من محمود سعيد إلى محمد المليحي: من يصنع سعر الفنان العربي؟

لوحة عربية تجاوزت 2.5 مليون دولار، وأخرى بيعت بأضعاف تقديرها الأولي. لكن أرقام المزادات لا تقيس القيمة الفنية وحدها؛ فهي تكشف أيضًا أثر الندرة والمصدر والمتاحف وشبكات العرض في إعادة كتابة تاريخ الحداثة العربية.

لوحة «ثم ماذا؟» للفنان السوري لؤي كيالي، 1965
«ثم ماذا؟»، لؤي كيالي، 1965. سجلت اللوحة رقمًا قياسيًا للفنان السوري عندما بيعت مقابل 900 ألف دولار في مزاد «سوذبيز» بالدرعية عام 2025

باريس- “صوت صورة”:

في خيمة «فريز ماسترز» اللندنية، عُرضت لوحة بلا عنوان أنجزها الفنان المغربي محمد المليحي عام 1967. تنتمي اللوحة إلى المرحلة المبكرة من موجاته اللونية التي أصبحت لاحقًا علامته الأوضح، وقد باعتها «لوفت آرت غاليري» المغربية مقابل 180 ألف يورو، مع حجز عملين آخرين له لمشترين محتملين.

وفي المعرض نفسه باعت صالة «لوري شبيبي» في دبي عملين على الورق للفنانة الفلسطينية الإيرانية مليحة أفنان، تراوحت أسعارهما بين 30 و40 ألف جنيه إسترليني، بينما حُجز عمل أكبر لمتحف لم يُكشف عن اسمه.

توحي هذه الحركة بأن الحداثة العربية انتقلت من خانة «الفن الإقليمي» إلى مساحة أوسع في السوق الدولية. لكن نظرة إلى بقية المعرض تضع الاحتفاء في حجمه الحقيقي: لوحة لجوزف ألبرز عُرضت مقابل 1.5 مليون يورو، فيما بيعت طبيعة صامتة ليان بروغل الأكبر بنحو خمسة ملايين جنيه إسترليني. أي أن الحضور العربي اتسع، لكن الفارق بين أسعاره وأسعار الأسماء الغربية المكرّسة لا يزال كبيرًا.

الأغلى ليس بالضرورة الأهم؛ فالمزاد يقيس استعداد المشترين للدفع، لا مقدار التجديد الفني وحده

السؤال، إذن، ليس فقط: كم دفع المشتري؟ بل من صنع هذا السعر، ومتى أصبح العمل العربي جديرًا بالعرض في لندن أو باريس بعدما ظل عقودًا خارج الكتب والمتاحف الكبرى؟

 محمود سعيد في الصدارة

يظل المصري محمود سعيد صاحب أشهر رقم في المزادات الخاصة بالفن العربي. ففي أكتوبر 2010 بيعت لوحته «الدراويش» في مزاد «كريستيز» بدبي مقابل مليونين و546 ألفًا و500 دولار، بعدما تراوح تقديرها الأولي بين 300 و400 ألف دولار فقط.

أنجز سعيد اللوحة عام 1929، وفيها حلقة من الدراويش المولوية تدور داخل فضاء معماري قاتم. جاءت من مجموعة محمد سعيد فارسي، أمين مدينة جدة السابق وأحد أبرز جامعي الفن المصري الحديث. وقد اجتمعت في الصفقة عناصر يصعب تكرارها: عمل مبكر ومهم، وموضوع نادر نسبيًا داخل تجربة الفنان، وسجل ملكية معروف، ومجموعة خاصة ذات سمعة، إضافة إلى منافسة قوية بين عدة مزايدين.

عند بيعها وُصفت «الدراويش» بأنها أغلى لوحة شرق أوسطية تُباع في مزاد. كما أصبح محمود سعيد، وفق مراجعات سوقية لاحقة، الفنان العربي الوحيد الذي تجاوزت ثلاثة من أعماله حاجز المليون دولار في المزادات.

لكن الرقم يحتاج إلى حاشيتين. الأولى أنه يتضمن عمولة المشتري، لا المبلغ الذي حصل عليه البائع وحده. والثانية أن 2.54 مليون دولار في 2010 لا تساوي القوة الشرائية للمبلغ نفسه اليوم. لذلك تفيد الأرقام في مقارنة لحظة السوق، لكنها لا تصلح ترتيبًا نهائيًا ثابتًا للقيمة الفنية.

الفن المصري يحتل المراتب الأولى

لا تقتصر الصدارة المصرية على محمود سعيد. فقد حققت لوحة «سراييفو» لعمر النجدي مليونًا و145 ألف دولار في مزاد «كريستيز» بدبي عام 2016. أنجز النجدي العمل الثلاثي عام 1992 متأثرًا بحصار سراييفو، وبنى مشهدًا كثيفًا للأجساد والوجوه يستدعي، في موضوعه وحجمه، تقاليد اللوحات التاريخية الكبرى. وكان ذلك رقمًا قياسيًا للفنان.

وفي مارس 2014، بيعت دراسة عبد الهادي الجزار «حفر قناة السويس» مقابل مليون و23 ألفًا و750 دولارًا، بعدما قُدرت بما بين 100 و150 ألف دولار. أي إنها تجاوزت الحد الأعلى للتقدير بنحو سبعة أضعاف.

لم تكن الدراسة كبيرة الحجم؛ فقد بلغت أبعادها نحو 35.5 في 70.5 سنتيمترًا. غير أن أهميتها جاءت من صلتها بواحد من أشهر أعمال الجزار، ومن تاريخ ملكيتها ضمن مجموعة «فاروس» للفن المصري. تجمع الورقة بين الخطوط الهندسية التي تستحضر امتداد القناة ووجوه العمال المنهكين، ما منحها قيمة تاريخية وسياسية تتجاوز مادتها وحجمها.

وفي عام 2015 سجلت الفنانة المصرية تحية حليم رقمًا بارزًا حين بيعت «فرحة النوبة» مقابل 749 ألف دولار، مقارنة بتقدير تراوح بين 120 و180 ألفًا. تصور اللوحة الحياة النوبية بألوان وذهب على قماش، وتنتمي إلى مرحلة ارتبطت باهتمام حليم بالنوبة والتحولات التي رافقت بناء السد العالي وتهجير السكان.

هذه النتائج لا تعني أن الفن المصري «أفضل» من سواه، لكنها تعكس عوامل تراكمت مبكرًا: نشوء مؤسسات فنية وتعليمية في القاهرة والإسكندرية، ووجود طبقة من جامعي الأعمال، وتكوين مجموعات خاصة موثقة، ثم طرح أعمال مهمة في مزادات دبي خلال مرحلة توسع سوق الفن الإقليمي.

لؤي كيالي يقترب من المليون

شهدت الدرعية في فبراير 2025 واحدة من أبرز القفزات الحديثة في أسعار الفن العربي. فقد بيعت لوحة السوري لؤي كيالي «ثم ماذا؟» من عام 1965 مقابل 900 ألف دولار، مسجلة رقمًا قياسيًا للفنان.

تنتمي اللوحة إلى أعمال كيالي الاجتماعية التي تضع الإنسان العادي في قلب المشهد، بعيدًا عن البطولة الرسمية والزخرفة. وساعدت ندرتها وأهميتها داخل مساره، إلى جانب مجيئها من مجموعة معروفة، في إشعال المنافسة عليها.

وفي المزاد نفسه بيعت لوحة السعودي محمد السليم «اللهم أعزهم ولا تعز عليهم عدوًا» من عام 1977 مقابل 660 ألف دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف تقديرها السابق للبيع. كما حقق الفنان السعودي عبد الحليم رضوي رقمًا قياسيًا بلغ 264 ألف دولار، وبيعت لوحة الفلسطينية سامية حلبي «المصيدة الزرقاء- في محطة قطار» مقابل 384 ألف دولار.

لوحة «موجة» للفنان المغربي محمد المليحي، 1967
«موجة»، محمد المليحي، 1967. حوّل الفنان المغربي الخط المتموج إلى لغة بصرية تربط التجريد الحديث بإيقاعات الزخرفة والعمارة والحرف المحلية.

تكشف هذه النتائج أثر انتقال المزاد نفسه إلى المنطقة. فحضور مشترين سعوديين بكثافة، وبيع أعمال سعودية في الدرعية، يمنح القطعة سياقًا عاطفيًا وتاريخيًا مختلفًا عما لو عرضت في لندن وحدها. المكان ليس خلفية محايدة للسعر؛ إنه جزء من صناعته.

جواد سليم وشفيق عبود

في أول مزاد مسائي نظمته «كريستيز» في لندن للفن الحديث والمعاصر من الشرق الأوسط عام 2017، بيعت لوحة العراقي جواد سليم «بائع البطيخ» مقابل 668 ألفًا و750 جنيهًا إسترلينيًا، أو نحو 876 ألفًا و731 دولارًا وفق سعر الصرف الذي أعلنته الدار. تجاوزت النتيجة ضعفي الحد الأعلى للتقدير، وسجلت رقمًا عالميًا للفنان.

يمتلك جواد سليم مكانة مركزية في تاريخ الفن العراقي، لكنه خلّف عددًا محدودًا من الأعمال المتداولة مقارنةً بفنانين أكثر إنتاجًا. وهنا تتحول الندرة إلى قوة سوقية، خصوصًا عندما يظهر عمل معروف التاريخ في مزاد دولي.

وفي المزاد نفسه بيعت ثلاث لوحات من سلسلة «الغرف العمودية» للبناني شفيق عبود مقابل 368 ألفًا و750 جنيهًا، أي نحو 483 ألف دولار، مسجلة آنذاك رقمًا قياسيًا جديدًا له. وكانت لوحة عبود «سنوات الطائر» قد حققت قبل ذلك 391 ألفًا و500 دولار في دبي.

لا يصنع الاسم وحده هذه الفروق. فقد تباع لوحة صغيرة أو ثانوية لفنان كبير بسعر محدود، بينما تقفز لوحة مركزية من سلسلة موثقة إلى أضعاف التقدير. السوق تسعّر العمل المحدد، لا السيرة العامة للفنان فقط.

لا تصنع الموهبة سعر اللوحة وحدها؛ فالندرة وسجل الملكية والمتاحف والصالات تدخل جميعها في الرقم

إيتيل عدنان: الاعتراف المتأخر يرفع الأسعار

تمثل اللبنانية إيتيل عدنان نموذجًا مختلفًا. فقد أمضت عقودًا بين الكتابة والرسم من دون أن تتمتع لوحاتها بالمكانة السوقية التي عرفتها في السنوات الأخيرة من حياتها. تغير ذلك مع ظهورها في «دوكومنتا» عام 2012، وبينالي ويتني عام 2014، وبينالي الشارقة عام 2015، ثم معارض متحفية كبرى أخرى.

في أكتوبر 2021، بيعت لوحة بلا عنوان لها في «سوذبيز» مقابل 352 ألف جنيه إسترليني بعد منافسة سريعة بين المشترين. وفي مارس 2022 حققت لوحة أخرى 252 ألف جنيه، رغم تقدير أولي تراوح بين 30 و40 ألفًا.

توضح تجربة عدنان كيف تسبق القيمة الفنية أحيانًا الاعتراف السوقي بعقود. فالأسعار لم ترتفع لأن أعمالها تغيرت، بل لأن المؤسسات والمعارض والقيّمين أعادوا إدخالها في سرد عالمي عن التجريد واللون والمنفى والبيئة.

محمد المليحي: سعر الموجة وسعر التاريخ

عودة محمد المليحي إلى الواجهة الدولية ليست منفصلة عن إعادة تقييم «مدرسة الدار البيضاء»، التي عملت منذ الستينيات على إخراج الفن من القاعات المغلقة وربطه بالعمارة والشارع والحرف والتصميم.

لذلك لا ينبغي قراءة مبلغ 180 ألف يورو المدفوع في «فريز ماسترز» مقابل لوحة من عام 1967 باعتباره ثمن شكل زخرفي جذاب فحسب. المشتري يدفع أيضًا مقابل لحظة تاريخية: فنان عربي وأفريقي شارك في بناء لغة حداثية محلية، ورفض أن تكون الحداثة مجرد نسخة من التجربة الأوروبية.

ومع ذلك، كانت أغلى صفقة معلنة في «فريز» نفسه عملًا أوروبيًا قديمًا بنحو خمسة ملايين جنيه. تكشف المقارنة أن إعادة التوازن الجغرافي في أروقة العرض لا تعني بعد إعادة توازن مالي كامل. ويمكن للسوق أن تحتفي بفنان «مكتشف حديثًا» بينما تظل أسعاره جزءًا يسيرًا من أسعار نظرائه الغربيين.

أسماء عربية بارزة وأسعار مرجعية

الأرقام الآتية هي أسعار بيع معلنة في مزادات عامة أو، في حالة المليحي، صفقة صالة معلنة في «فريز». وهي تشمل عمولة المشتري حيث نص المصدر على ذلك، ولا تشمل الصفقات الخاصة غير المنشورة:

الفنان

البلد

العمل

سنة البيع

السعر المعلن

محمود سعيد

مصر

«الدراويش»

2010

2,546,500 دولار

عمر النجدي

مصر

«سراييفو»

2016

1,145,000 دولار

عبد الهادي الجزار

مصر

«حفر قناة السويس»

2014

1,023,750 دولار

لؤي كيالي

سورية

«ثم ماذا؟»

2025

900,000 دولار

جواد سليم

العراق

«بائع البطيخ»

2017

668,750 جنيهًا إسترلينيًا، نحو 876,731 دولارًا وقت البيع

تحية حليم

مصر

«فرحة النوبة»

2015

749,000 دولار

محمد السليم

السعودية

«اللهم أعزهم…»

2025

660,000 دولار

شفيق عبود

لبنان

ثلاثية «الغرف العمودية»

2017

368,750 جنيهًا إسترلينيًا، نحو 483,431 دولارًا

إيتيل عدنان

لبنان

بلا عنوان

2021

352,000 جنيه إسترليني

ضياء العزاوي

العراق

«عرسك موت»

2016

235,500 دولار

محمد المليحي

المغرب

بلا عنوان، 1967

2026

180,000 يورو، صفقة في معرض فني

سجل ضياء العزاوي يبدو متواضعًا مقارنة بمكانته المتحفية، وهو مثال مفيد على أن الشهرة النقدية والسعر لا يتحركان دائمًا معًا. فقد بلغ رقمه الموثق في المزادات 235 ألفًا و500 دولار عن «عرسك موت» في 2016.

ما الذي يرفع السعر؟

يمكن اختصار آلة التسعير في خمسة عناصر مترابطة:

أولها ندرة العمل وأهميته داخل مسيرة الفنان. ليست كل موجة للمليحي مساوية لأخرى، ولا كل منظر لمحمود سعيد في منزلة «الدراويش».

ثانيها سجل الملكية. العمل الآتي مباشرة من الفنان أو أسرته أو مجموعة مرموقة يطمئن المشتري إلى أصالته، ويضيف إليه قصة يمكن إعادة سردها عند كل بيع.

ثالثها المعارض والمتاحف والكتب. حين يدخل الفنان معرضًا استيعاديًا أو مجموعة متحف كبير، لا يحصل السوق على عمل جديد؛ بل يحصل على مبرر جديد للسعر.

رابعها شبكة الصالات ودور المزادات. الصالة لا تعرض العمل فقط، وإنما تضعه أمام القيّمين والمتاحف والجامعين القادرين على تثبيت موقع الفنان دوليًا.

قد يبقى الفنان مهمشًا عقودًا، ثم تعيد مؤسسة كبرى كتابة موقعه في التاريخ ويرتفع السعر بعدها

وخامسها هوية المشترين ومكان البيع. المنافسة بين جامعين لديهم ارتباط بالبلد أو المرحلة الفنية قد تدفع النتيجة إلى أضعاف التقدير، كما حدث مع عدة أعمال في دبي والدرعية. 

السعر ليس حكمًا نقديًا

الأغلى ليس بالضرورة الأهم، والأقل سعرًا ليس الأقل تأثيرًا. المزاد يقيس استعداد شخصين أو أكثر للدفع في ليلة بعينها، تحت شروط اقتصادية ونفسية وتسويقية محددة. ولا يقيس مقدار التجديد الفني، أو حضور العمل في الذاكرة العامة، أو أثره في أجيال لاحقة.

كما أن السوق العامة لا تكشف كل شيء. فمبيعات الصالات والصفقات المباشرة بين الجامعين غالبًا سرية، ولا تدخل في جداول المزادات. وقد يُحرم فنان مهم من الارتفاع السعري لأن معظم أعماله داخل متحف، أو لدى أسرته، أو لأن توثيق تجربته لا يزال ناقصًا.

لكن الأسعار، مع كل هذه التحفظات، تظل وثيقة ثقافية. إنها تكشف مَن نجحت المؤسسات في تقديمه إلى العالم، ومَن يملك أرشيفًا وسجل ملكية وصالة قوية، ومَن لا يزال ينتظر أن يُكتب تاريخه.

لهذا تبدو صفقة محمد المليحي في «فريز ماسترز» أهم من رقمها وحده. إنها علامة على أن مركز السوق بدأ ينظر جنوبًا، ولكنها تذكّر أيضًا بأن إعادة اكتشاف الحداثة العربية لا تكتمل عندما ترتفع الأسعار. تكتمل حين تصبح أعمال الفنانين موثقة ومتاحة للباحثين، وحين تدخل المتاحف والمناهج والكتب، وحين لا تكون قيمتها مرهونة بالخيمة الغربية التي اختارت أخيرًا أن تعرضها.

إعداد: “صوت صورة”

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا