معرض جديد في باريس يكشف وجهاً أقلّ شهرة لصاحب «البؤساء»: كان يرسم القلاع والكاتدرائيات، يطارد تفاصيل العمارة في أسفاره، ويحذر الفرنسيين منذ قرنين من تدمير مبانيهم التاريخية. ومن هذا الشغف وُلدت «نوتردام دو باري»، الرواية التي جعلت من الحجارة ذاكرةً ومن الكاتدرائية بطلة.

باريس ـ «صوت صورة»:
نعرف فيكتور هوغو شاعراً وروائياً وسياسياً. نعرف «البؤساء»، وجان فالجان وكوزيت، ونعرف أحدب نوتردام وإزميرالدا. لكن ثمة فيكتور هوغو آخر ظل مختبئاً، إلى حد ما، خلف شهرة الكاتب: هوغو الذي كان ينظر إلى المبنى كما ينظر الروائي إلى الإنسان.
كان يستطيع أن يقرأ واجهة كنيسة، وأن يتوقف أمام برج أو نافذة أو قوس، وأن يرسم قلعة ربما لم توجد قط. وكان مقتنعاً بأن هدم مبنى قديم ليس مجرد إزالة حجارة، بل محو صفحة من ذاكرة شعب.
هذا هو هوغو الذي يعيده إلى الواجهة معرض «Hugo et l’architecture. De la pierre à la plume» ـ «هوغو والعمارة: من الحجر إلى القلم»، المقام في بيت فيكتور هوغو في ساحة فوج بباريس حتى 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، والذي خصصت له صحيفة «لوموند» الفرنسية تقريراً حديثاً.
والفكرة التي يقترحها المعرض مثيرة: ماذا لو لم تكن العمارة مجرد موضوع عابر في أدب هوغو، بل واحداً من المفاتيح السرية لفهم عالمه كله؟
طفل يكتشف الحجارة
بدأ الأمر مبكراً. تربط «لوموند» افتتان هوغو بالعمارة بطفولته وأسفاره، ومن بينها رحلته إلى إسبانيا. الكنائس والأديرة والقلاع والأطلال التي رآها لم تمر أمام عينيه باعتبارها مناظر سياحية. أخذت تستقر في مخيلته، ثم عادت لاحقاً في كتاباته ورسومه.
كان القرن التاسع عشر نفسه زمناً شديد الحساسية تجاه الماضي. الثورة الفرنسية وما أعقبها تركت مباني دينية وتاريخية كثيرة عرضة للهدم أو الإهمال أو تغيير الاستخدام، فيما كانت المدن تتغير بسرعة.
كان لدى فيكتور هوغو شيء واحد في مواجهة الهدم: القلم
وبالنسبة إلى هوغو، لم تكن هذه مسألة تخص المهندسين وحدهم. كانت قضية ثقافية.
من يملك الأبنية التي ورثها مجتمع عن تاريخه؟ وهل يحق لجيل واحد أن يمحو ما صنعته أجيال سبقته؟
سيصبح هذا السؤال مع الوقت واحداً من معارك هوغو الكبرى.
«حرب على الهدّامين!»
قبل أن يصبح الدفاع عن التراث خطاباً رسمياً ومؤسسات وقوانين، كان هوغو يرفع صوته ضد الهدم.
في عام 1825 كتب نصاً سيشتهر لاحقاً تحت عنوان «Guerre aux démolisseurs!» ـ «حرب على الهدّامين!»، ثم عاد إلى القضية في نص آخر عام 1832.
وتؤكد سجلات المكتبة الوطنية الفرنسية أن النصين كانا احتجاجاً على اللامبالاة المؤسسية إزاء التدمير التدريجي للتراث المعماري الفرنسي، وعلى المضاربات التي كانت تنتهي بتفكيك ممتلكات ومبانٍ تاريخية وبيعها.
كان هوغو يرى شيئاً يتجاوز جمال الواجهة.
بالنسبة إليه، المبنى القديم ملك لمن بنوه، ولمن عاشوا حوله، ولمن سيأتون بعدهم أيضاً.
وهنا يبدو هوغو معاصراً بصورة مدهشة. فالجدل الذي كان يخوضه قبل قرنين تقريباً ما زال حاضراً في مدن العالم: ماذا نفعل بالأحياء القديمة عندما ترتفع قيمة الأرض؟ هل نرمّم أم نهدم؟ أين ينتهي حق المالك ويبدأ حق المجتمع في ذاكرته؟
كان هوغو قد اختار موقعه بوضوح:
الحجارة القديمة ليست عقبة أمام المستقبل. إنها جزء من هوية المجتمع الذي يريد أن يصنع ذلك المستقبل.
ثم جاءت نوتردام
بعد سنوات قليلة، انتقل هوغو من المقالة إلى الرواية.
وفي عام 1831 صدرت «Notre-Dame de Paris»، التي سيعرفها العالم العربي أيضاً باسم «أحدب نوتردام».
ظاهرياً، لدينا رواية تاريخية تدور في باريس أواخر القرن الخامس عشر: كوازيمودو، قارع الأجراس الأحدب؛ إزميرالدا؛ كلود فرولو؛ الحب والرغبة والغيرة والعنف والموت.
لكن خلف هؤلاء جميعاً توجد شخصية أخرى. الكاتدرائية نفسها.
الحجارة القديمة ليست عقبة أمام المستقبل؛ إنها جزء من ذاكرة المجتمع
ليست نوتردام عند هوغو ديكوراً يضع أمامه شخصياته. المبنى يراقب الرواية تقريباً. أبراجه وممراته وأجراسه وتماثيله وظلاله تحمل الزمن داخلها.
وتصف المكتبة الوطنية الفرنسية مخطوط الرواية بأنه «نصب من الورق والحبر» في مقابل النصب الحجري الذي منح الكتاب عنوانه ومسرحه وأبعاده. وقد كتب هوغو الرواية في اندفاعة استثنائية، من سبتمبر/أيلول 1830 إلى يناير/كانون الثاني 1831، قبل صدورها في مارس/آذار من العام نفسه.
كان الكاتب يفعل شيئاً بالغ الذكاء: بدلاً من كتابة بيان آخر يقول للناس «أنقذوا العمارة»، جعل ملايين القراء يحبون مبنى.
عندما تصبح الكاتدرائية كتاباً
في «نوتردام دو باري» تظهر واحدة من أشهر أفكار هوغو عن علاقة العمارة بالكلمة المطبوعة.
في الفصل المعروف بـ«هذا سيقتل ذاك»، يتأمل التحوّل من زمن كانت فيه الحضارات تكتب ذاكرتها بالحجر إلى زمن أصبحت فيه الطباعة والكتاب وسيلتها الكبرى للتعبير.
وتشير المكتبة الوطنية الفرنسية إلى أن الطبعة الموسعة من الرواية سنة 1832 أضافت هذا الفصل، وفيه الفكرة الشهيرة القائلة، بمعناها العام، إن كتاب الورق سيحل محل كتاب الحجر. لكنها تؤكد أيضاً أن الرواية كانت دفاعاً قوياً عن ضرورة حماية العمارة التاريخية وإيقاظ حب الفرنسيين لها.
إنها مفارقة جميلة. هوغو يعرف أن الكتاب بدأ ينتزع من العمارة دورها القديم بوصفها مخزناً لذاكرة الحضارة. فماذا يفعل؟ يستخدم الكتاب لإنقاذ الحجر. الرواية التي كان من المفترض، وفق منطقه، أن تكون وريثة العمارة، أصبحت وسيلة للدفاع عنها.
الرجل الذي كان يرسم أيضاً
لكن المفاجأة الأكبر في المعرض الحالي ربما تنتظر الزائر بعيداً عن الكتب. فيكتور هوغو كان رساماً بارعاً وغريباً. لم يكن الرسم بالنسبة إليه مجرد تسلية لرجل أدب مشهور. خلّف عدداً كبيراً من الأعمال، وفيها تظهر مرة أخرى الأبراج والقلاع والجسور والمدن والأطلال. لكنها ليست رسوم مهندس. العمارة عنده تتحول إلى حلم.
كتل سوداء، ضباب، أحبار، ظلال، مبانٍ تظهر كما لو أنها خرجت من كابوس أو ذكرى بعيدة.
وتلفت معالجة «لوموند» للمعرض إلى الحداثة المدهشة في بعض تجاربه البصرية، خصوصاً الأعمال التي أنجزها خلال سنوات المنفى، وإلى تقنيات تبدو، عند النظر إليها اليوم، وكأنها تسبق بعض المغامرات التي سيعرفها الفن الحديث لاحقاً.
وهنا نفهم أن العلاقة بين هوغو والعمارة لم تكن توثيقية. هو لم يكن يريد أن يرسم المبنى كما هو. كان يريد أن يرسم ما يفعله المبنى في الخيال.
عمارة المنفى
وتصبح هذه العلاقة أكثر عمقاً عندما يغادر هوغو فرنسا.
بعد انقلاب لويس نابليون بونابرت عام 1851، دخل الكاتب سنوات طويلة من المنفى، وعاش خصوصاً في جزر القنال.
هناك اكتسبت الأبنية في رسومه طابعاً أكثر خيالية وكآبة: قلاع معلقة بين البحر والسماء، أبراج ووحدات معمارية يصعب أحياناً تحديد إن كانت موجودة بالفعل أم أنها بُنيت داخل رأسه.

يبلغ المعرض ذروة هذا العالم البصري مع أعمال مثل «Le Burg à la Croix»، المؤرخة عام 1871، حيث لم تعد العمارة موضوعاً للرسم بقدر ما أصبحت كتلة من الذاكرة والعاطفة والخيال.
الحجر عند هوغو يمكن أن يحمل الحزن. ويمكن أن يحمل التاريخ. ويمكن أن يصبح صورة للإنسان نفسه.
رسالة قبل الكارثة
لكن المعرض لا يتحدث عن الحجر وحده.
تتوقف «لوموند» أمام وثيقة شديدة الإنسانية: رسالة كتبها هوغو إلى ابنته ليوبولدين قبل أيام قليلة من موتها المأساوي عام 1843. كانت ليوبولدين في التاسعة عشرة عندما غرقت مع زوجها شارل فاكري في نهر السين.
غيّرَ موتها حياة أبيها.
ووجود الرسالة داخل معرض عن العمارة ليس تفصيلاً بعيداً عن الموضوع كما قد يبدو. فالبيت والمكان والذكرى والفقد تتداخل جميعاً في عالم هوغو.
المباني تحفظ آثار البشر بعد رحيلهم. وربما لهذا كانت العمارة بالنسبة إليه قريبة إلى هذا الحد من الأدب: كلاهما يحاول مقاومة الشيء نفسه: النسيان.
هل أنقذت رواية كاتدرائية نوتردام؟
هنا نصل إلى الحكاية التي كثيراً ما تُروى بصورة مبسطة. يقال أحياناً إن فيكتور هوغو «أنقذ نوتردام» بكتابه. الحقيقة أكثر تعقيداً، وأكثر إثارة أيضاً.
الرواية لم تؤدِّ وحدها وبصورة مباشرة إلى صدور أمر فوري بترميم الكاتدرائية. لكنها لعبت دوراً مهماً في تحويل الأنظار إلى العمارة القوطية التي كانت تتعرض للإهمال والتشويه، في سياق أوسع بدأ فيه الفرنسيون يطورون وعياً جديداً بتراثهم.
هوغو لم يمسك أدوات البناء ويرمم الكاتدرائية. فعل شيئاً آخر ربما لا يقل أهمية: غيّر الطريقة التي ينظر بها الناس إليها
وفي العقود التالية انطلقت عملية ترميم كبرى لنوتردام، ارتبطت خصوصاً بالمعماري أوجين فيوليه-لو-دوك وشريكه جان-باتيست لاسوس.
أي أن هوغو لم يمسك أدوات البناء ويرمم الكاتدرائية. فعل شيئاً آخر ربما لا يقل أهمية: غيّر الطريقة التي ينظر بها الناس إليها. وهذه إحدى القوى النادرة التي يملكها الأدب.
ماذا يستطيع الروائي أن يفعل أمام جرافة؟
بعد نحو قرنين، يبدو سؤال هوغو أكثر اتساعاً من فرنسا القرن التاسع عشر. العالم كله يعيش صراعاً بين التطوير والذاكرة.
أحياء تاريخية تختفي لتحل محلها الأبراج. مبانٍ قديمة تهدم لأنها لا تحقق عائداً اقتصادياً كافياً. حروب تمحو معالم مدن كاملة. وأماكن تنجو من الدمار العسكري ثم تخسر شخصيتها تحت ضغط الاستثمار والسياحة والتحديث السريع.
في مواجهة ذلك، تبدو أدوات الكاتب ضعيفة. ليس لديه قانون. ولا ميزانية ترميم. ولا سلطة لمنع الجرافة. كان لدى فيكتور هوغو شيء واحد: القلم.
فاستخدمه ليقول إن المبنى القديم ليس «قديماً» فحسب، وإن قيمة المدينة لا تُقاس بما تستطيع بناءه فقط، بل بما تعرف كيف تحافظ عليه.
من الحجر إلى القلم.. ثم العودة إلى الحجر
لهذا يبدو عنوان المعرض الباريسي، «من الحجر إلى القلم»، دقيقاً إلى حد بعيد. رأى هوغو الحجر. رسمه. كتب عنه. دافع عنه. ثم حوّله إلى رواية. والرواية أعادت ملايين البشر إلى الحجر.
والمفارقة أن هذه الدائرة ما زالت مستمرة. فبعد الحريق الكارثي الذي أصاب نوتردام عام 2019، تابَعَ العالمُ كله عملية إنقاذ الكاتدرائية وترميمها، وكأن المبنى لم يعد ملكاً لباريس أو فرنسا وحدهما.
ومن الصعب النظر اليوم إلى واجهتها أو أبراجها من دون أن تعود شخصيات هوغو إلى الذاكرة. كوازيمودو لم يكن موجوداً. إزميرالدا لم تكن موجودة. لكن الأدب جعلهما يسكنان مبنى حقيقياً إلى درجة أن الحجر والخيال أصبحا شبه مستحيلين على الفصل. وربما هنا تكمن القصة الأجمل التي يعيد المعرض اكتشافها. فيكتور هوغو لم يحب العمارة لأنه أراد أن يصبح معمارياً. كان مفتوناً بها لأنها تفعل بالحجر ما كان يحاول هو أن يفعله بالكلمات:
أن تترك شيئاً يقاوم الزمن بعد أن يرحل الإنسان.