أنطوانيت عازارية.. معارك مع السينما ومن أجلها

 «المونتير أجرأ على ذلك»، قالت أنطوانيت عازارية وهي تتحدث عن حذف المشاهد التي يتمسك بها المخرجون. لم تكن تتحدث عن مهارة تقنية فحسب، بل عن شجاعة فنية: أن تعرف متى تتخلى عن لقطة جميلة لكي تنقذ فيلماً كاملاً.

في هذا الحوار الذي أجريته معها في دمشق قبل أكثر من عشرين عاماً، كانت عازارية تتحدث بلا مواربة عن السينما السورية، وعن المخرجين الذين عملت معهم واختلفت معهم، وعن معارك المونتاج التي خاضتها دفاعاً عن إيقاع الفيلم وبنائه الدرامي. لم تتردد في تسمية الأسماء، ولم تحاول تجميل الخلافات. حتى إنها تحدثت عن «أعدائها» الفنيين بقدر من الصراحة لا نسمعه كثيراً في الحوارات السينمائية.

كانت يومها قد انتقلت إلى الإخراج بفيلمها القصير «أبيض»، لكنها لم تعتبر ذلك ترقية من المونتاج إلى مهنة أعلى شأناً. على العكس، كانت تدافع عن المونتير بوصفه شريكاً في صناعة الفيلم، وتقول إن الإيقاع يشبه قلب الإنسان، وإن العين والأذن هما الحكم الأخير على صحة اللقطة.

اليوم، مع رحيل أنطوانيت عازارية، أعود إلى هذا الحوار المنشور في صحيفة «السفير» اللبنانية يوم 28 يوليو 2005. أستعيده فقط لأتركها تتحدث عن السينما كما عرفتها وأحبتها ومارستها: بحساسية الفنانة، ودقة المونتيرة، وجرأة امرأة لم تكن تخشى الاختلاف.

راشد عيسى

أنطوانيت عازارية.. الصورة من صفحتها على فيسبوك

حين سُئل ناقد سينمائي سوري عن أسباب تدنّي سوية الأفلام السورية في السنوات الأخيرة، قال: لأن أنطوانيت عازارية، أبرز مونتير سوري، لم تعد تعمل في المونتاج. لكن الأمر لم يكن خيارها، ولعلها تشعر بتغيّر أحوال كثيرة جعلت المؤسسة العامة للسينما تستبعدها من أفلامها الأخيرة. ولكن لم يكن هذا أيضاً سبباً يحولها إلى الإخراج، فهي تصرّ على أن تتابع مهنتها كمونتير. مهنة بدأتها مع فيلم محمد كامل القليوبي الصامت «شرطة وشرطتين أو حكاية ما جرى في مدينة نعم»، الذي حازت عنه أول جائزة مونتاج في مهرجان الفيلم التسجيلي في القاهرة، لتتابع مع «نجوم النهار» الذي نالت عنه الجائزة الثانية في مهرجان «قرطاج»، ثم في «اللجاة» الذي نالت عنه الجائزة الثالثة في مهرجان «الإسكندرية»، وبالطبع إلى مشاركتها في أفلام كثيرة غيرها.

تحمل عازارية فيلمها «أبيض» إلى مهرجان «روتردام» السينمائي، فيجري تكريمها كواحدة من ثلاث مونتيرات عربيات إلى جانب ناديا شكري من مصر، وكاهنة عطية من تونس. وللمناسبة كان هذا الحوار.

 غالباً ما يُسمّى المونتير مخرجاً ثانياً، ما هي الحدود الفاصلة بين المونتير والمخرج؟

أنطوانيت عازارية: إذا كان المخرج هو من يضع تصوراً للنص المكتوب ويُعنى بتحويله إلى صورة، فإن المونتير يرى إلى المادة المصورة باعتبارها مادة تسجيلية ليصنع منها فيلماً. لذلك أجد نفسي طوال فترة العمل في حوار متواصل مع المخرج، لأن هذه المادة سوف يُعاد بناؤها درامياً من جديد. أحياناً تكون هناك خطوط جانبية لا ترفد الخط الأصلي للعمل ولا تدعم البناء الدرامي فنعمد إلى حذفها. وأحياناً نضطر إلى قلب ترتيب المشاهد؛ قد نأخذ مشاهد من البداية إلى الوسط أو النهاية، أو العكس. المونتير عليه أن يضبط البناء الدرامي، ولذلك نسمي المونتير مخرجاً ثانياً.

