«غزة 13»: حين تستعيد السينما الفلسطينية الإنسان من قبضة الخبر

باريس- “صوت صورة”:
في نشرات الأخبار، تظهر غزة غالباً من أعلى: دخان يتصاعد، مبانٍ تنهار، وسيارات إسعاف تشق طريقها وسط الركام. أما الفيلم الفلسطيني «غزة 13» (Thirteen in Gaza) للمخرج حسام أبو دان، فيخفض الكاميرا إلى مستوى الإنسان؛ إلى خيمة يعيش فيها أب وابنته المراهقة، ويحاولان تدبير حياة لم تترك لها الحرب إلا أقل القليل.
حقق الفيلم عرضه العالمي الأول في الدورة الحادية والخمسين من مهرجان تورنتو السينمائي، قبل أن يفوز بجائزة NETPAC المخصصة للأفلام الآسيوية. وهو أول فيلم روائي طويل لأبو دان، ومدته 77 دقيقة، وقد صُوّر داخل قطاع غزة.
لا تأتي أهمية الفيلم من جائزته وحدها، بل من الصورة التي يقترحها لغزة. فالعالم يعرف عدداً هائلاً من صور الدمار، لكنه يعرف القليل عن البشر الذين كانت لهم حياة داخل المباني قبل أن تتحول إلى ركام. يعرف أعداد الضحايا، ولا يعرف نبرات أصواتهم أو دعاباتهم أو خلافاتهم الصغيرة أو الأشياء التي كانوا يضعونها قرب أسرّتهم.
في مركز الحكاية رغد، فتاة تدخل مرحلة المراهقة بعدما فقدت أمها وشقيقاتها، ولم يبق لها سوى والدها وخيمة يقيمان فيها بلا مال. وبينما يحاول الأب وابنته البقاء، يظهر وسيط يعمل في نقل المساعدات والسلع داخل غزة، ليتحول جمال الفتاة في عالم مضطرب إلى مصدر جديد للخطر. هنا تتداخل أشكال العنف: عنف الحرب، والفقر، واستغلال الأجساد الهشة في مجتمع حاصرته الحاجة.

الصورة الإخبارية تثبت وقوع الحدث؛ أما السينما فتمنح الخوف وجهاً واسماً وحكاية

لا يقدم أبو دان بطليه بوصفهما رمزين جاهزين للصمود، ولا يطالبهما بأن يكونا بطلين خارقين. إنهما شخصان خائفان يحاول كل منهما حماية الآخر، في وقت فقدت فيه كلمة «الحماية» معناها الطبيعي.
الأبوة تحت القصف ليست سلطة مطمئنة، بل امتحان يومي للعجز: كيف يقنع أب ابنته بأنه قادر على إنقاذها، بينما لا يملك السيطرة على السماء ولا على الطريق ولا على اللحظة المقبلة؟ وكيف تنظر فتاة إلى أبيها حين تكتشف أن البالغين، مهما أحبونا، لا يستطيعون دائماً منع العالم من الانهيار؟
هذه المسافة بين غزة الخبر وغزة الحياة هي المجال الحقيقي للفيلم. الصورة الإخبارية مطالبة بالوصول سريعاً وإثبات وقوع الحدث؛ أما السينما فتستطيع التوقف أمام الوجه، والإنصات إلى الصمت، ومنح الخوف وقتاً كي يظهر في تفاصيله الإنسانية.
وفي ذلك أيضاً مقاومة للطريقة التي يُختصر بها الفلسطيني عادة في صورتين: ضحية صامتة أو بطل لا يعرف الخوف. الإنسان أكثر تعقيداً؛ يخاف ويغضب ويضعف ويمزح، وقد يتشاجر مع أقرب الناس إليه في اللحظة التي يحتاج فيها إلى احتضانهم.
يعيد «غزة 13» طرح السؤال الأخلاقي الأصعب أمام كل من يصور الحرب: كيف يمكن نقل الألم من دون استهلاكه؟ وكيف تقترب الكاميرا من المأساة من غير أن تحولها إلى فرجة؟
لا توجد إجابة سهلة، لكن الفيلم يبدأ من مكان واضح: إعادة الاسم والوجه والعلاقة الإنسانية إلى المشهد. فالمباني المنهارة قد تتشابه على الشاشات، أما الأشخاص الذين كانوا يسكنونها فلا يتكررون.
السينما لا توقف قنبلة ولا تعيد بيتاً إلى أصحابه. لكنها تستطيع مقاومة فناء آخر: أن يُمحى الإنسان مرتين، مرة حين تُسلب حياته، ومرة حين لا يبقى منه سوى رقم.
ولهذا يتجاوز فوز «غزة 13» خبراً عابراً من مهرجان دولي. إنه انتصار، ولو محدوداً، لحق الفلسطيني في ألا يكون موضوعاً أمام كاميرات الآخرين فقط، بل صاحب الصورة وراوي الحكاية أيضاً.
———————-
إعداد: “صوت صورة”

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا