حملة إعلانية خبيثة من شركة أديداس تحت ذريعة “خدمة مبتوري الأطراف” أشعلت موجة غضب عابرة للحدود، ودفعت رسامين إلى تفكيك شعار الشركة وإعادة تركيبه بوصفه دبابة ورصاصاً وأطرافاً مبتورة، قبل أن تعتذر أديداس عن الإساءة التي سبّبها الإعلان.
——————————
باريس- “صوت صورة”:
لم يبقَ شعار أديداس، بخطوطه الثلاثة المعروفة، على حاله بعد انتشار إعلان إسرائيلي ظهر فيه الجندي السابق شاليف بيتون. ففي رسوم وملصقات توزعت بين الصحافة وصفحات الفنانين ومنصات التواصل، تحوّلت الخطوط إلى رصاصات وجنود ودبابة، وامتزج الشعار بالدم والجماجم والأطراف المبتورة.
بدأ الجدل مع إطلاق خدمة «الحذاء الفردي» (Single Shoe Service) في السوق الإسرائيلية. وتتيح الخدمة للأشخاص الذين يحتاجون إلى حذاء واحد، ومن بينهم مبتورو الأطراف، شراء فردة واحدة مقابل نصف سعر الزوج.

لم تكن الخدمة إسرائيلية المنشأ؛ إذ كانت أديداس قد أطلقتها في 23 دولة أوروبية مطلع عام 2026، بالتشاور مع جهات تمثل ذوي الاحتياجات الخاصة، قبل توسيعها إلى أسواق أخرى. لكن اختيار بيتون للمشاركة في الترويج المحلي لها نقل المبادرة من مجال إتاحة المنتجات إلى قلب الجدل السياسي والأخلاقي المتصل بالحرب على غزة.
كان بيتون واحداً من 11 رياضياً من ذوي الإعاقة ظهرت صورهم في متاجر أديداس داخل إسرائيل، وليس الوجه الوحيد لحملة عالمية كما أوحت بعض المنشورات. وهو جندي سابق في لواء ناحال الإسرائيلي، فقد ساقه اليسرى بعد إصابته في 12 مايو/أيار 2021، عندما استهدف صاروخ مضاد للدروع مركبة عسكرية كان يستقلها قرب الحدود مع قطاع غزة، على الجانب الإسرائيلي منها. وقُتل في الحادث جندي آخر.
وكانت رواية واسعة التداول قالت إن بيتون فقد ساقه خلال اجتياح بري داخل غزة؛ فلم تقع عملية برية إسرائيلية في القطاع خلال مواجهة مايو/أيار 2021، وإن كان بيتون قد أُصيب أثناء خدمته العسكرية وفي سياق تلك المواجهة.
غير أن الدقة في مكان إصابته لم تبدد الاعتراض الأساسي على الإعلان. فقد رأى منتقدون أن تقديم جندي إسرائيلي سابق بوصفه رمزاً ملهماً لتجاوز البتر يتجاهل آلاف الفلسطينيين الذين فقدوا أطرافهم نتيجة الحرب الإسرائيلية على غزة.
تقدّر منظمة الصحة العالمية أن ما بين خمسة آلاف وستة آلاف شخص في غزة خضعوا لعمليات بتر حتى مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2025، ضمن عشرات الآلاف من الإصابات التي غيّرت حياة أصحابها. وأسهم هذا التناقض بين صورة الجندي الذي عاد إلى الركض وصور مبتوري الأطراف في غزة في إشعال دعوات إلى مقاطعة أديداس، شاركت فيها شخصيات من بينها الممثل الإسباني خافيير بارديم والكاتبتان سوزان أبو الهوى وفاطمة بوتو.
الجندي يقفز فوق الأطراف
من أكثر الأعمال اتصالاً بجوهر القضية رسم الفنان الأردني عماد حجاج. يظهر فيه جندي إسرائيلي، يحمل بندقية ويرتدي حذاءً بخطوط أديداس، وهو يقفز فوق ثلاثة أطراف بشرية مبتورة ودامية ترتفع من حروف اسم الشركة.

يجمع حجاج بين الحذاء الرياضي والحذاء العسكري في صورة واحدة، ويجعل الجندي يتجاوز الضحايا حرفياً. وبينما يقوم الإعلان الأصلي على فكرة استعادة القدرة على الحركة بعد البتر، يقلب الرسم هذه الفكرة ليتساءل عمّن مُنح حق الظهور بوصفه ناجياً، وعمّن بقي خارج الصورة.
ولا يقرر الرسم أن بيتون نفسه تسبب في بتر الأطراف المصوّرة؛ بل يضع مشاركته العسكرية داخل السياق الأوسع للحرب ونتائجها على الفلسطينيين.
شعار يتحول إلى دبابة
في رسم آخر نُشر في «القدس العربي» بعنوان «حملة ترويجية لشركة أديداس الرياضية تدعم الاحتلال»، يتحول شعار الشركة تدريجياً إلى دبابة إسرائيلية. تصبح الخطوط الثلاثة هيكلاً مدرعاً، ثم يظهر فوقها مدفع ونجمة داود.
تكمن قوة العمل في بساطة التحول: لا يضيف الرسام إلى الشعار عنصراً خارجياً فحسب، بل يستخرج الدبابة من داخله، في اتهام بصري بأن القرار الإعلاني دمج العلامة التجارية بصورة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
بطرس المعري: ثلاثة خطوط تصبح ثلاث رصاصات
اختار الفنان السوري بطرس المعري أكثر الصيغ اختزالاً. ففي رسم أنجزه لـ«ألترا سوريا»، تحولت خطوط أديداس الثلاثة إلى ثلاث رصاصات متفاوتة الحجم، بينما بقي اسم الشركة أسفلها بتكوينه المألوف.

لا يحتاج الرسم إلى شخصيات أو مشاهد حرب. مجرد استبدال الخطوط بالمقذوفات ينقل العلامة من فضاء الرياضة إلى فضاء العنف العسكري. وفي هذا الاقتصاد البصري تكمن رسالته: ما تعتبره الشركة نشاطاً محلياً محدوداً رآه الرسامون اصطفافاً لا يمكن فصله عن الحرب.
علاء اللقطة: ثلاث مراحل نحو إسرائيل
اعتمد الفنان الفلسطيني علاء اللقطة أسلوباً قريباً من الرسوم الإرشادية. وضع شعار أديداس في المرحلة الأولى، ثم أعاد ترتيب أوراقه وخطوطه في الثانية، قبل أن ينتهي التحول، في المرحلة الثالثة، إلى نجمة داود.

لا يستخدم اللقطة دماءً أو ضحايا أو أدوات حرب، بل يبني نقده على تسلسل هندسي هادئ. وكأن الرسم يقول إن اختيار الجندي لم يكن تفصيلاً عابراً، بل نقل صورة العلامة، في نظر منتقديها، من شركة رياضية إلى رمز مرتبط بالدولة الإسرائيلية.
أنطونيو رودريغيز: طفلان تحت شعار ملطخ بالدم
في عمل للفنان أنطونيو رودريغيز غارسيا، المعروف بتوقيع «Rodríguez» يندمج شعار أديداس بنجمة داود ملطخة بالدم، بينما ينظر إليه طفلان فلسطينيان، أحدهما مبتور الساق ويستند إلى عكاز.

يستعيد الرسم المقارنة التي قادت حملة الاحتجاج: في الأعلى علامة تجارية مرتبطة بإسرائيل، وفي الأسفل أطفال يمثلون الضحايا الغائبين عن الإعلان. ومن خلال الطفل المبتور تحديداً، يعيد رودريغيز توجيه خدمة «الحذاء الفردي» نحو السؤال الذي حاول المحتجون فرضه: ماذا عن مبتوري الأطراف في غزة؟
ظهر العمل في منشور إسباني من صفحة «La utopia se camina».
أسامة حجاج يقلب شعار الشركة
استعار الفنان الأردني أسامة حجاج واحداً من أشهر شعارات أديداس، «Impossible is Nothing»، ثم قلبه إلى «Impossible is Gone»؛ أي «المستحيل اختفى».
فوق العبارة، ترتفع ثلاثة مبانٍ مدمرة من الركام على هيئة خطوط شعار أديداس، بينما يحمل التصميم في أسفله اسماً بديلاً هو «Adidas Gaza».
يجمع العمل بين السخرية من اللغة الإعلانية وصورة الدمار في غزة. فعبارة «المستحيل اختفى» التي يمكن أن تبدو تحفيزية في سياق رياضي تتحول، بجوار الأبنية المنهارة، إلى وصف قاتم لمحو العمران وإمكانات الحياة.
جنود وجماجم داخل الشعار
نشرت وكالة تسنيم الدولية للأنباء، في 8 سبتمبر/أيلول، رسمًا بعنوان «أديداس تسوّق للجلاد وتتجاهل الضحية». تستبدل الصورة خطوط الشعار بثلاثة جنود إسرائيليين ذوي ابتسامات ساخرة، وتضع جماجم داخل الفراغات في حروف اسم الشركة.
يقدم الرسم اتهامه مباشرة: تحولت خطوط العلامة إلى جنود، وتحولت حروفها إلى موت.
لقد اخترتموه
اتخذ تصميم نشرته مجلة «Think Marketing Magazine» شكل إعلان مضاد. تحت عبارة «You chose him» يظهر رجل مبتور الساق يركض مرتدياً ملابس أديداس، في مقابل طفلة فلسطينية مصابة تستخدم عكازين.
وتقول الرسالة المكتوبة أسفل الرسم إن أديداس اختارت جندياً إسرائيلياً بدلاً من آلاف مبتوري الأطراف في غزة.
رسوم متداولة
انتشرت كذلك صور تحوّل شعار أديداس إلى لطخات دم، أو تضع الشعار الأبيض فوق خلفية دموية. غير أن بعض هذه التصميمات لا يحمل توقيعاً، كما ظهرت نسخ مشابهة خلال حملات سابقة ضد الشركة، ولا سيما بعد أزمة إعلان عارضة الأزياء الأميركية الفلسطينية بيلا حديد عام 2024.

اعتذار لم يسمِّ الخطأ
بعد اتساع دعوات المقاطعة، أصدرت أديداس في 7 سبتمبر/أيلول بياناً من مقرها العالمي قالت فيه إنها تدرك أن صورة استُخدمت في «نشاط محلي حديث» أثارت مخاوف وردود فعل قوية، وإنها لم تكن تقصد التسبب في الإساءة وتعتذر لكل من تأثر.
أكدت الشركة أن الإعلان كان نشاطاً محلياً نفذه فريقها في إسرائيل، وليس جزءاً من الحملة العالمية، وقالت إنها تأخذ الملاحظات بجدية وستواصل الاستماع والتعلم. كما أوضحت أن خدمة الحذاء الفردي ستتوسع في أسواق تشمل فلسطين والإمارات ولبنان والسعودية والكويت وقطر ومصر.
بيان أديداس صيغ باعتذار عن «الإساءة» التي أحدثتها الصورة، من دون أن يقول صراحة إن اختيار بيتون كان خطأ. ولم يتضمن البيان إعلاناً عن إلغاء الخدمة أو إنهاء التعاون معه. وأفادت تقارير بأن بيتون حذف الفيديو الترويجي من حسابه، لكن ذلك لا يثبت وحده أن أديداس سحبت الحملة كاملة.
العلم الفلسطيني يخرج من الشعار
بعد الاعتذار، نشرت صحيفة «اليوم السابع» المصرية رسماً تظهر فيه يد ترتدي الكوفية، خارجة من بين خطوط شعار أديداس ورافعة العلم الفلسطيني.
يختلف هذا العمل عن الرسوم السابقة؛ فهو لا يصور بداية الغضب بل نتيجته. يظهر الاحتجاج الفلسطيني وكأنه اخترق العلامة التجارية وانتزع منها رداً علنياً.
من الدبابة والرصاص إلى الكوفية والعلم، كشفت هذه الرسوم كيف يمكن لشعار تجاري شديد الشهرة أن يتحول إلى مادة للاحتجاج السياسي. وكذلك كيف يمكن أن تصل ماركة محبوبة وموثوقة للغاية إلى الحضيض عندما تنحاز بشكل سافر إلى صف الجريمة والمجرمين.
وبينما حاولت أديداس حصر القضية في «نشاط محلي»، أعادها الفنانون إلى سياقها الأوسع: حرب خلّفت آلاف مبتوري الأطراف، واختيار مؤسسي حدد أي قصة تُروى وأي ضحايا يبقون خارج الإطار.

——————-
إعداد: “صوت صورة”