بالطبع هناك مونتير مبدع وآخر منفّذ. على المونتير أيضاً أن يهتم بمسألة الإيقاع، الذي أشبّهه بقلب الإنسان، هكذا هو الإيقاع في السينما وفي كل الفنون. هنالك أيضاً ما يسمى بالزمن الميت، وهو اللقطات التي لا سبب درامياً لها. الإيقاع يختلف بين الأبيض والأسود والملون، لأن العين تلتقط اللون أكثر من الأبيض والأسود. حينما تضع للقطة في الملون دقيقة، يجب أن تكون في الأبيض والأسود دقيقة + ثانية، ثم إذا كانت لقطة كبيرة أو متوسطة أو بعيدة، كم يجب أن يكون إيقاع الشاشة حتى تلحق العين أن تستوعبها.

هذه أمور لا أعتبرها أكاديمية وأعتمد فيها على العين، فمع التجربة تصبح العين هي التي تحكم على الأشياء. هناك من لا يجرؤ على أن يضع لقطة قريبة جداً لوجه أو لعيون وراءها لقطة بعيدة، فأقول حينها إذا لم «تنقز» العين معناه أن اللقطة صحيحة. المقياس في النهاية هو العين والأذن.

لست نادمة على عملي في المونتاج، ولكن ربما تأخرت في خوض تجربة الإخراج، ومع ذلك أعتقد أن الوقت لم يفت بعد

هنالك أيضاً حساسية الموسيقى حيث يجب أن تقدّر أين تدخل وكيف. أذكر في أحد الأفلام، وكان الفلاحون يحاولون فتح مجرىً لنهر، وحين تدفقت المياه أدخل المخرج موسيقى أزعجتني جداً، فمن المفترض أن المهم درامياً في هذا المشهد هو تدفق الماء، وبالتالي فإن صوت الماء هو ما يجب أن يكون فاعلاً، لكن المخرج أخفض صوت الماء ورفع صوت الموسيقى.

 لماذا اخترت دراسة المونتاج لا الإخراج؟

أنطوانيت عازارية: كانت طبيعة الدراسة تلزمني بالاختصاصين معاً، وكنت أستطيع أن أختار أياً منهما، لكن ما حسم اتجاهي للمونتاج أنني أحببت المهنة كثيراً، ولأن للمونتير دوراً لا يُستهان به. أخذني المونتاج وأحببته، وشعرت بأن له أهمية لا تقل عن أهمية الإخراج، في النهاية أي عمل إخراجي إذا لم يرافقه مونتاج جيد لا يمكن أن يحقق السوية المطلوبة.

ثم ليس بالضرورة أن يتحول كل الناس إلى مخرجين، ولذلك فكرت بالإخراج في وقت متأخر جداً، منذ سنتين فقط. وفي النهاية المونتير وجهة نظر أخرى، ولذلك حين أقدم كمال الشيخ وصلاح أبو سيف على الإخراج، وكلاهما في الأصل مونتير، استعانا بمونتير آخر.

هذه المهنة جعلتني، عند مشاهدتي للسينما أو المسرح، أشاهد بعيني مونتير، وصرت أرى مشكلة الإطالة في معظم أفلامنا، أفلام يجب أن يُحذف منها الكثير. مثلاً حينما شاهدت فيلم واحة الراهب «رؤى حالمة» قلت لها إن فيلمك يحتاج لإعادة مونتاج، ويبدو أنها لا تريد. ولكن الجميع قالوا لها الكلام نفسه؛ أنْ اعتبري الفيلم مادة لديك وأعيدي بناءه ليصبح الفيلم متماسكاً أكثر.

المفروض ألا يكون هناك خوف لدى المخرج، الذي يتعامل مع كل ما صوّره من لقطات كشيء عزيز على قلبه، كل لقطة يصورها ويبذل فيها مجهوداً يصبح ضنيناً بأن يستغني عنها. المونتير أجرأ على ذلك، لأنه في النهاية يهتم بالعمل أكثر مما يهتم بالمخرج، هذا الذي عنده شيء من شغله وشيء من النرجسية، المونتير بعيد عن هذه النرجسية لأن الإخراج صنعه شخص آخر.

مخرجون أعداء

 ألهذا تكون العلاقة بينهما مرشحة دائماً للعداء؟

أنطوانيت عازارية: الحقيقة في العمل نفسه تشعر بأن هناك عداء، ولكن في النهاية، إذا كان المخرج مستوعباً، ولحسن الحظ معظم الذين اشتغلت معهم كانوا كذلك، سيقدّر المخرج قيمة عملك، وأن اعتراضاتك هي دائماً لصالح الفيلم.

بهذا المعنى من كان أخطر أعدائك؟

أنطوانيت عازارية: أبرز أعدائي كان أسامة محمد، حيث كان فيلمه «نجوم النهار» أول فيلم اشتغلته، وكان بيننا معارك مرعبة. الثاني ريمون بطرس. الآخرون كرياض شيّا كانوا أهدأ مني، ولم يكن بيننا حدّة، كذلك عبد اللطيف عبد الحميد.

أنا وسمير ذكرى وصلت الأمور بيننا بعد «حادثة النصف متر» إلى طلاق فني نهائي، ولم نعد للعمل معاً. كانت الإطالة مشكلة الفيلم، وأردت أن أختصر، كما كانت هناك مشكلة في الإيقاع، كان رأيه ألا وجود لتلك المشكلات. انسدّ الطريق بيننا. لم يصل الوضع مرةً، مع مخرجين آخرين، إلى هذا الانسداد.

كان من الطبيعي، كونه المخرج، أن يبقى هو وأغادر أنا الفيلم. إذا شئت الدقة لم أغادر الفيلم، بل أنجزت البناء الذي أريد وسافرت بانتظار الموسيقى التي سيكتبها مارسيل خليفة للفيلم، ولكن المخرج لم يتصل بي بعدها.

من موقعك كمونتيرة كيف ترين أهم مشكلات السينما السورية؟

أنطوانيت عازارية: المشكلة الأولى والكبرى في السينما السورية دائماً هي أن المخرج هو نفسه كاتب النص، يكفينا من المخرجين صعوبة أن يضحّوا بلقطة صوّروها، فوق ذلك يصير صعباً أن يضحّوا بلقطة كتبوها! برأيي أن كبار مخرجي العالم، فلليني وأمثاله، كانوا يكتبون نصوصهم بالاشتراك مع آخرين. المشكلة الثانية أن ليس لدينا مدراء تصوير.

 أي الأفلام تجدين فيها دورك أوضح وأكبر تأثيراً؟

أنطوانيت عازارية: لم أخرج من فيلم ولديّ حسرة على شيء لم أقم به، دائماً كنت راضية عما أفعل، لذلك كان هذا العداء بيني وبين المخرج. هناك بعض المخرجين كانوا يخشون العمل معي بسبب سمعة المشاكسة عنّي.

التحوّل

 هل قررت ترك العمل في المونتاج منذ تحولت إلى الإخراج أخيراً؟ كيف جاءت الفكرة؟

أنطوانيت عازارية: الحقيقة أنني لم أترك، ما زلت أحب المونتاج، وإذا عُرض عليّ عمل فلن أتردد. لكن يبدو أن المخرجين صار لكل منهم مجموعة عمل خاصة، قد يكون بعضهم وصل معي إلى نقطة أحسوا أنهم يستطيعون وحدهم تنفيذ المونتاج والإخراج.

على المونتير أيضاً أن يهتم بمسألة الإيقاع، الذي أشبهه بقلب الإنسان، هكذا هو الإيقاع في السينما وفي كل الفنون

بالنسبة للمخرجين الجدد اشتغلت مع أحدهم فيلماً قصيراً، البقية يبدأون بالقول إن حلمهم منذ كانوا طلاباً أن يعملوا معي، ثم أفاجأ بأنهم اختاروا آخرين. لكنني أيضاً أختار، ولست جاهزة لأن أعمل مع أيّ كان، أو لمجرد أن مخرجاً ما قد اختارني. وحتى أختار لا بد أن أبدأ من قراءة السيناريو، حالياً ليس لدي عمل في المونتاج، والأمر ليس نتيجة لرفضي.

خيار الإخراج ليس بديلاً، فحينما عرض عليّ نضال حسن فيلماً لأمنتجه اشتغلته في الوقت الذي كنت أشتغل فيه فيلمي.

بالنسبة لفيلمي، أنا لا أحب الحوار في السينما، وأعتبر أن الشغل على الصورة هو ما يوصل الفكرة والشحنة العاطفية، ومن هنا جاءت الفكرة. كنت أحب أن أقدم شيئاً بصرياً يعتمد على الإيقاع والشكل البصري، وإذا أردت أن أدعّمه درامياً فعليّ بالموسيقى والمؤثرات. سيناريو الفيلم فيه قليل من الحوار، وهو فيلم روائي قصير بعنوان «أبيض»، عُرض في مهرجان «دمشق» و«أصيلة» و«الإسماعيلية»، وفي «روتردام» حاز الجائزة الفضية.

ما رضاك عن الفيلم؟ كونك مونتيرة هل خدمك ذلك؟

أنطوانيت عازارية: تعاملت مع الفيلم وكأنني لست المخرجة أو الكاتبة، بل على أساس مادة محايدة، ولكن من الأساس حين صورت لم أحتج إلى حذف لقطات لأنني كمونتير أعرف ماذا أريد وماذا أحتاج. اشتغلت أكثر على الإيقاع، وفي النهاية أشعر بالرضى عما فعلت. هناك في النتيجة قراءات متعددة للفيلم. ولكني لم أسمع انتقادات.

 ألا تعتقدين أنك وقعت بواحدة من مشكلات السينما السورية؟ أعني كتابة السيناريو بالإضافة إلى الإخراج؟

أنطوانيت عازارية: الفيلم ليس طويلاً، مدته فقط ثماني دقائق، ولم أجد أن الأمر يستحق، خاصة أنه عن نص أدبي (الفيلم عن قصة قصيرة لمحمد شكري «الأطفال ليسوا دائماً حمقى»)، ثم إنني لم أكتبه كنص أدبي بل ديكوباج، أي أقرب إلى تقطيع لقطات للتصوير.

هل تنوين المتابعة في الإخراج؟

أنطوانيت عازارية: مبدئياً لدي فيلم تسجيلي عن سمعان العمودي. ليس الهدف الحديث عن سمعان العمودي بذاته، بالنسبة لي هو أول متصوف في الدين المسيحي، ولكن أريد عبره الحديث عن الحالة الثقافية والاقتصادية والمعمارية في تلك الفترة. سمعان العمودي هو سمعان السوري قبل أن يكون سمعان المسيحي.

بعده أفكر بفيلم روائي طويل، عن قصة مكتوبة بالفرنسية في القرن التاسع عشر عن مدينة حلب، سأترجمها للعربية وأشتغلها.

 ألا يزعجك أنك تأخرت في الإخراج؟

أنطوانيت عازارية: الأخطاء لا أندم عليها بل أحب أن أتعلم منها. لست نادمة على عملي في المونتاج، ولكن ربما تأخرت في خوض تجربة الإخراج، ومع ذلك أعتقد أن الوقت لم يفت بعد.

(دمشق)

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا