ثلاثة معارض كبرى تعيد تقديم المعماري الأميركي الأسود الذي صمّم قصور نجوم هوليوود، وأسهم في بناء مؤسسات مجتمع حُرم أفراده من السكن في أحياء كثيرة من المدينة
حين تهبط الطائرات في مطار لوس أنجلوس، يلوح للمسافرين مبنى مستقبلي قائم على دعامات مقوّسة، أشبه بمركبة فضائية استقرت وسط المطار. إنه «ثيم بيلدنغ»، أحد أشهر رموز المدينة في حقبة منتصف القرن العشرين. شارك في تصميمه عدد من كبار المعماريين، بينهم رجل ظَلَّ اسمه، على الرغم من حضوره الواسع في المشهد العمراني، أقل شهرة بكثير من المباني التي تركها: بول ريفير ويليامز.

باريس- “صوت صورة”:
تحقيق حديث نشرته صحيفة «الغارديان» يعيد قراءة سيرة ويليامز بوصفه أكثر من «معماري نجوم هوليوود». فالرجل الذي صمّم مساكن لفرانك سيناترا وكاري غرانت ولوسيل بول وديزي أرناز، شارك أيضاً في تشكيل لوس أنجلوس المدنية والاجتماعية: من الفنادق والمطارات والمحاكم، إلى الكنائس والمساكن الميسّرة والمشروعات التي خدمت المجتمع الأسود في سنوات الفصل العنصري والتمييز العقاري.
وتأتي هذه العودة بالتزامن مع سلسلة غير مسبوقة من ثلاثة معارض تنظمها مؤسسات فنية كبرى في لوس أنجلوس: متحف فيشر للفنون في جامعة جنوب كاليفورنيا، ومتحف مقاطعة لوس أنجلوس للفنون «لاكما»، ومعهد غيتي للأبحاث. وهي معارض لا تكتفي بعرض منجز معماري غزير، بل تسعى إلى وضع ويليامز في موقعه المستحق ضمن تاريخ الحداثة الأميركية والعالمية.
كان ويليامز يصمم بيوتاً في أحياء لم يكن يحق له أن يشتري منزلاً فيها
حلم بدا «كالسفر إلى المريخ»
وُلد بول ريفير ويليامز في لوس أنجلوس عام 1894، وفقد والديه وهو طفل صغير. وفي المدرسة الثانوية أعلن رغبته في أن يصبح معمارياً، فجاءه رد أحد أساتذته مشبعاً بمنطق عصره: من سيستعين بمعماري أسود، وكيف يمكنه أن ينجح في مهنة يعتمد أصحابها على زبائن بيض؟
روى ويليامز هذه الواقعة في مقال نشره عام 1937 بعنوان «أنا زنجي»، وقال إن معلمه استقبل طموحه بالدهشة نفسها التي كان سيبديها لو اقترح عليه القيام برحلة صاروخية إلى المريخ. لكن ذلك الإحباط لم يثنه؛ بل حوّله إلى سؤال عملي: كيف يصبح معمارياً لا يستطيع المجتمع تجاهل موهبته؟
بدأ رساماً معمارياً، وفاز بمسابقات لم تكن لجان التحكيم تعرف عِرق صاحب الرسومات. ثم أسس مكتبه الخاص في مرحلة كانت لوس أنجلوس تشهد نمواً سكانياً وعمرانياً هائلاً. وفي عام 1921 أصبح أول معماري أسود مرخّص له في ولاية كاليفورنيا، ثم أول عضو أسود في المعهد الأميركي للمعماريين عام 1923.
وفي مفارقة تختصر زمنه، كان ويليامز يصمم بيوتاً في أحياء لم يكن يحق له، بسبب القيود والمواثيق العقارية العنصرية، أن يشتري منزلًا فيها. ويُنسب إليه أنه أتقن الرسم مقلوباً من الجهة الأخرى للطاولة كي يستطيع عرض تصاميمه على بعض العملاء البيض من دون أن يضطروا إلى الجلوس بمحاذاته. غير أن اختزال قصته في هذه المهارة، مهما كانت دلالتها، قد يحجب الجانب الأهم: قدرته الاستثنائية على العمل عبر أنماط معمارية ووظائف اجتماعية شديدة التنوع.
ثلاثة آلاف مشروع لا قصور النجوم وحدها
امتدت مسيرة ويليامز نحو ستة عقود، ويُقدّر رصيده بأكثر من ثلاثة آلاف مشروع. شملت أعماله مساكن خاصة ومباني تجارية ودينية ومدنية وفنادق ومشروعات إسكان جماعي. وكان من بين إسهاماته مبنى محكمة مقاطعة لوس أنجلوس، ومشروعات في مطار المدينة، وتوسعات فندق بيفرلي هيلز، إضافة إلى كنائس ومؤسسات اقتصادية ارتبطت بتاريخ المجتمع الأسود.
ومن التفاصيل اللافتة أن الشعار الخطي الشهير لفندق بيفرلي هيلز مأخوذ من خط يده. أما في مساكن المشاهير، فقد جمع بين الدقة والقدرة على الاستجابة لرغبات شديدة الخصوصية؛ إذ طلب فرانك سيناترا، مثلاً، سريراً يمكن دفعه آلياً من غرفة النوم إلى الفناء الخارجي.
لكن «الغارديان» تحذر من الأسطورة التي تحصر ويليامز في هذه القصور. فعمله امتد إلى الإسكان الاجتماعي ومتعدد الوحدات، وإلى توفير مساكن للأسر السوداء والجنود السود العائدين من الحرب، في وقت كانت فيه سياسات «الخطوط الحمراء» تحرم الأقليات من التمويل العقاري وتغلق أمامها مناطق واسعة من المدن.
كما شارك في مشروع «لانغستون تيراس» في واشنطن، أحد أقدم مشروعات الإسكان العام في الولايات المتحدة، وجرّب نماذج إنشائية منخفضة التكلفة ومواد كانت تعد مبتكرة، ومنها الألمنيوم. وتكشف رسوماته المحفوظة عناية استثنائية بالتفاصيل الإنشائية والمواد، فضلاً عن اهتمامه بالإضاءة والألوان والأثاث والسلالم الحلزونية التي غدت إحدى علاماته الجمالية.
المدينة تحمل في مواقع كثيرة بصمة رجل كان يبني داخل نظام يضع الحدود أمامه، ثم يستخدم العمارة، بهدوء ومهارة، لتوسيع حدود الممكن
يقول المعماري والأكاديمي ميلتون كاري، أحد القيّمين على معرض جامعة جنوب كاليفورنيا، إن جودة هذه الرسومات وحرفيتها تستحقان إدخال ويليامز في الصف الأول من تاريخ العمارة الحديثة، إلى جوار أسماء مثل فرانك لويد رايت وميس فان دير روه ولو كوربوزييه وفرانك غيري. ويرى كاري أن غزارة إنتاج ويليامز وتنوعه يتحدّيان حتى قدرة كثير من «نجوم العمارة» المعاصرين، بحسب شهادته الواردة في تحقيق الغارديان
العمارة في مواجهة العزل
لا تكمن أهمية ويليامز في أنه نجح، فردياً، داخل منظومة عنصرية وحسب. فعدد من مبانيه أسهم في تكوين البنية المادية للمجتمع الأسود في لوس أنجلوس.
صمّم كنيسة «فيرست أفريكان ميثوديست إبيسكوبال»، والكنيسة المعمدانية الثانية، ومبنى شركة «غولدن ستيت ميوتشوال لايف إنشورنس». وفي زمن كان السود يعانون التمييز في الخدمات المصرفية والتأمين والإسكان، لم تكن هذه المباني مجرد منشآت جميلة؛ بل فضاءات للعبادة والتنظيم الاجتماعي والعمل وتكوين رأس المال داخل المجتمع.
كما خدم ويليامز في لجنة تخطيط مدينة لوس أنجلوس، وهيئة إعادة التنمية في كاليفورنيا، ولجنة استشارية اتحادية معنية بسياسات الإسكان. وبذلك تحرك بين التصميم الفردي للمنزل والعمل المؤسسي المتصل بكيفية نمو المدن وتوزيع فرص السكن فيها.

لهذا يركّز معرض معهد غيتي، «العمارة عبر خط اللون»، على الطريقة التي ساعدت بها أعماله في تحدي أنظمة الإقصاء العنصري وبناء «لوس أنجلوس السوداء». والمقصود بخط اللون هنا ليس حاجزاً مجازياً فقط، بل شبكة فعلية من التشريعات والممارسات التمويلية والحدود السكنية التي حددت أين يستطيع الأميركي الأسود أن يعيش ويعمل ويمتلك العقار. ويُعرض أرشيفه أمام الجمهور للمرة الأولى في هذا السياق، وفق معهد غيتي للأبحاث.
ثلاثة معارض… وثلاث زوايا لقراءة الإرث
افتتح متحف فيشر في 18 أغسطس/آب معرض «بول ر. ويليامز: معماري قيد النظر»، المستمر حتى 13 مارس/آذار 2027. ويركز على إسهاماته في الإسكان متعدد العائلات، من خلال 35 مشروعاً، ورسومات أصلية من أرشيفه، وسبعة أعمال جديدة لفنانين ومعماريين معاصرين تحاور إرثه. وتصف جامعة جنوب كاليفورنيا هذه المشروعات بأنها سعي إلى حلول مبتكرة وكريمة للسكن الجماعي في مرحلة التوسع الحضري السريع.
أما معرض «بول ر. ويليامز: معماري من أجل العيش» في «لاكما»، والمقرر من 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 إلى 31 مايو/أيار 2027، فيقدّم بانوراما أوسع لأعماله السكنية والمدنية والدينية والتجارية والفندقية، ويعرض رسومات وصوراً لم يسبق تقديمها للجمهور. وتوضح صفحة المعرض في لاكما أن الهدف هو إظهار اتساع تجربته الأسلوبية والجغرافية، من جنوب كاليفورنيا إلى لاس فيغاس وأميركا اللاتينية.
ويكتمل المشروع بمعرض غيتي من 15 ديسمبر/كانون الأول 2026 حتى 14 مارس/آذار 2027، مركّزاً على علاقته بالمجتمع الأسود وعلى العمارة باعتبارها أداة لبناء الفرص والانتماء، لا مجرد تشكيل للواجهات والمساحات.
تعتمد المعارض الثلاثة على أرشيف ويليامز الذي استحوذ عليه معهد غيتي وجامعة جنوب كاليفورنيا بصورة مشتركة عام 2020. ويضم رسومات ومخططات وصوراً ووثائق وتذكارات، كثير منها يظهر للمرة الأولى. وعلى الرغم من فقدان قسم من سجلات مكتبه في حريق وقع عام 1992، نجا معظم أرشيفه المعماري لأنه كان محفوظاً في موقع آخر، وفق جامعة جنوب كاليفورنيا
تكريم متأخر وفتح للأرشيف
حصل ويليامز على ميدالية «سبينغارن» التي تمنحها الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين، وعلى درجات دكتوراه فخرية وتكريمات مهنية متعددة. لكن أكثر اعترافاته رمزية جاء بعد وفاته بسبعة وثلاثين عاماً، حين مُنح في 2017 الميدالية الذهبية للمعهد الأميركي للمعماريين، أعلى تكريم تمنحه المؤسسة، ليصبح أول معماري أسود ينالها.
هذا التأخر هو جزء من القصة التي ترويها المعارض. فإعادة ويليامز إلى الواجهة لا تعني إضافة اسم منسي إلى قائمة المشاهير فحسب، وإنما مراجعة الطريقة التي كُتب بها تاريخ العمارة: من عُدّ صاحب رؤية، ومن اختُزل في هويته أو في زبائنه، ومن بقيت أعماله حاضرة فيما غاب اسمه.
إنها أيضاً دعوة إلى النظر إلى لوس أنجلوس نفسها بطريقة مختلفة. فالمدينة التي تبدو بلا مركز واحد، والمكوّنة من الفنادق والقصور والمطارات والكنائس والمجمعات السكنية، تحمل في مواقع كثيرة بصمة رجل كان يبني داخل نظام يضع الحدود أمامه، ثم يستخدم العمارة، بهدوء ومهارة، لتوسيع حدود الممكن.
وربما تكون القيمة الأعمق لفتح أرشيفه الآن أن القصة لم تكتمل بعد. فالرسومات والوثائق قد تكشف جوانب غير مدروسة من استخدامه اللون والمواد وتصميم الأثاث، ومن علاقته بالإسكان والسياسة الحضرية. وكما يقول ميلتون كاري: عندما تُفتح الأرشيفات، تظهر حكايات لم نكن نعرف بوجودها.