باريس- “صوت صورة”:
قبل أن يشاهد معظم الإسرائيليين فيلم «نازا»، كان الجدل حوله قد ملأ الصحافة والسياسة. الفيلم الوثائقي عن غزة، الذي أخرجته راشيل زور ويوفال أبراهام، أثار موجة من الغضب والهجوم على صانعيه. لكن الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي يقرأ هذه الموجة على نحو مختلف: فالفيلم، في رأيه، حقق إنجازاً بمجرد أنه أعاد غزة إلى قلب الحديث الإسرائيلي.
في مقال نشرته صحيفة «هآرتس» يوم 17 سبتمبر/أيلول 2026، كتب ليفي أن الضجة التي أثارها المخرجان سبقت مشاهدة الجمهور للفيلم، ثم قال بعبارة حاسمة: «هذه الضجة هي أفضل ما حدث للمجتمع الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر 2023».
ليفي: المجتمع الواثق من استقامته لا يتفاعل بهذه الطريقة مع فيلم
بالنسبة إلى ليفي، تكمن أهمية ما حدث في موضوع الغضب نفسه. فهو يرى أن الإسرائيليين اعتادوا، طوال سنوات الحرب، أن ينصرف انفعالهم إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أو إلى قضية الرهائن. أما هذه المرة، كما كتب، فقد صُدموا من شيء يأتي من غزة، ومن روايات تتعلق بما جرى فيها.
«للمرة الأولى، يشعر الإسرائيليون بالصدمة من شيء لا علاقة له برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ولا بالرهائن. للمرة الأولى، يغضبون ويصدمون ويفقدون صوابهم من الضجيج القادم من قطاع غزة. وفي قرارة أنفسهم، يعرفون السبب».
ويرى ليفي أن شدة رد الفعل ليست تفصيلاً عابراً في حكاية الفيلم. فقد وصفها بأنها انفجار لما تراكم، في تقديره، من قمع وإنكار وأكاذيب ولامبالاة. وكتب أن هذا الانفجار، على الرغم مما يحمله من مظاهر قاسية، يكشف شيئاً ظل مخفياً لسنوات.
«لقد انتُزعت إسرائيل من هدوئها المريض. فجأة، أصبحت تتحدث عن غزة بدلاً من أن تقتصر على الحديث عن أسعار الرحلات الجوية الدولية».
ومن هنا، يخلص الكاتب إلى أن «نازا» حطّمَ، بتعبيره، انفصال الإسرائيليين عن الواقع. ويعتبر أن الغضب الشديد من زور وأبراهام دليل على أن عملهما أصاب موضعاً بالغ الحساسية. فالمجتمع الواثق من سلامة موقفه، كما يقول، لا يفقد صوابه بسبب فيلم، ولا يسارع إلى مهاجمة صانعيه بهذه الحدة.
ويترك ليفي احتمالاً مفتوحاً: قد تهدأ العاصفة، لكن قوتها قد تشير إلى بداية تحوّل. فهو يعتقد أن محاولات التشهير بالمخرجين وإسكات شهادات الفيلم لا يمكنها إبعاد الأسئلة التي يطرحها. وفي هذا السياق، يكتب أن ما يصفه بمسؤولية إسرائيل عن «الإبادة الجماعية» سيظل، في رأيه، عبئاً على ذاكرتها، وأن الشعور بالذنب لن يختفي بانتهاء الجدل الإعلامي.
ثم ينتقل ليفي من وقع الفيلم إلى خريطة منتقديه. فهو يرى أن «نازا» أسقط الفواصل التي اعتاد المجتمع الإسرائيلي رسمها بين اليمين واليسار، وبين القوميين ومن يقدّمون أنفسهم بوصفهم ليبراليين أو ديمقراطيين. ويقول إن مواقف هؤلاء، على اختلاف لغتها، التقت في الهجوم على الفيلم.
«من الآن فصاعداً، لم يعد هناك يسار ويمين، ولا متنورون وجاهلون، ولا إنسانيون وبرابرة. وكأنهم رجل واحد، انبرى الإسرائيليون لهذا الفيلم وكشفوا بذلك عن وجوههم الحقيقية».
ولإيضاح فكرته، يقارن الكاتب بين تصريحات لشخصيات إعلامية وسياسية متباعدة في صورتها العامة. فيضع هجوم الصحفي اليميني أفري جيلاد على «نازا» إلى جانب تنصل الصحفي يارون أبراهام، على نحو وصفه ليفي بالمثير للاشمئزاز، من أي صلة قرابة بيوفال أبراهام لتشابه اسميهما في العبرية.
لقد حطّمَ فيلم «نازا» انفصال الإسرائيليين عن الواقع
ويقارن كذلك بين اتهام الصحفي أميت سيغال صانعي الفيلم بأنهم يخدمون دعاية “حماس”، وبين نقد الصحفيين رافيف دروكر وأوري مسغاف للفيلم. وفي رأيه، يختلف الأسلوب، لكن النتيجة واحدة: الابتعاد عن النقطة التي يريد الفيلم وضعها أمام الجمهور.
ويتوقف ليفي عند سؤالين يرددهما بعض المنتقدين: «أين السياق؟» و«أين الدليل؟». ويرد بأن من يسألون عن السياق يتجنبون، بحسب قوله، الحديث عن السياق الفلسطيني لهجوم السابع من أكتوبر. أما الذين يطعنون في شهادات الجنود مجهولي الهوية، فيذكّرهم بأن تحقيقات صحفية كبرى، من بينها ووترغيت ووثائق البنتاغون، استعانت بمصادر لم تُكشف أسماؤها.
ثم يوجّه إليهم سؤالاً آخر: أين تحقيقاتهم هم عن غزة؟
ويذهب ليفي إلى أن المطالبة بأسماء الجنود الذين تحدثوا في الفيلم قد تعرّضهم للهجوم نفسه الذي يواجهه المخرجان. لذلك يقرأ التشكيك في شهاداتهم، كما يقرأ الغضب من الفيلم كله، بوصفه محاولة للهرب من مضمونه بدلاً من مواجهته.
وفي السياسة، يضع الكاتب تصريح المعارض أفيغدور ليبرمان ضد صانعي الفيلم، ودعوة وزير الثقافة ميكي زوهار إلى تجريدهم من الجنسية، وإدانة السياسي يائير غولان للعمل، ضمن مشهد واحد. فهذه المواقف، وإن اختلفت حدتها وألفاظها، تحمل في نظره نزعة إلى إسكات أصحاب الفيلم ومعاقبتهم.
«يكمن الاختلاف في التغليف. أما المحتوى فهو نفسه، وفي جميع هذه الحالات، فهو مرعبٌ للغاية، ويحمل طابعاً مكارثياً».
في خاتمة مقاله، يعود ليفي إلى الأشخاص الذين يقفون وراء «نازا»: راحيل زور، ويوفال أبراهام، والجنود الذين أدلوا بشهاداتهم. يقول إنهم كسروا الصمت، وإنهم يستحقون تقديراً كبيراً داخل إسرائيل. لكنه ينهي النص بنبرة مرة: ذلك التقدير، كما يتوقع، قد لا يأتي الآن، بل «فقط في صفحات كتب التاريخ».
هكذا يتجاوز مقال ليفي سؤال نجاح الفيلم أو إخفاقه فنياً. السؤال الذي يضعه أمام قارئه هو: لماذا أثار الحديث عن غزة كل هذا الغضب قبل أن تتاح لمعظم الناس فرصة مشاهدة الفيلم نفسه؟
إعداد: “صوت صورة”
