الوجه الذي نصنعه: البورتريه بين المرآة والسيلفي والذكاء الاصطناعي

افتُتح اليوم، 8 أغسطس/آب 2026، في الأكاديمية الملكية الاسكتلندية في إدنبرة معرض «كاثرين أوبي: أن تُرى» (Catherine Opie: To Be Seen)، بعد انتقاله من «ناشونال بورتريت غاليري» في لندن. وكانت صحيفة «الغارديان» البريطانية قد اختارته معرض الأسبوع، لافتةً إلى القوة الإنسانية في صور المصورة الأميركية التي قضت أكثر من ثلاثة عقود وهي تسأل، من خلال وجوه الآخرين ووجهها هي أيضًا، سؤالًا يبدو اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: من الذي يُرى، وكيف يُرى، ومن يملك حق صناعة صورته؟

قد يبدو البورتريه في ظاهره أبسط أشكال الفن: شخص أمام رسام أو عدسة، ووجه ينبغي تسجيل ملامحه. لكن تاريخ الصورة الشخصية يقول شيئًا مختلفًا. فالبورتريه لم يكن يومًا مجرد جواب عن سؤال «كيف يبدو هذا الإنسان؟»، بل كان أيضًا جوابًا عن سؤال آخر: كيف يريد أن يراه الآخرون؟

واليوم، بعدما انتقلت الصورة الشخصية من قاعات القصور إلى الهاتف المحمول، وأصبح كل إنسان تقريبًا مصورًا لنفسه وناشرًا لوجهه ومحررًا لملامحه، دخل السؤال مرحلة جديدة. لم يعد علينا فقط أن نسأل مَن يرسم الوجه، بل أيضًا: هل الوجه الذي نراه موجود أصلًا؟

 من الامتياز إلى الحق في أن تكون مرئيًا

عبر قرون طويلة، كان البورتريه مرتبطًا بالسلطة والمكانة. فالأثرياء والحكام والنبلاء ورجال الدين كانوا الأكثر قدرة على تكليف الفنانين برسم وجوههم وحفظها للأجيال. ويشير متحف المتروبوليتان إلى أن تقاليد تصوير الأشخاص تمتد إلى العالم القديم، لكن البورتريه الفردي المميز عاد بقوة إلى أوروبا في القرن الخامس عشر مع ازدياد الاهتمام بالفرد وهويته، إلى جانب إحياء تقاليد اليونان وروما القديمة.

لم يكن الأمر متعلقًا بتسجيل الملامح فقط. الملابس، والمجوهرات، ووضعية الجسد، والأشياء الموضوعة خلف صاحب الصورة، وحتى اتجاه نظرته، كانت جميعًا تقول شيئًا عن الثروة والمهنة والنسب والسلطة.

لهذا يمكن النظر إلى تاريخ البورتريه بوصفه أيضًا تاريخًا لمن امتلك حق أن يترك وجهه وراءه.

لم تعد الصورة تقول فقط: هذا وجهي، بل: هكذا أريدكم أن تروني

هناك ملايين البشر الذين عاشوا وماتوا من دون صورة، في مقابل ملوك وأمراء بقيت وجوههم معلقة في المتاحف بعد قرون من وفاتهم.

لكن اختراع التصوير الفوتوغرافي بدأ يقلب هذه المعادلة.

 الكاميرا تنزل بالبورتريه من القصر إلى الشارع

منذ القرن التاسع عشر، جعل التصوير صناعة الصورة الشخصية أقل تكلفة وأسرع وأكثر انتشارًا. ومع ظهور استوديوهات التصوير، لم يعد البورتريه حكرًا على طبقة قادرة على استئجار رسام لشهور.

دخل التجار والموظفون والعائلات والطلاب والعشاق والجنود إلى الاستوديوهات، ووقفوا أمام الكاميرا ليصنعوا نسختهم الخاصة من الصورة الرسمية.

وهذا التحول حدث في المنطقة العربية أيضًا.

يشير متحف المتروبوليتان إلى دخول التصوير إلى العالم العربي في خمسينيات القرن التاسع عشر، في سياق كان يهيمن عليه أولًا مصورون أوروبيون مهتمون بالمواقع الأثرية وما اعتبروه «الشرق» الكتابي والغريب. ثم بدأت الاستوديوهات والصورة المحلية تأخذ مسارًا أوسع.

ومع الزمن، تحولت صورة الاستوديو إلى جزء من الذاكرة العائلية العربية: الأب ببدلته، الأم بثوبها المختار بعناية، الزوجان في يوم الزواج، الطفل أمام خلفية مرسومة، والشاب الذي يريد إرسال صورته إلى قريب أو حبيبة أو أسرة بعيدة.

لم تكن تلك الصور عفوية. أصحابها كانوا يذهبون إلى الاستوديو وهم يعرفون أنهم سيصنعون صورة يفترض أن تبقى.

يختارون ملابسهم، ويضبط المصور الإضاءة، وتُحدد وضعية الجسد.

بمعنى آخر، مارس أجدادنا نوعًا من «تنسيق الصورة الشخصية» قبل ظهور إنستغرام بزمن طويل.

أن تمنح شخصًا غاب عن جدران المتاحف مكانًا داخلها، هو أن تعيد تعريف مَن يستحق أن يُرى.

 السيلفي ليس اختراعًا جديدًا تمامًا

من المغري النظر إلى السيلفي باعتباره ابن الهاتف الذكي، لكنه في جوهره استمرار لحاجة قديمة: أن يرى الإنسان نفسه، وأن يقرر كيف يقدم هذه الذات إلى الآخرين.

فالفنانون رسموا أنفسهم منذ قرون. ويذكر «سميثسونيان» أن البورتريه الذاتي كان وسيلة للفنانين كي يعلنوا، بصورة واعية، الطريقة التي يريدون أن يظهروا بها أمام الجمهور.

ورامبرانت، على سبيل المثال، عاد إلى وجهه طوال حياته؛ ويحتفظ متحف المتروبوليتان بنحو أربعين بورتريه ذاتيًا معروفًا له، بينها صور لم يحاول فيها إخفاء الشيخوخة أو آثار الزمن عن ملامحه.

لكن هناك فرقًا حاسمًا بين البورتريه الذاتي القديم والسيلفي المعاصر: السرعة والجمهور.

كان الرسام يقضي أيامًا أو أسابيع أمام صورته.

أما نحن، فقد نلتقط عشر صور في أقل من دقيقة، نحذف تسعًا منها، نعدل العاشرة، ثم نرسلها في اللحظة نفسها إلى مئات أو آلاف الأشخاص.

لقد انتقل البورتريه من صورة نادرة إلى تيار لا يتوقف.

 الصورة التي لا تسجلنا بل تصنعنا

لهذا السبب لم يعد السؤال الأهم: هل تشبه الصورة صاحبها؟ بل: أي نسخة من صاحبها اختار أن يقدم؟

يقول متحف المتروبوليتان في حديثه عن قراءة البورتريه إن الهوية جزء أصيل من الصورة الشخصية، من السيلفي إلى أكثر الصور الرسمية؛ لأنها تكشف كيف نرى أنفسنا وكيف نريد للآخرين أن يرونا. ويربط المتحف عودة الاهتمام بالبورتريه في الفن المعاصر أيضًا برغبة فنانين في تصوير هويات وجماعات كانت مهمشة أو غائبة عن تاريخ الفن التقليدي.

هنا يصبح البورتريه أداءً. الشخص الذي يقف أمام الكاميرا لا ينقل ذاته فقط؛ إنه يبنيها. فقد نختار صورة تجعلنا أكثر نجاحًا، أو أكثر جاذبية، أو أكثر جدية، أو أكثر تمردًا، أو أكثر سعادة مما نحن عليه في تلك اللحظة.  وهذه ليست بالضرورة كذبة. فالهوية نفسها ليست ملامح الوجه وحدها. إنها أيضًا اختيار الإنسان للطريقة التي يريد بها تعريف نفسه. > منذ أن عرف الإنسان البورتريه، لم تكن الصورة تقول فقط: «هذا وجهي»، بل أيضًا: «هكذا أريدكم أن تروني».

 كاثرين أوبي: من يستحق أن يدخل الصورة؟

هنا تحديدًا تأتي أهمية معرض كاثرين أوبي.

يضم معرض «أن تُرى» قرابة ثمانين صورة تمتد على أكثر من ثلاثين عامًا من عمل الفنانة، ويستمر في إدنبرة حتى الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2026. وتقول «ناشونال غاليريز أوف سكوتلاند» إن العرض يضع صور أوبي في حوار مع أعمال من المجموعة الوطنية الاسكتلندية، ويدفع الجمهور إلى التفكير في ماهية البورتريه ومن يظهر داخله ولماذا.

للمرة الأولى في تاريخ البورتريه، يمكن أن يكون لدينا وجه كامل من دون إنسان وقف أمام الكاميرا

صوّرت أوبي أصدقاءها وأفراد مجتمعها، وأطفالًا، وراكبي أمواج، ولاعبي كرة قدم في المدارس الثانوية، وشخصيات من مجتمعات كويرية، وعائلات وأشخاصًا يعيشون أشكالًا مختلفة من الهوية والانتماء، كما جعلت نفسها موضوعًا للكاميرا. وتقول «ناشونال بورتريت غاليري» إن مشروعها يدور حول البيت والحميمية والأسرة والسياسة والهوية وبنى السلطة، وحول سؤال مَن يُرى وكيف.

المهم هنا أن أوبي لا تتعامل مع الأشخاص المهمشين باعتبارهم «غرائب» تستحق النظر.

إنها تمنحهم الجدية البصرية نفسها التي منحها تاريخ الرسم للملوك والنبلاء. الخلفية، والإضاءة، والوضعية، والمواجهة المباشرة للكاميرا، كلها تقول للمشاهد: هذا الشخص يستحق أن تقف أمام صورته. وهنا يصبح البورتريه سياسيًا من دون أن يحمل لافتة سياسية. مجرد أن تمنح شخصًا كان غائبًا عن جدران المتاحف مكانًا داخلها قد يكون تغييرًا في معنى من يستحق أن يُرى.

 الوجه باعتباره ساحة سلطة

ليس البورتريه علاقة بريئة بين الكاميرا والشخص. هناك دائمًا قوة ما وراء الصورة. من يحمل الكاميرا؟ من يختار اللحظة؟ من يملك الصورة؟ ومن يقرر أين تُنشر؟

هذه الأسئلة واضحة خصوصًا في تاريخ تصوير الشعوب الواقعة تحت الاستعمار. فجزء كبير من الصور الأوروبية المبكرة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم يكن هدفه منح أبناء المنطقة فرصة لتقديم أنفسهم، بل تقديم «الشرق» للجمهور الأوروبي.وقد بنى الفن الاستشراقي، كما يشير المتروبوليتان، صورًا عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اختلط فيها الواقع بالخيال، في سياق توسع استعماري وإمبراطوري أوروبي.

وهنا نصل إلى فارق جوهري:

هناك فرق بين أن تلتقط صورة لإنسان وبين أن تمنحه حق صناعة صورته.

الاستوديو العربي: حين بدأ الناس يستعيدون وجوههم

لهذا تكتسب أرشيفات الاستوديوهات العربية القديمة قيمة استثنائية. فهي لا تعرض دائمًا الصورة التي أراد المستشرق حملها معه عن المنطقة، بل الصورة التي أراد أفراد المنطقة أنفسهم الاحتفاظ بها. ومن الأمثلة اللافتة أرشيف استوديو أنوشيان، الذي استندت إليه لاحقًا أعمال فنية معاصرة تناولت صور رجال ونساء من مجتمعات شرق أوسطية متعددة، في مرحلة كانت فيها صورة الاستوديو نوعًا من الترف الشعبي المرغوب. تلك الصور القديمة تحمل تفاصيل لا تستطيع الوثائق الرسمية تسجيلها: تسريحة شعر، بدلة جديدة، طريقة وقوف الزوجين، يد الأب على كتف ابنه، أو امرأة تنظر إلى الكاميرا بثقة لم نعتد رؤيتها في السرديات التاريخية الكبرى. إنها تاريخ اجتماعي مكتوب بالوجوه.

من ألبوم العائلة إلى «الستوري»

كان لألبوم الصور العائلي ترتيب شبه مقدس. كانت هناك صور لا تُرمى بسهولة، لأن عددها قليل. أما اليوم، فقد أصبح التضخم نفسه مشكلة. لدينا آلاف الصور، لكن هل سنعود إليها؟ الصور التي كان يمكن أن تعيش سبعين سنة في درج البيت أصبحت تختفي بعد أربع وعشرين ساعة في «الستوري».

والمفارقة أن الإنسان المعاصر يصور نفسه أكثر من أي وقت مضى، لكنه قد يترك وراءه ذاكرة أكثر هشاشة. فالألبوم القديم شيء مادي ينتقل من يد إلى أخرى. أما الذاكرة الرقمية فتعتمد على هاتف، وكلمة مرور، وحساب، وشركة، وصيغة ملف، وسحابة إلكترونية قد لا يعرف الأبناء حتى بوجودها. وهكذا ننتقل من ندرة الصورة إلى فيضانها، ومن السؤال «هل لدينا صورة للجد؟» إلى سؤال محتمل في المستقبل: أي صورة من بين خمسين ألف صورة تمثل هذا الإنسان؟

الفلتر: حين نبدأ بمحو وجوهنا بأنفسنا

أدخلت تطبيقات الهاتف تحولًا آخر.

في صورة الاستوديو القديمة، كان المصور قادرًا على تحسين الإضاءة أو الرتوش. أما الآن، فقد أصبح تحرير الوجه عملية فورية وشخصية. يمكن تنعيم الجلد، وتغيير شكل الأنف والعينين والفك، وإزالة التجاعيد، وتعديل لون البشرة. وهكذا لا تعود الصورة توثيقًا لوجه موجود، بل تفاوضًا بين الوجه الحقيقي والوجه المرغوب. ليس الجديد أننا نريد الظهور في أفضل صورة. البشر فعلوا ذلك دائمًا. الجديد هو أن المسافة بين الوجه والصورة أصبحت قابلة للتغيير إلى درجة قد تجعل المرء يقارن نفسه لاحقًا بصورة مثالية صنعها بنفسه.

قد يكون الإنسان العربي ظاهرًا في آلاف الصور، لكنه لا يكون بالضرورة ممثلًا فيها كما يرى نفسه

ثم جاء الذكاء الاصطناعي: صورة بلا شخص

مع الذكاء الاصطناعي التوليدي ندخل مرحلة مختلفة تمامًا.

فالفوتوغرافيا، مهما جرى تعديلها، كانت تبدأ عادة من شخص وقف أمام عدسة.

أما الآن، فيمكن صناعة بورتريه كامل لإنسان لم يولد قط.

ويمكن أيضًا أخذ وجه موجود ووضعه في زمن أو مكان أو جسد أو موقف لم يكن صاحبه فيه.

وهنا يحدث تحول فلسفي عميق:

لم يعد البورتريه بالضرورة أثرًا لوجود الإنسان أمام الكاميرا.

أصبح من الممكن أن تكون لدينا صورة بلا لحظة تصوير، وابتسامة لم تحدث، وضوء لم يسقط على ذلك الوجه، ومكان لم يدخله صاحبه.

وقد حذرت اليونسكو من أن انتشار الصور والصوت والفيديو الاصطناعي يهدد الثقة في قدرتنا على التمييز بين التسجيل والتلفيق، ووصفت الظاهرة في سياق الـdeepfakes بأنها جزء من «أزمة في المعرفة» نفسها: كيف نعرف أن ما نراه حدث فعلًا؟

موت العبارة القديمة: الصورة لا تكذب

اعتدنا طويلًا استعمال الصورة باعتبارها دليلًا. حدث أمر ما لأن هناك صورة له. وجود الشخص في المكان يمكن إثباته بصورة. لكن هذه الفكرة لم تعد كافية. في العصر الجديد، ينبغي أن نسأل قبل النظر إلى الصورة:

من صنعها؟ بأي أداة؟ هل هي لقطة فوتوغرافية أم توليد؟ هل جرى تعديلها؟ هل وافق الشخص الظاهر فيها؟ وهل صاحب الوجه هو أصلًا شخص حقيقي؟

هذا لا يعني نهاية الفوتوغرافيا، لكنه يعني نهاية براءة المشاهدة.

 هل ستزيد الصورة الحقيقية قيمة؟

ربما تقودنا المفارقة إلى نتيجة غير متوقعة. كلما أصبح إنتاج الوجه المزيف أسهل، ازدادت قيمة اللقاء الحقيقي بين المصور والشخص.  في هذه الحالة، تصبح قوة صور كاثرين أوبي ليست في دقتها التقنية وحدها، بل في وجود علاقة بشرية وراءها. هناك شخص وقف أمام شخص آخر. هناك ثقة أو توتر. هناك اختيار للملابس والوقفة والنظرة. وهناك لحظة حقيقية حدثت في العالم. قد يصبح هذا النوع من البورتريه أكثر أهمية في عصر  ستطيع فيه إنتاج ألف وجه جميل في ثوانٍ.

 الوجه العربي بين الصورة المفروضة والصورة المختارة

بالنسبة إلى القارئ العربي، لهذا النقاش تاريخ إضافي. فالمنطقة كانت طويلًا موضوعًا للصور التي أنتجها الآخر عنها: صورة المستشرق، وصورة الاستعمار، ثم صورة المراسل الحربي، وصورة اللاجئ، وصورة الضحية، وصورة «الشرق المضطرب».

ولا يعني ذلك أن هذه الصور مزيفة، لكن تكرارها قد يجعل الإنسان العربي ظاهرًا باستمرار، بينما تبقى حياته الكاملة غير مرئية.

فأن تكون مرئيًا لا يعني بالضرورة أن تكون ممثلًا بصورة عادلة.

ومن هنا تأتي أهمية الأرشيفات العائلية والمصورين العرب والفنانين الذين يعيدون تقديم الوجه بعيدًا عن الصورة الجاهزة.

ومن الأمثلة المعاصرة المصور والفنان المصري يوسف نبيل، الذي يستعيد في أعماله تقنيات تلوين الصور يدويًا المرتبطة بذاكرة السينما المصرية، ليبني صورًا تتأرجح بين البورتريه والحنين والتمثيل السينمائي للذات.

إنها صورة لا تقول فقط: هكذا يبدو الإنسان. بل تقول: هكذا يريد أن يتذكر نفسه.

كان سؤال البورتريه القديم: من أنت؟ أما سؤال الصورة اليوم فهو: هل هذا أنت فعلًا؟

ماذا بقي للبورتريه؟

منذ الرسام الذي وقف أمام الملك، مرورًا بمصور الاستوديو الذي طلب من العائلة ألا تتحرك، وصولًا إلى المراهق الذي يلتقط صورته في المرآة، ظل البورتريه يتغير كلما تغيرت التكنولوجيا.

لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا. إنها رغبة الإنسان في أن يقول للزمن وللآخرين: “كنت هنا. وهذا هو الوجه الذي اخترت أن أتركه لكم”.

الجديد أن هذه العبارة نفسها أصبحت اليوم موضع شك. فالوجه يمكن أن يُعدَّل، ويُستنسخ، ويُسرق، ويُولد من العدم.

ولهذا قد يكون معرض كاثرين أوبي، بعنوانه البسيط «أن تُرى»، أكثر ارتباطًا بلحظتنا مما يبدو. فالمشكلة لم تعد أن نكون مرئيين فقط. نحن مرئيون طوال الوقت. المشكلة هي أن نعرف أي نسخة منا هي التي يراها الآخرون، ومن الذي صنعها، ومن يملكها، وهل ما زال الوجه قادرًا على الشهادة لصاحبه.

ربما كان السؤال القديم للبورتريه: من أنت؟ أما سؤال الصورة في عصرنا، فقد أصبح أكثر قلقًا: هل هذا أنت فعلًا؟

المصدر

ينطلق هذا التقرير من معرض «Catherine Opie: To Be Seen» الذي افتُتح في الأكاديمية الملكية الاسكتلندية في إدنبرة في 8 أغسطس/آب 2026 ويستمر حتى 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، بعد عرضه سابقًا في «ناشونال بورتريت غاليري» في لندن. وقد اختارت صحيفة «الغارديان» البريطانية المعرض في 7 أغسطس بوصفه «معرض الأسبوع».

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا