي والطريقة التي توسط بها في تقديم أصوات محلية إلى العالم.
وهذا ما يجعل كتاب Tangier Tangerine مثيراً في توقيته.
مؤلفه ليس كاتباً أجنبياً جاء يبحث عن «طنجته» الخاصة. سليمان برادة مغربي. دَرَسَ الأدب، وأصدر روايته الأولى Le Baigneur في فرنسا عام 2025، وهو منذ 2022 أمين مؤسسة التصوير الفوتوغرافي في طنجة. وتقول Assouline إن علاقاته داخل المدينة أتاحت للكتاب دخول بيوت المصممين والقيّمين وجامعي التحف، كما اعتمد على صور قدمها سكان طنجة أنفسهم.
كأن المدينة التي قضت عقوداً موضوعاً لنظرة الآخرين بدأت تقول: دعوني أريكم نفسي أيضاً.

 إيف سان لوران: الضوء الذي أصبح لوناً

ولم تكن طنجة مدينة الكتاب وحدهم. فقد دخلت أيضاً عالم الموضة والتصميم.
يستعيد الكتاب الجديد أثر المدينة في إيف سان لوران، ويتحدث عن لوحة الألوان التي اكتشفها المصمم الفرنسي في ضوئها. وهذا الجانب مهم لفهم إغواء طنجة. فالكاتب يأتي إلى المدينة بحثاً عن الحكاية، والرسام عن الضوء، والمصمم عن اللون، والموسيقي عن الإيقاع. كل واحد يأخذ منها طنجة مختلفة.
ولهذا لا يقدم Tangier Tangerine المدينة عبر مشاهير الماضي فقط. ينتقل من صخب السوق الكبير Grand Socco إلى هدوء إطلالة القصبة، ثم يدخل إلى المساحات الداخلية والبيوت الخاصة التي تشكل ذائقتها المعاصرة.
طنجة هنا ليست متحفاً لزمن بول بولز. إنها مدينة ما زالت تنتج صورتها.

كان لطنجة أبناؤها الذين لم يكونوا مجرد ديكور محلي في حكاية الغرباء

من «مكة المكرمة» إلى «طنجة الآثمة»

وحضرت هذه الصورة عن طنجة حتى في كتابة محمود درويش.
ففي نصه «في وصف حالتنا»، المنشور في مجلة الكرمل عام 1982، يمر على الجغرافيا العربية بلغة ساخرة، ويضع في إحدى مقابلاته اللاذعة «مكة المكرمة» في مقابل «طنجة الآثمة». والتعبير، على قصره، يكاد يلخص سمعة كاملة حملتها طنجة معها طوال القرن العشرين.

فإذا كانت مكة في المخيال العربي مدينة القداسة، فإن طنجة اكتسبت، عن حق أو مبالغة، صورة المدينة الواقفة عند الطرف الآخر: مدينة البحر والغرباء والبارات والكتّاب والمنفيين والجواسيس والحريات التي لا تسأل كثيراً عن هوية الداخل إليها. ولم يكن درويش بحاجة إلى شرح الصفة؛ كانت «طنجة الآثمة» صورة يستطيع قارئ ذلك الزمن أن يلتقط إيحاءها فوراً.

غلاف كتاب الخبز الحافي للكاتب المغربي محمد شكري
غلاف «الخبز الحافي» لمحمد شكري، العمل الذي قدّم طنجة من داخل الهامش والفقر والعنف، في مقابل الصورة الرومانسية التي صنعها عنها كثير من الكتّاب الأجانب

مغناطيس ثقافي

لكن المفارقة أن هذا «الإثم» المزعوم هو نفسه جزء من السر الذي جعل المدينة مغناطيساً ثقافياً.
ولعل تاريخ المدينة الثقافي نفسه يفسر تلك الصفة: فقد اقترن اسمها طويلًا بالغرباء والكتّاب والمنفيين والباحثين عن فضاء أكثر تحرراً. لكن محمد شكري سيكتب، من داخل المدينة، طنجة أخرى تماماً: ليست جنة الغريب الباحث عن الحرية، بل مدينة الجوع والهامش والعنف والرغبة في النجاة.
وبذلك يمكن قراءة عبارة درويش اليوم بطريقة أخرى. «طنجة الآثمة» ليست حكماً أخلاقياً على المدينة بقدر ما تبدو تكثيفاً أدبياً للصورة التي صنعها القرن العشرون عنها: مدينة عربية لم تكن تشبه تماماً الصورة المنتظرة من المدينة العربية؛ مفتوحة على أوروبا، متعددة اللغات، يتجاور فيها المقدس واليومي، المحلي والأجنبي، المحافظة والتحرر.
وربما كان أكثر ما أغوى العالم في طنجة هو هذا بالضبط: أنها لم تسمح لأحد بأن يضعها بسهولة في خانة واحدة.
لكن «طنجة الآثمة» التي صنعتها مخيلة الغرباء، والتقط درويش صداها بتلك المفارقة الساخرة، ليست طنجة الوحيدة. فما يبدو للزائر مدينةً للحرية والمغامرة، قد يبدو لمن عاش في قاعها مدينةً أخرى تماماً.

محمد شكري يقلب المرآة

وهنا يظهر محمد شكري. فمعه تغير موقع الكاميرا. لم تعد المدينة خلفية غريبة يأتي إليها الكاتب الأجنبي ليكتشف الحرية. أصبحت مدينة الفقر والجوع والجسد والعنف والهامش أيضاً.
في «الخبز الحافي» لا نرى طنجة البطاقة البريدية. بل نراها من أسفل. وهذه نقطة حاسمة في تاريخ صورتها الأدبية: هناك فرق بين طنجة التي يأتي إليها أجنبي لأنه يستطيع فيها أن يعيش بحرية أكبر، وطنجة التي يعيش فيها طفل مغربي فقير لأنه لا يملك مكاناً آخر.
والطريف أن العالمين التقيا فعلاً: بول بولز هو الذي ترجم “الخبز الحافي” إلى الإنجليزية، في واحدة من أكثر العلاقات الأدبية إثارة وتعقيداً في تاريخ المدينة الحديث. وتتناول الدراسات المعاصرة هذه العلاقة نفسها باعتبارها مثالاً على التفاوض الثقافي بين الكاتب المغربي والوسيط الأميركي.

طنجة التي كانت بالنسبة إلى الغريب مدينةً للحرية والمغامرة، كانت بالنسبة إلى محمد شكري مدينة الجوع والهامش والرغبة في النجاة

هكذا أصبحت طنجة تنتج صورتين متنافستين: مدينة الحلم بالنسبة إلى القادم، ومدينة الواقع بالنسبة إلى من ولد فيها. وبينهما ولدت أسطورتها.

الجيل الجديد يريد طنجة أخرى

لكن المدينة المعاصرة لم تعد مستعدة لأن تبقى مجرد مسرح لأشباح مشاهير القرن العشرين.
هناك جيل جديد من الفنانين والمصممين والقيمين الثقافيين يحاول إعادة كتابة الحكاية.
وقد رصدت Condé Nast Traveler قبل سنوات هذا التحول، مشيرة إلى مشهد إبداعي محلي يعمل على استعادة سردية المدينة من الصورة الرومانسية المرتبطة بماضيها الاستعماري والدولي، مع مبادرات مثل Think Tanger وأعمال الفنانة المغربية يطو برادة ومشروعات جديدة تعيد وصل الحرف والفن المعاصر بالمجتمع المحلي.
وهذا بالضبط ما يمنح كتاب Assouline الجديد قيمته الآن. فلو كان مجرد صور لبول بولز وإيف سان لوران والمقاهي القديمة، لكان كتابًا آخر عن الحنين. لكن رهانه الأكثر إثارة هو القول إن طنجة لم تنته عندما غادر مشاهيرها أو ماتوا. هناك أناس يعيشون فيها الآن. يصنعون الأثاث، ويجمعون الصور، ويفتحون فضاءات فنية، ويعيدون اكتشاف الحرف، ويلتقطون صور المدينة التي يريدون هم أن يروها.

 لماذا ظلت طنجة تغوي العالم؟

ربما لأن طنجة لم تمنح زوارها جواباً نهائياً عن ماهيتها. المدن الواضحة سهلة الوصف. أما طنجة فبقيت دائماً على الحافة: لا هي أوروبا ولا هي بعيدة عنها؛ لا هي المتوسط وحده ولا الأطلسي وحده؛ تحمل تاريخاً عربياً ومغربياً عميقاً، لكنها مرت أيضاً بتجربة دولية تركت لغات وعمارات وذكريات متداخلة.
ولهذا وجد كل غريب فيها شيئاً كان يبحث عنه. بول بولز وجد المكان الذي يستطيع أن يكتب منه عالمه. إيف سان لوران وجد الضوء واللون. جيل الـBeat وجد فضاءً خارج القيود الأميركية. محمد شكري وجد مادة قاسية ليكتب حياته ومدينة الهامش. والفنانون المغاربة الجدد يجدون اليوم مدينة يريدون استعادتها من الصور التي صنعها عنها الآخرون.
وربما لهذا يبدو عنوان Tangier Tangerine ملائماً على نحو خاص. فحتى الكلمة الإنجليزية Tangerine تحمل في تاريخها اللغوي أثر طنجة؛ اسم مدينة عبر البحر ليصبح اسماً لفاكهة، ثم لوناً. وكأن طنجة، حتى حين تغادر مكانها على الخريطة، تترك شيئاً من اسمها وراءها.
جاء الغرباء إلى طنجة كي يعيدوا اختراع أنفسهم.
أما طنجة اليوم، فيبدو أنها تريد أن تستعيد حقها في رواية نفسها.

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا