في السادسة والعشرين من عمره، يفوز الصحافي الفرنسي آرثر سارادان بجائزة ألبرت لوندر للكتاب عن عمل يوثّق شهادات معتقلين سابقين في السجون السورية. لكن القيمة الأعمق لكتابه «اسم الظلال» تكمن في السؤال الذي يطرحه: كيف يمكن للكتابة أن تنقل تجربة السجن والتعذيب من دون أن تختزل أصحابها في ضحايا، أو تحول آلامهم إلى مجرد مادة صحافية؟

باريس- “صوت صورة”:
حين تسقط سلطة حَكَمَتْ بالخوف، لا تنتهي الحكاية عند أبواب السجون المفتوحة. تبدأ حكايات أخرى، أكثر صعوبة وتعقيدًا: حكايات من خرجوا منها، وما يحملونه في أجسادهم وذاكرتهم من سنوات لا يمكن محوها بقرار سياسي أو بلحظة احتفال.
من هذه المساحة الإنسانية ينطلق كتاب «اسم الظلال: الخروج من جحيم المعتقلات السورية» (Le Nom des ombres. Sortir de l’enfer concentrationnaire syrien)، للصحافي الفرنسي آرثر سارادان (Arthur Sarradin)، الذي فاز، الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، بجائزة ألبرت لوندر للكتاب، إحدى أبرز الجوائز الصحافية الفرنسية.
صدر الكتاب عام 2025 عن دار «لوسوي» (Le Seuil)، في 305 صفحات، ويستند إلى شهادات معتقلين سابقين في السجون السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.
وفي السادسة والعشرين من عمره، وجد سارادان نفسه يتسلم الجائزة في مسرح الكونكورد بباريس، بعدما أمضى سنواته الصحافية الأولى في تغطية صراعات الشرق الأوسط، مراسلًا من بيروت لوسائل إعلام فرنسية، بينها «ليبراسيون» وراديو فرانس وقناتا TF1 وLCI.
غير أن أهمية التكريم لا ترتبط بعمر صاحبه وحده، بل بطبيعة العمل الذي أنجزه: كتاب يحاول الاقتراب من عالم السجون السورية من خلال الأشخاص الذين عاشوا داخله، لا من خلال سرد تاريخ السلطة والقمع فحسب.
لكي نروي حكايات المعتقلين، علينا أولًا أن نصغي إليهم بتعاطف كامل، حتى حين تكون شهاداتهم قاسية إلى حد يصعب احتماله
حين تصبح الشهادة ممكنة
شكّل سقوط النظام السوري لحظة فاصلة بالنسبة إلى كثير من المعتقلين السابقين وعائلاتهم. فبعد عقود ارتبط فيها الحديث عن الاعتقال بالخوف من الانتقام، اتسعت إمكانية الكلام عن التجارب التي ظلت محاصرة بالصمت.
استثمر سارادان هذه اللحظة لجمع شهادات أشخاص عاشوا داخل منظومة الاعتقال، واضعًا أصواتهم في مركز الكتاب.
وفي مقابلة نشرتها مجلة «تيليراما» الفرنسية عقب فوزه بالجائزة، أوضح أن كثيرًا من الناجين كانوا يشعرون بحاجة ملحّة إلى الكلام، وأن اللحظة التاريخية أتاحت الإصغاء إلى تجارب كان التعبير عنها شديد الخطورة في السابق.
لكن الإصغاء إلى الشهادات لا يعني أن روايتها أصبحت سهلة.
فالسجن لا يترك وراءه وقائع قابلة للترتيب الزمني فقط، بل يخلّف ذاكرة من الأصوات والروائح والإحساس بالزمن والخوف والإذلال. وهي عناصر يصعب نقلها عبر خبر صحافي سريع أو مجموعة مقتضبة من الاقتباسات.
من هنا جاء اختيار الكتاب، بوصفه مساحة أوسع تسمح للشهادة بأن تتنفس، وللقارئ بأن يقترب من التجربة من دون أن يتوهم امتلاكها بالكامل.
لماذا لم تكفِ المقالات الصحافية؟
كتب سارادان تقارير صحافية عن سوريا، لكنه رأى أن المادة التي جمعها تتجاوز ما يستطيع المقال التقليدي احتواءه.
فحين يروي إنسان سنوات من حياته خلف القضبان، لا تكون المسألة مجرد الحصول على تصريح مناسب للنشر، بل التعامل مع سيرة كاملة، فيها ما يسبق الاعتقال وما يحدث داخله وما يستمر بعد الخروج منه.
يتيح الكتاب، في هذه الحالة، الجمع بين الشهادة الشخصية والتحقيق والأرشيف والسياق التاريخي والسرد الأدبي.
ولا يعني ذلك تحويل المعاناة إلى عمل تخييلي، بل البحث عن شكل كتابي قادر على نقل كثافتها من دون تجريدها من حقيقتها.
هذه النقطة بالذات تجعل «اسم الظلال» موضوعًا ثقافيًا يتجاوز قيمته الإخبارية.
فالكتاب يطرح مسألة قديمة ومتجددة في أدب السجون: كيف تُكتب التجربة التي تبدو أكبر من اللغة؟ وكيف يمكن أن تصبح الكلمات وسيلة لاستعادة جزء من الكرامة التي حاول السجن انتزاعها؟
لقد شكّل أدب السجون، في العالم العربي، مساحة أساسية لفهم علاقة الفرد بالسلطة، وترك وراءه أعمالًا روائية وشهادات ومذكرات لا تكتفي بوصف التعذيب، بل تكشف ما يفعله الاعتقال بالزمن والهوية والعلاقات الإنسانية.
ويأتي كتاب سارادان من خارج هذه التجربة المباشرة، بوصفه عملًا صحافيًا يفسح المجال للناجين كي يرووا ما عاشوه.
وهذا الاختلاف مهم: فالصحافي لا يدّعي أنه عاش التجربة، وإنما يتحمل مسؤولية نقلها بأكبر قدر ممكن من الدقة والاحترام.
الإصغاء من دون فرض حكاية جاهزة
من الأفكار اللافتة في حديث سارادان رفضه تحويل الشهادات إلى قصص تعافٍ مريحة تنتهي بانتصار الإنسان على آلامه.
فبعض التجارب لا تسمح بنهايات مطمئنة، وبعض الجراح لا تُختصر في عبارة عن الصمود.
كما أن الناجين ليسوا ملزمين بأن يقدموا مشاعر تتوافق مع توقعات الجمهور.
المقال الصحافي لا يتسع دائمًا لحياة كاملة؛ أما الكتاب فيمنح الشهادات المساحة التي تستحقها، بعيدًا عن اختزال التجربة في بضعة أسطر
فقد تحدث بعض المعتقلين السابقين، وفق ما ذكره الكاتب، عن رغبتهم في الانتقام ممن عذبوهم. وهي مشاعر قد تبدو صادمة لمن ينتظر من الضحية خطابًا متسامحًا أو هادئًا، لكنها جزء من التجربة الإنسانية التي ينبغي فهمها في سياقها.
هنا تظهر واحدة من أكثر القضايا حساسية في توثيق العنف: هل يُسمح للناجي بأن يكون إنسانًا كاملًا، يحمل الغضب والتناقض والضعف والرغبة في العدالة، أم يُطلب منه أن يؤدي دور الضحية المثالية؟
يرفض سارادان، في مقاربته المعلنة، اختزال أصحاب الشهادات في صورة إنسانية جاهزة للاستهلاك العاطفي.
وهو موقف يفتح نقاشًا مهمًا حول الطريقة التي تتعامل بها وسائل الإعلام الدولية مع حياة المدنيين في مناطق الحروب، ولا سيما في العالم العربي.
فالتعاطف وحده لا يكفي إذا كان مشروطًا بأن يتحدث الناس باللغة التي يرغب الآخرون في سماعها.
إعادة الإنسان إلى قلب الخبر
في تغطية الحروب، تتحول المآسي سريعًا إلى أرقام: عدد القتلى، والمعتقلين، والمفقودين، والنازحين.
ولا يمكن الاستغناء عن هذه الأرقام، لأنها ضرورية لفهم حجم الكارثة. لكنها لا تستطيع وحدها أن تقول من كان هؤلاء الناس، وما الذي فقدوه، وكيف تغيرت حياتهم.
لذلك يفضّل سارادان الاقتراب من الأفراد الموجودين على هامش الأحداث الكبرى.
وقد أوضح أنه يجد أحيانًا في الحديث إلى شخص حفر مقابر جماعية ما يكشف عن الواقع أكثر مما تكشفه مقابلة مع مسؤول سياسي، من دون أن يعني ذلك إلغاء أهمية التحقيق في قرارات أصحاب السلطة.
هذه المقاربة لا تبحث عن الحكاية الصغيرة لأنها أقل أهمية، بل لأنها قد تكشف ما تعجز عنه الرواية السياسية الواسعة.
فخلف كل رقم اسم، وخلف كل اسم حياة لم تبدأ يوم الاعتقال ولم تنتهِ يوم الإفراج.
ومن هنا يكتسب عنوان «اسم الظلال» دلالته: إنه يستدعي عالمًا دفع فيه القمع البشر إلى الاختفاء، بينما تحاول الكتابة أن تعيد إليهم أسماءهم وحضورهم.
ذاكرة السجون السورية ومسؤولية الكتابة
تاريخ السجون السورية ليس مجهولًا بالكامل. فقد تناولته شهادات وكتب وتحقيقات ومنظمات حقوقية على مدى عقود، كما وثّقت أعمال أدبية سورية كثيرة أثر الاعتقال في الفرد والمجتمع.
وراء كل رقم اسم، ووراء كل اسم حياة. مهمة الصحافة أن تعيد الإنسان إلى قلب الحكاية، لا أن تتركه يختفي وسط إحصاءات المأساة
لكن كل شهادة جديدة تضيف زاوية إلى ذاكرة لا يمكن اختزالها في رواية واحدة.
وتكتسب الشهادات التي جُمعت بعد سقوط النظام أهمية خاصة، لأنها تصدر في لحظة تتداخل فيها الحاجة إلى معرفة الحقيقة مع مطالب العدالة والمحاسبة، ومع مخاوف ضياع الوثائق والأدلة أو تعرض الشهود لضغوط جديدة.
في مثل هذا السياق، تصبح الكتابة مسؤولية مضاعفة.
فهي مطالبة بأن تحفظ ما يمكن توثيقه، وأن تميز بين الشهادة والواقعة المثبتة، وأن تحمي كرامة الأشخاص الذين يروون تجاربهم.
وهي مطالبة أيضًا بألا تحول السجن إلى مشهد مثير، أو الألم إلى مادة للفرجة.
لهذا تبدو قيمة كتاب سارادان في الطريقة التي يحاول بها تنظيم العلاقة بين الصحافي والشاهد والقارئ، بقدر ما تكمن في المعلومات التي يقدمها.
فالصحافي هنا ليس بطل الحكاية، بل وسيطًا بين أصوات نجت من الصمت وقراء قد لا يعرفون عنها إلا القليل.
جائزة للكتاب.. وللأصوات التي يحملها
حين تلقى سارادان خبر فوزه بجائزة ألبرت لوندر، كان يستعد للعودة إلى بيروت بعد زيارة لمدينة نيس الفرنسية.
وفي حديثه إلى «تيليراما»، عبّر عن أمله في أن يلفت التكريم الانتباه إلى الشرق الأوسط وإلى قصص الأشخاص الذين تناولهم كتابه، أكثر من أن يكون مناسبة للاحتفاء بمسيرته الشخصية.
وقد أشادت لجنة الجائزة بنضجه المهني وقدرته على ترك أثر إنساني من خلال الكتابة.
وفي الدورة نفسها، مُنحت جائزة الصحافة المكتوبة للصحافي برونو مايرفيلد عن تحقيقاته حول الشعوب الأصلية في البرازيل، فيما فاز بريس لامبير بجائزة الأعمال السمعية البصرية عن فيلمه «الجنس الضعيف: أميركا في حرب ضد نسائها»، الذي عرضته قناة «آرتي».
وتكشف الموضوعات الثلاثة عن اهتمام الصحافة الاستقصائية بتجارب الأشخاص الذين يتعرضون للعنف أو التهميش، وبأهمية التحقيق في ما يحدث بعيدًا عن مراكز النفوذ.
لكن كتاب «اسم الظلال» يحمل، بالنسبة إلى القارئ العربي، معنى إضافيًا.
فهو يعود إلى تاريخ سوري ما زالت آثاره حاضرة في حياة عائلات كثيرة، ويطرح سؤالًا يتجاوز الجائزة والكاتب واللغة الفرنسية التي صدر بها:
من يروي تاريخ المعتقلين، وكيف يمكن أن تصل أصواتهم إلى العالم من دون أن تفقد خصوصيتها أو تُختزل في صورة واحدة عن الألم؟
ليس في مقدور كتاب واحد أن يستوعب تاريخ السجون السورية، ولا أن يمنح العدالة لمن تعرضوا للتعذيب أو الاختفاء أو فقدان الأحبة.
لكنه يستطيع أن يساهم في مقاومة النسيان، وأن يذكّر بأن وراء كل شهادة إنسانًا له حياة واسم وذاكرة.
وربما تكون هذه هي القيمة الأعمق للجائزة التي حصل عليها آرثر سارادان: أنها تعيد الضوء، ولو للحظة، إلى أولئك الذين حاولت السجون أن تجعلهم مجرد ظلال.
إعداد: “صوت صورة”
—————————-
المصدر
المصدر الأساسي: مقابلة أجراها فرانسوا روسو (François Rousseaux) مع آرثر سارادان، ونشرتها مجلة Télérama في باريس، بتاريخ 27 أكتوبر 2026، بعنوان:
Arthur Sarradin, lauréat du prix Albert-Londres pour son livre sur la Syrie : « Il faut une écoute et une empathie totale ».
