«اقتصاد الكرامة».. فلوين سار يسأل: لماذا تقيس أفريقيا مستقبلها بمقاييس الغرب؟

بعد عشر سنوات من «أفروتوبيا»، يعود المفكر السنغالي بكتاب جديد يدعو إلى «اقتصاد الكرامة» وإعادة اختراع السياسة والتعليم والضيافة انطلاقاً من موارد أفريقيا وأفكارها
ماذا لو لم تكن مشكلة أفريقيا أنها تأخرت عن الآخرين، بل أنها ما زالت تقيس نفسها بمسطرة صنعها الآخرون؟
وماذا لو لم يكن السؤال الصحيح: كيف تلحق أفريقيا بالدول «المتقدمة»؟ بل: أي نوع من المجتمعات تريد أفريقيا أصلاً أن تبنيه؟

غلاف كتاب La Fabrique du présent لفلوين سار
غلاف كتاب «La Fabrique du présent» لفلوين سار، الصادر في 2026، وفيه ينتقل من تخيل أفريقيا أخرى إلى السؤال عن كيفية صنع الحاضر

باريس- “صوت صورة”:

قبل عشر سنوات، أطلق المفكر والاقتصادي السنغالي فلوين سار سؤالاً من هذا النوع في كتابه الشهير Afrotopia. وكان من أكثر عباراته استفزازاً وبساطة أن «أفريقيا ليس عليها أن تلحق بأحد»؛ أي أن القارة لا ينبغي أن تتعامل مع التاريخ بوصفه سباقاً له خط نهاية واحد، تقف أوروبا عند مقدمته ويحاول الآخرون الوصول إليها.
اليوم يعود سار إلى السؤال نفسه، لكن من مكان مختلف. لم يعد يريد الاكتفاء بتخيل المستقبل. يريد صناعة الحاضر. وهذا هو عنوان كتابه الجديد La Fabrique du présent. Pour des utopies en actes، أي «صناعة الحاضر: من أجل يوتوبيات تتحول إلى أفعال»، الصادر عن دار Philippe Rey في أبريل/نيسان 2026.
وفي مقابلة موسعة نشرتها صحيفة لوموند أخيراً، يشرح سار ما يعنيه بذلك: بعد مرحلة تحرير المخيلة الأفريقية، حان وقت السؤال الأصعب: كيف تتحول الأفكار إلى مدارس ومستشفيات وسياسات واقتصاد وحياة كريمة؟

المشكلة ليست أن أفريقيا متأخرة عن الغرب، بل أنها ما زالت تقيس نفسها بمسطرة صنعها الآخرون

من «أفروتوبيا» إلى صناعة الحاضر

لفهم الكتاب الجديد، ينبغي العودة إلى Afrotopia.
عندما صدر الكتاب عام 2016، كان سار يحاول تحرير النقاش عن أفريقيا من قاموس كامل ترسخ بعد الاستعمار: التخلف، التنمية، اللحاق، التأخر، النمو.
المشكلة بالنسبة إليه ليست اقتصادية فقط، بل مشكلة خيال أيضاً.
إذا قبلت دولة أفريقية مسبقاً أن المجتمع الأوروبي أو الأميركي يمثل الصورة النهائية التي ينبغي أن تصل إليها، فإنها تكون قد تنازلت، قبل أن تبدأ، عن حقها في تعريف التقدم والسعادة والرفاه والحياة الجيدة بنفسها. ولهذا كان Afrotopia محاولة لإعادة فتح الممكن. أما الكتاب الجديد فيبدأ تقريباً من السؤال الذي كان لا بد أن يأتي بعد ذلك:
حسناً، تخيلنا أفريقيا أخرى. كيف نصنعها؟
الناشر الفرنسي يصف الكتاب صراحة بأنه استمرار للتفكير الذي بدأ في Afrotopia. لكن الانتقال هذه المرة من «توسيع أفق الممكن» في الفكر والمخيلة إلى كيفية تجسيد اليوتوبيا في الزمن الحاضر. وهنا تظهر إحدى أكثر أفكار سار إثارة: اقتصاد لا يسأل أولاً عن الناتج.. بل عن الكرامة يسمي سار مشروعه «اقتصاداً سياسياً للكرامة». وهذا التعبير ليس تجميلاً لغوياً لمفهوم التنمية. فهو يقترح تغيير السؤال الذي تبدأ منه السياسة الاقتصادية. بدل أن يكون السؤال الأساسي: كم نما الناتج المحلي؟ يصبح السؤال: هل يستطيع الإنسان أن يعيش حياة كريمة؟
هل يحصل على التعليم؟ هل يجد العلاج؟ هل تتوافر له البنية الأساسية؟ هل يستطيع العمل والتحرك والمشاركة في المجتمع؟ وهل تمنحه الدولة الشروط المادية التي تسمح له بأن يكون فاعلاً في حياته، لا مجرد رقم داخل مؤشرات الاقتصاد؟
في مقابلته مع لوموند يذهب سار إلى أن ميزانيات الدول الأفريقية يمكن توجيهها نحو الكرامة، أي أن ترتيب الإنفاق العام نفسه يمكن أن يبدأ من الاحتياجات التي تجعل الحياة الإنسانية جديرة بأن تُعاش. وهنا تصبح «الكرامة» مفهوماً اقتصادياً، لا أخلاقياً مجرداً.
وتشير المناقشات الأكاديمية للكتاب إلى تأثر هذا التصور، من بين مصادر أخرى، بأعمال الاقتصادي والفيلسوف أمارتيا سن ومفهومه عن «القدرات»: التنمية ليست تراكم الثروة وحده، بل توسيع قدرة البشر الفعلية على اختيار الحياة التي يرونها ذات قيمة.
وهل تملك أفريقيا المال؟

اقتصاد الكرامة يسأل أولاً: هل يستطيع الإنسان أن يعيش حياة تستحق أن تُعاش؟»

هنا يظهر الاعتراض المتوقع. جميل أن نتحدث عن الصحة والتعليم والكرامة، ولكن من أين تأتي الأموال؟
سار لا يتجاهل السؤال. وعلى العكس، تصبح الأزمة الحالية للمساعدات الخارجية جزءاً من حجته.
في حديثه إلى لوموند يشير إلى أمثلة أفريقية، بينها المغرب وبوتسوانا ورواندا وإثيوبيا، في سياق الحديث عن قدرة الدول على تعبئة مواردها وتوجيه سياساتها. والفكرة الأوسع عنده هي أن تراجع المساعدات الخارجية ينبغي ألا يُقرأ باعتباره كارثة فقط، بل مناسبة لإعادة التفكير في الاعتماد الطويل على الخارج وفي كيفية استخدام الموارد الوطنية.
وهذه نقطة مهمة جداً. فسار لا يقول إن أفريقيا فقيرة وتحتاج إلى إحسان أكثر سخاءً. بل يقلب السؤال:
كيف تُجمع الموارد الموجودة؟ ومن يستفيد منها؟ وإلى ماذا توجه الميزانية؟
وبذلك ينتقل النقاش من «كم ستعطي الدول الغنية لأفريقيا؟» إلى «ما الأولويات التي تختارها المجتمعات الأفريقية لنفسها؟».

الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط

ولا يتوقف سار عند الاقتصاد. فإذا كانت التنمية مفهوماً ينبغي إعادة التفكير فيه، فإن الديمقراطية أيضاً ليست خارج المراجعة.
فهو لا يدعو إلى التخلص منها، لكنه يسأل عن معنى أن تكون المؤسسات ديمقراطية شكلياً بينما لا يشعر المواطن بأن كرامته محفوظة، أو أن صوته يشارك فعلاً في صناعة القرار.
وفي مشروعه الجديد تظهر فكرة البحث عن أنظمة سياسية عادلة، تداولية وشاملة تستفيد من الخبرة الديمقراطية العالمية، ولكن من دون افتراض أن على المجتمعات الأفريقية استنساخ نموذج مؤسسي جاهز حرفياً.
وهذه واحدة من أكثر المناطق حساسية في مشروعه.
فكيف يمكن البحث عن نموذج سياسي محلي من دون أن يتحول الحديث عن «الخصوصية» إلى ذريعة للاستبداد؟
الجواب الضمني في مشروع سار هو أن المعيار النهائي ليس أصل المؤسسة – أفريقياً كان أم غربياً – وإنما قدرتها على إنتاج العدالة والكرامة والمشاركة الفعلية.

والنساء؟

يضع سار المساواة بين النساء والرجال ضمن الشروط الضرورية لأي تحول اجتماعي حقيقي.
لكن القانون، بالنسبة إليه، لا يكفي.

المجتمع لا يتغير بالقوانين والاقتصاد فقط؛ يتغير أيضاً بالصور التي يحملها عن نفسه

يمكن تعديل التشريعات بينما تبقى البنى الاجتماعية والتصورات الجماعية نفسها قائمة. ولذلك يتطلب التحرر تغييراً في المخيلة الاجتماعية أيضاً: في التربية، وتقسيم الأدوار، وطريقة تصوّر المجتمع للمرأة والرجل والسلطة والعمل.
وهنا نعود إلى فكرة مركزية في مشروع سار كله:
المجتمع لا يتغير بالقوانين والاقتصاد فقط. يتغير أيضاً بالصور التي يحملها عن نفسه.
ولهذا تحتل الثقافة والتعليم والفنون والمخيلة مكانة لا تقل أهمية عنده عن المؤسسات الاقتصادية.

«تيرانغا» و«أوبونتو»: ماذا تستطيع أفريقيا أن تعطي العالم؟

لكن أكثر أجزاء المشروع طموحاً ربما يبدأ عندما يتوقف سار عن السؤال عما تحتاجه أفريقيا من العالم، ويسأل عما يحتاجه العالم من تجارب أفريقيا.
يستحضر مفهومين.
الأول Teranga – تيرانغا، وهو مفهوم شديد الحضور في الثقافة السنغالية، يرتبط بالضيافة والاستقبال والعلاقة بالضيف.
والثاني Ubuntu – أوبونتو، المفهوم الفلسفي الأفريقي الذي يقوم، بتبسيط شديد، على أن إنسانية الفرد تتحقق بعلاقته بالآخرين: أنا إنسان لأننا بشر معاً.
ويستعين سار بهذه الموارد الفكرية في بناء ما يسميه «كوسموبوليتيقا الضيافة»: تصوّر لعالم أصبحت فيه الحركة والهجرة والاختلاط حقائق دائمة، ولا يمكن فيه بناء المستقبل على تحويل الحدود إلى جدران متزايدة الارتفاع.
ومن هنا يصل إلى اقتراح لافت: التفكير في حق عام في الضيافة، وتربية الأطفال منذ الصغر على انتماء يتجاوز الحدود الوطنية الضيقة. الفكرة تبدو مثالية. وسار يعرف ذلك. لكن عنوان كتابه نفسه يعلن دفاعه عن «يوتوبيات قيد الفعل»، لا عن اليوتوبيا بوصفها حلماً بعيداً.

أفريقيا ليست مختبراً للماضي

هناك شيء أعمق يجمع هذه الأفكار المختلفة. سار يريد تغيير زمن أفريقيا. فعلى مدى قرون، وُضعت القارة في سردية تجعل أوروبا الحاضر وأفريقيا الماضي؛ أوروبا النموذج  وأفريقيا المتأخر عنه؛ أوروبا صاحبة المعرفة وأفريقيا موضوعاً لهذه المعرفة.
ولهذا كان تحرير القطع الفنية الأفريقية من المتاحف الأوروبية جزءاً من المعركة نفسها.
فسار ليس غريباً عن هذا الملف. فقد كلفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مع المؤرخة الفرنسية بينيديكت سافوا، بإعداد التقرير الشهير عام 2018 حول إعادة التراث الثقافي الأفريقي الموجود في المجموعات الفرنسية إلى بلدانه الأصلية.
المتحف والاقتصاد والسياسة تبدو ملفات مختلفة.
لكنها في مشروع سار مرتبطة بسؤال واحد: من يملك حق تعريف أفريقيا؟ من يروي تاريخها؟ من يحدد قيمة تراثها؟ من يقرر معنى تقدمها؟ ومن يرسم مستقبلها؟

لكن هل تكفي الأفكار؟

وهنا ينبغي ألا يتحول الاحتفاء بفلوين سار إلى احتفاء رومانسي.
المشروع الذي يقترحه يصطدم بواقع أفريقي قاسٍ: أنظمة سلطوية، فساد، بطالة، تفاوت اجتماعي، صراعات مسلحة، أزمات مناخية، ديون، هجرة، ونخب قد تتحدث باسم «السيادة» بينما تحرم مواطنيها من الحقوق نفسها التي يريد سار أن يجعلها أساس الكرامة.
وهناك سؤال أصعب:
إذا رفضنا النموذج الغربي بوصفه معياراً وحيداً، فمن يقرر ما هو «أفريقي» أصلاً؟
أفريقيا ليست ثقافة واحدة ولا مجتمعاً واحداً. إنها عشرات الدول ومئات اللغات والتقاليد والتجارب السياسية.
ولهذا ربما تكون القيمة الأهم في مشروع سار ليست أنه يقدم «النموذج الأفريقي» البديل. بل أنه يرفض فكرة النموذج الواحد أصلاً.

الكرامة بند في الميزانية

الأسئلة التي يطرحها سار ليست أفريقية جنوب الصحراء وحدها.
ماذا تعني التنمية؟ هل ينبغي أن نقيس نجاح مجتمعاتنا بنسخة مستوردة من الحداثة؟
كيف نحافظ على مواردنا الثقافية من دون تحويل «الأصالة» إلى سجن؟

الاستقلال لا يعني فقط أن يخرج المستعمر من الأرض، بل أن يستعيد المجتمع حقه في تعريف مستقبله

هل يمكن أن نستفيد من التجربة الغربية من دون اعتبارها النهاية الوحيدة الممكنة للتاريخ؟
وكيف تتحول الكرامة من كلمة في الخطب إلى بند في الميزانية؟
هذه أسئلة عربية أيضاً. وليس عرضياً أن يذكر سار المغرب ضمن الأمثلة التي يناقشها في مقابلته الأخيرة. فشمال أفريقيا ليس خارج السؤال الأفريقي، حتى عندما تتصرف بعض مخيلتنا الثقافية العربية كأن الصحراء تفصل بين عالمين لا علاقة لأحدهما بالآخر.
وربما هنا تكمن إحدى الفوائد غير المباشرة لقراءة فلوين سار عربياً: أن نعيد اكتشاف أفريقيا باعتبارها فضاءً فكرياً نحن جزء منه، لا مجرد قارة نتلقى أخبارها.

«الحاضر قابل للصناعة»

في مقابلة أخرى أجراها سار عند صدور الكتاب في أبريل، لخّص فكرته بعبارة شديدة البساطة: «الحاضر قابل للصناعة». وهذه ربما هي المسافة كلها بين Afrotopia وLa Fabrique du présent.
قبل عشر سنوات كان السؤال: هل تستطيع أفريقيا أن تتخيل نفسها خارج الصور التي صنعها الآخرون عنها؟
اليوم أصبح السؤال: إذا استطاعت أن تتخيل ذلك، فهل تستطيع أن تصنعه؟
فلوين سار لا يقدم وصفة جاهزة لقارة تضم أكثر من مليار إنسان. وما يقترحه سيظل عرضة للاختبار والنقد والاصطدام بالواقع.
لكنه يضع إصبعه على مشكلة أعمق من الاقتصاد. أن تكون مستقلًا لا يعني فقط أن يخرج المستعمر من أرضك.
يعني أيضاً أن تستطيع أن تسأل، بنفسك: أي حياة نريد أن نعيشها؟
وأن تملك، بعد ذلك، القدرة على تحويل الإجابة إلى حاضر.

—————————-

المصدر الأساسي: مقابلة فلوين سار في Le Monde، أغسطس 2026.

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا