باريس- “صوت صورة”:
لم ينتظر المسرح الألماني اكتمال مفاوضات تشكيل الحكومة كي يعلن قلقه. ففي اليوم التالي لانتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت، التي جرت في 6 سبتمبر/أيلول 2026، أصدر «مسرح ماغديبورغ» و«اتفاقية المسرح الأوروبي» بياناً مشتركاً يحذّران فيه من أن الحرية الفنية لا يجوز أن تصبح رهينة للأولويات السياسية للحكومة القائمة.
سبب القلق ليس افتراضياً. فقد تصدّر حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الانتخابات محققاً 43.8 في المائة من الأصوات، مقابل 17.2 في المائة للاتحاد الديمقراطي المسيحي، وفق النتيجة الأولية التي أوردتها إذاعة وسط ألمانيا «MDR». وحصل الحزب على 39 مقعداً من أصل 83، أي إنه أخفق في بلوغ الأغلبية المطلقة بثلاثة مقاعد، ولا يستطيع حتى الآن تشكيل الحكومة بمفرده. وبلغت نسبة المشاركة 77.8 في المائة، وهي الأعلى في تاريخ انتخابات الولاية منذ إعادة توحيد ألمانيا. وهذه التفاصيل ضرورية: الحزب فاز، لكنه لم يحكم بعد؛ والخطر الذي تتحدث عنه المؤسسات الثقافية احتمال سياسي قريب، لا واقعة منجزة.
الديمقراطية تمنح الفائز سلطة إدارة المال العام، لكنها لا تمنحه ملكية الخيال العام
من صندوق الاقتراع إلى خشبة المسرح
قد يبدو الربط بين نتيجة انتخابية وبرنامج مسرح أمراً بعيداً، لولا أن «البديل من أجل ألمانيا» دخل الانتخابات ببرنامج معلن لإعادة تشكيل السياسة الثقافية. ففي برنامجه الحكومي لساكسونيا أنهالت، يطرح الحزب ما يسميه «سياسة ثقافية وطنية»، ويربط وظيفة الفن بالمحافظة على الهوية الألمانية. وينتقد مسارح الولاية لأنها، في رأيه، لا تقدم ما يكفي من النصوص الألمانية، ويقترح توجيه المال العام نحو فن يسهم في بناء الهوية القومية، مع وقف تمويل ما يصفه بالفن «المعادي لألمانيا».
المشكلة هنا ليست في الدعوة إلى عرض غوته أو شيلر أو كلايست؛ فهذه أسماء أساسية في تاريخ المسرح العالمي. المشكلة تبدأ عندما تتحول الذائقة السياسية للسلطة إلى معيار لاستحقاق التمويل. حينها لا يعود السؤال: هل العرض جيد أم رديء؟ بل: هل يخدم الصورة التي تريدها الحكومة للأمة؟
هذا التحول دقيق لكنه حاسم. لا تحتاج السلطة إلى منع مسرحية بقرار رقابي مباشر إذا استطاعت منع التمويل عن المسرح الذي ينتجها. ولا يلزم أن يدخل السياسي إلى غرفة البروفات يكفي أن يعرف المدير الفني أن عقده وميزانية فرقته وخطط تجديد مبناه مرهونة بقرارات مجلس سياسي يريد نوعاً بعينه من الفن.
رقابة بلا مقص
المسرح العمومي حر من حيث المبدأ، لكنه ليس مستقلاً مادياً عن الدولة. فهو يحتاج إلى مبنى، وفرقة دائمة، ورواتب وتقنيات وورش إنتاج لا تستطيع إيرادات التذاكر وحدها تغطيتها في معظم الأحيان. لذلك يصبح التمويل العام شرطاً لإتاحة المسرح للجمهور، وفي الوقت نفسه نقطة ضعفه أمام السلطة.
الرقابة المعاصرة لا تظهر دائماً في صورة شرطي يمنع العرض. قد تأتي على هيئة تخفيض في الميزانية، أو عدم تجديد عقد مدير، أو اشتراط «التوازن» في البرنامج، أو تحويل الدعم إلى المؤسسات الأكثر انسجاماً مع خطاب الحكومة. وتستطيع هذه الأدوات أن تخلق رقابة ذاتية أشد فاعلية من قرار المنع: يبدأ المسرح باستبعاد النصوص والمخرجين والموضوعات التي قد تهدد تمويله، قبل أن تطلب السلطة ذلك صراحة.
من هنا جاءت لهجة بيان «مسرح ماغديبورغ» و«اتفاقية المسرح الأوروبي». المدير الفني للمسرح، جوليان شافاز، أقر بأن النتيجة الانتخابية تمثل واقعاً ديمقراطياً ينبغي التعامل معه بجدية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن تصورات الحزب الثقافية لا تنسجم مع مبادئ المسرح الحر وهويته. أما المديرة التنفيذية لاتفاقية المسرح الأوروبي، هايدي وايلي، فاختصرت جوهر القضية بتأكيدها أن الحرية الفنية لا يجوز أن تتوقف على الأولويات السياسية للحكومة القائمة.
الدفاع عن الحرية الفنية هنا لا يعني رفض نتيجة الانتخابات أو إنكار أصوات الناخبين. إنه يعني التمييز بين حق الأغلبية في تشكيل الحكومة وحقها المزعوم في تحديد الفن المقبول. الديمقراطية تمنح الفائز سلطة إدارة المال العام، لكنها لا تمنحه ملكية الخيال العام.
ضمان دستوري لا يلغي الخطر المالي
يضمن القانون الأساسي الألماني حرية الفن في المادة الخامسة. غير أن الحماية الدستورية لا تجيب وحدها عن جميع الأسئلة العملية. فقد يكون منع عرض بعينه قابلاً للطعن أمام القضاء، لكن إثبات أن تخفيض ميزانية مؤسسة ثقافية كان عقاباً سياسياً أكثر تعقيداً. تستطيع الحكومة دائماً الاستناد إلى التقشف أو إعادة ترتيب الأولويات أو إصلاح الإدارة.
متى ارتبط بقاء المسرح برضا المموّل السياسي، غدت حريته قابلة للتفاوض
لهذا لا يدور الخلاف فقط حول حرية الفنان الفرد، بل حول استقلال المؤسسة التي تتيح لهذا الفنان أن يعمل. ويزداد الأمر حساسية لأن الثقافة في النظام الاتحادي الألماني تقع بدرجة كبيرة ضمن صلاحيات الولايات؛ ومن ثم تستطيع حكومة الولاية التأثير مباشرة في سياسات التمويل وفي المؤسسات الواقعة ضمن نطاقها.
وتظهر بيانات حكومة ساكسونيا أنهالت أن تمويل الثقافة يشمل المسارح والأوبرا والأوركسترات والمؤسسات المستقلة والتراث الثقافي. أي أن نتيجة الانتخابات لا تمس خطاباً ثقافياً مجرداً، بل شبكة واسعة من الوظائف والمباني والمهرجانات وبرامج الجمهور.
ما يتجاوز الحالة الألمانية
تكشف أزمة ساكسونيا أنهالت مفارقة لا تخص ألمانيا وحدها: فالدولة هي التي تتيح للمسرح العمومي شروط وجوده، لكنها قد تتحول، بالأدوات نفسها، إلى مصدر تهديد لاستقلاله. وكلما اجتمعت في يد المؤسسة الرسمية ملكية القاعة وتمويل الفرقة وتنظيم المهرجان ومنح تراخيص العرض والجوائز، ضاقت المسافة بين الرعاية والوصاية. ولا يتطلب الأمر دائماً انقلاباً سياسياً صريحاً؛ فقد يكون تبدل أولويات الوزارة، أو المسؤول عن توزيع الدعم، كافياً لجعل الحرية الفنية أكثر هشاشة.
تختلف قدرة المؤسسات على مقاومة هذا النوع من الضغوط باختلاف السياقات. ففي ألمانيا، تمنح الحماية الدستورية وتعدد مستويات التمويل، إلى جانب القضاء والنقابات والروابط المهنية والصحافة، المؤسسات الثقافية أدوات للمساءلة والدفاع عن استقلالها. وتصبح المخاطر أشد حين تجتمع سلطات التمويل والترخيص والإدارة في جهة واحدة، بينما يظل المسرح المستقل محدود الموارد والحماية.
لكن جوهر المسألة واحد: متى ارتبط بقاء المسرح برضا الممول السياسي، غدت حريته قابلة للتفاوض. وليس الحل في انسحاب الدولة من الثقافة، لأن ترك المسرح للسوق وحده يعني إخضاعه لمنطق الربح وقدرة الجمهور على دفع ثمن التذكرة. المطلوب، بالأحرى، أن تفصل ضمانات مؤسسية بين المال العام والقرار الفني: مجالس تمويل مستقلة، وعقود متعددة السنوات، ومعايير معلنة، وآليات للاعتراض، ومصادر دعم متنوعة. عندئذ يصبح التمويل العام حماية لحق المجتمع في ثقافة حرة، لا مقابلاً لصمت الفنان أو امتثاله.
المسرح الحر لا يُقاس بالنصوص التي لم تُمنع فقط، بل بقدرة الفنان على الاختيار من دون الخوف على ميزانية موسمه المقبل
هل يبقى المسرح حراً؟
الجواب القانوني هو نعم: فوز حزب في الانتخابات لا يلغي حرية الفن، ولا يمنحه تلقائياً السيطرة على المسارح. والجواب السياسي أقل اطمئناناً: الحرية قد تبقى مكتوبة في الدستور بينما تضيق شروط ممارستها عبر الميزانية والتعيينات والخوف من المستقبل.
لم يصبح «البديل من أجل ألمانيا» حاكماً لساكسونيا أنهالت بعد، ولا يملك الأغلبية التي تتيح له الحكم منفرداً. لكن رد فعل «مسرح ماغديبورغ» يكشف أن الصراع بدأ قبل تشكيل الحكومة. إنه صراع على تعريف المسرح العمومي: هل هو جهاز يعرض الصورة التي تختارها السلطة للأمة، أم فضاء تموله الدولة كي يستطيع المجتمع أن يرى نفسه، بما في ذلك تناقضاته وما لا ترغب السلطة في رؤيته؟
المسرح الحر لا يُقاس بعدد النصوص التي لم تُمنع فقط. يُقاس أيضاً بقدرة الفنان على اختيار نصه من دون أن يسأل أولاً إن كان هذا الاختيار سيكلّفه ميزانية الموسم المقبل.
————–
إعداد: “صوت صورة”
