باريس-“صوت صورة”: يحتفل مسجد باريس الكبير بمرور مئة عام على تدشينه، مستعيداً تاريخاً حافلاً تجاوز دوره الديني ليشمل أبعاداً ثقافية وسياسية وإنسانية، من بينها مساهمته في حماية عدد من اليهود خلال الاحتلال الألماني لفرنسا.
افتُتح مسجد باريس الكبير في 15 يوليو/تموز 1926 بحضور الرئيس الفرنسي غاستون دومرغ وسلطان المغرب حينذاك مولاي يوسف. وجاء إنشاؤه تكريماً لآلاف الجنود المسلمين، ولا سيما القادمين من مستعمرات فرنسا في شمال أفريقيا، الذين قاتلوا وقُتلوا دفاعاً عن فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى.
يتميز المسجد بمئذنته التي يصل ارتفاعها إلى 33 متراً، وبساحاته وحدائقه ونوافيره وأروقته المستوحاة من العمارة العربية الأندلسية. كما يضم زخارف من الزليج أنجزها حرفيون مغاربة قدموا إلى فرنسا في عشرينيات القرن الماضي.
وفي عام 1983، أُدرج المسجد ضمن قائمة المعالم التاريخية الفرنسية، قبل أن يتحول تدريجياً إلى وجهة دينية وسياحية وثقافية تستقطب المصلين والزوار من فرنسا وخارجها.
بين العبادة والسياسة الاستعمارية
يكشف المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا، في حوار أجرته معه فرانس24، أن تاريخ المسجد لم يكن منفصلاً عن السياسات الاستعمارية الفرنسية.
فإلى جانب كونه مكاناً نادراً ومركزياً لعبادة المسلمين في باريس، نظرت إليه السلطات الفرنسية في سنواته الأولى باعتباره أداة يمكن من خلالها متابعة المهاجرين المسلمين، وخصوصاً العمال الجزائريين الذين تزايد وصولهم إلى فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى.
وقد أثار المشروع آنذاك حذر بعض الناشطين الجزائريين المطالبين بالاستقلال، الذين خشوا أن تستخدمه الإدارة الفرنسية لمواجهة الحركة الوطنية الجزائرية واحتواء العمال المهاجرين.
لكن المسجد، مع مرور الوقت، تجاوز إلى حد بعيد الوظيفة التي أرادتها له السلطات الاستعمارية. فقد أصبح فضاءً دينياً واجتماعياً يقصده المسلمون في وقت كانت فيه أماكن الصلاة المتاحة لهم محدودة، إذ كان كثير منهم يؤدون صلاة الجمعة في المقاهي أو الفنادق والأماكن الخاصة.

المسجد ملجأ لليهود خلال الاحتلال النازي
تبرز في تاريخ مسجد باريس الكبير صفحة إنسانية لا تزال غير معروفة على نطاق واسع، وتتعلق بالدور الذي أداه خلال الاحتلال الألماني لفرنسا في حماية يهود كانوا مهددين بالاعتقال والترحيل.
وينقل تقرير فرانس24 عن بنجامان ستورا أن عميد المسجد آنذاك، سي قدور بن غبريط، بدأ ابتداءً من عامي 1942 و1943، ولا سيما بعد حملة الاعتقالات الجماعية، في تقديم المساعدة لبعض اليهود، ومن بينهم أطفال.
وتشير الشهادات التي جمعها ستورا إلى أن المسجد آوى أشخاصاً يهوداً، وساعد بعضهم في الحصول على وثائق أو شهادات تُظهر أنهم مسلمون، بما وفر لهم الحماية من الاعتقال على أيدي السلطات الألمانية والمتعاونين الفرنسيين معها.
ومن أشهر من ارتبطت قصتهم بالمسجد المغني اليهودي الجزائري سليم الهلالي، واسمه الحقيقي سيمون الهلالي. وتفيد الروايات بأن إدارة المسجد ساعدته على إخفاء هويته اليهودية، وقدمت ما يثبت ظاهرياً انتماءه إلى الإسلام، الأمر الذي ساهم في إنقاذ حياته.
وتناولت هذه القصة سينمائياً في فيلم «الرجال الأحرار» للمخرج إسماعيل فروخي، الصادر عام 2011، والذي عمل بنجامان ستورا مستشاراً تاريخياً له.
كما يقول ستورا إنه التقى شخصيات وأبناء عائلات أكدوا أن أقاربهم نجوا بفضل مساعدة مسجد باريس، ومن بينهم الصحافي والمذيع الفرنسي فيليب بوفار، الذي نسب نجاة والديه إلى الحماية التي قدمها المسجد.

شهادات يصعب حصرها
لا يزال عدد اليهود الذين حصلوا على مساعدة المسجد خلال الاحتلال موضع نقاش بين المؤرخين، إذ لا تتوفر سجلات مكتملة تسمح بتحديد رقم دقيق.
غير أن ستورا يرفض وصف الواقعة بأنها مجرد «أسطورة»، مؤكداً وجود شهادات ووقائع تثبت أن عمليات الإنقاذ حدثت بالفعل، حتى وإن تعذر إحصاء جميع المستفيدين منها.
ويرى المؤرخ الفرنسي أن التشكيك المطلق في هذه الصفحة من التاريخ يؤدي إلى إخفاء نماذج التضامن التي قامت بين اليهود والمسلمين، في وقت تصاعد فيه الاضطهاد والعنف العنصري.
ولا تكمن أهمية هذه الوقائع في عدد الأشخاص الذين جرى إنقاذهم فحسب، بل في أن مؤسسة دينية إسلامية فتحت أبوابها لملاحقين من ديانة أخرى، وخاطرت بحماية حياتهم في واحدة من أحلك مراحل التاريخ الفرنسي والأوروبي.
ذاكرة مشتركة بين المسلمين واليهود
يضع ستورا دور المسجد في سياق تاريخ أطول من العلاقات بين اليهود والمسلمين، مشيراً إلى أن الجماعتين عاشتا جنباً إلى جنب على مدى قرون طويلة، خصوصاً في بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط.
ولم تكن تلك العلاقات خالية من التوترات، لكنها أنتجت في الوقت نفسه مساحات واسعة من التبادل اللغوي والثقافي والاجتماعي. ومن أبرز الأمثلة التي يوردها المؤرخ أن الفيلسوف والطبيب اليهودي موسى بن ميمون كتب بالعربية، كما كتبت نصوص وصلوات يهودية عديدة باللغة العربية.
ومن هذا المنظور، تمثل قصة مسجد باريس خلال الاحتلال تذكيراً بأن العلاقات بين المسلمين واليهود لا تختزل في صراعات الحاضر، وأن التاريخ يتضمن أيضاً صوراً من الحماية والتعايش والتعاون الإنساني.

جسر بين باريس والمغرب العربي
ظل مسجد باريس الكبير طوال تاريخه مرتبطاً بالعلاقات بين فرنسا ودول المغرب العربي، وخصوصاً الجزائر والمغرب.
فقد ارتبط تأسيسه في البداية بسلطان المغرب مولاي يوسف، بينما تعزز النفوذ الجزائري داخله بعد استقلال الجزائر عام 1962، في ظل الحضور الكبير للجالية الجزائرية في فرنسا وارتباط المسجد تاريخياً بالمهاجرين الجزائريين منذ عشرينيات القرن الماضي.
ولهذا السبب، لم يبتعد المسجد عن الخلافات السياسية والدبلوماسية التي شهدتها العلاقات الفرنسية الجزائرية، كما أصبح أحياناً موضوعاً للتجاذب بين الجزائر والمغرب، وللهجمات الصادرة عن تيارات اليمين المتطرف الفرنسي.
ورغم ذلك، استطاع المسجد أن يرسخ مكانته باعتباره معلماً دينياً وثقافياً ومعمارياً، وجسراً بين باريس والعالم الإسلامي، وبين الذاكرة الفرنسية وتاريخ الهجرة والمقاومة والاستعمار.
قرن من التحولات
بعد مئة عام من افتتاحه، يختصر مسجد باريس الكبير جانباً مهماً من تاريخ فرنسا الحديث: مشاركة الجنود المسلمين في الدفاع عنها، وسياساتها الاستعمارية في شمال أفريقيا، وهجرة العمال الجزائريين، والاحتلال النازي، وحرب استقلال الجزائر، وصولاً إلى النقاشات المعاصرة بشأن الإسلام والهوية والعلاقات بين الأديان.
لكن أكثر صفحات هذا التاريخ إشراقاً تظل تلك التي تحول فيها المسجد من مكان للعبادة إلى ملاذ للمضطهدين، مقدماً نموذجاً عملياً للتضامن بين المسلمين واليهود في مواجهة الاضطهاد النازي.
وفي زمن تتزايد فيه خطابات الكراهية والانقسام، تستعيد مئوية مسجد باريس الكبير قيمة تلك الذاكرة، وتؤكد أن دور المؤسسات الدينية لا يقتصر على الشعائر، بل يمكن أن يمتد إلى حماية الإنسان وصون كرامته، أياً كان دينه أو أصله.







