من أنقاض الحرب على شاطئ غزة إلى الساحات الفرنسية، يعيد الفنان شريف سرحان إحياء منارة فنية دمرها الجيش الإسرائيلي عام 2023، في مشروع متنقل يحوّل الذاكرة الفلسطينية إلى ضوء يتجاوز الحدود، ويطرح سؤالًا عن قدرة الفن على البقاء حين يُدمَّر المكان الذي وُلد فيه.

باريس- “صوت صورة”:
في ساحة شارل ديغول بمدينة مونبلييه الفرنسية، ترتفع منارة ملونة لا تطل على ميناء، ولا ترشد السفن إلى طريقها. إنها منارة جاءت من غزة، أو بالأحرى من ذاكرة مدينة فقدت منارتها الأصلية تحت جنازير الحرب، لكنها استعادت حضورها في عمل فني جديد يواصل التنقل بين المدن الأوروبية، حاملًا قصة مكان لم تنجح الحرب في محو صورته من مخيلة أبنائه.
منذ الخامس عشر من أكتوبر الجاري، تستضيف مونبلييه العمل التركيبي الضخم «إعادة المنارة» (Re-Lighthouse) للفنان الفلسطيني شريف سرحان، في إطار موسم المتوسط 2026، على أن يستمر عرضه حتى الخامس والعشرين من الشهر نفسه. وبهذا العمل، الذي سبق أن عُرض في مرسيليا وبوردو، لا يقدم سرحان مجرد نسخة من منحوتة دُمّرت، بل يعيد صياغة تجربة فنية بدأت قبل أكثر من عقد على ساحل غزة، ويمنحها حياة جديدة خارج حدودها الأولى.
المنارة الأصلية لم تعد قائمة على دوار ميناء غزة، لكن ضوءها الرمزي يتنقل اليوم بين ساحات أوروبا
منارة وُلدت من الركام
تعود الحكاية إلى عامي 2015 و2016، حين أنجز شريف سرحان، بالتعاون مع مجموعة من الفنانين الشباب والمهندسين الفلسطينيين، عملًا فنيًا ضخمًا على الدوار القريب من ميناء غزة. حمل العمل اسم «المنارة» (Lighthouse)، وصُنع باستخدام مواد معاد تدويرها وبقايا خلّفتها الحروب التي شهدها القطاع.
لم يكن اختيار هذه المواد مجرد حل تقني أو اقتصادي. فقد منح الركام، الذي ارتبط في الوعي الجمعي بالخراب والخسارة، وظيفة جمالية جديدة، وحوّله من شاهد على الدمار إلى مادة لبناء صورة مختلفة عن المدينة.
كانت المنارة مضيئة، تشغل موقعًا في الفضاء العام، وتشارك السكان تفاصيل حياتهم اليومية. وعلى خلاف المنارات البحرية التقليدية، لم تكن وظيفتها الأساسية إرشاد السفن، وإنما تقديم علامة بصرية تعيد وصل المدينة ببحرها وبقدرتها على إنتاج الجمال رغم ظروفها القاسية.
هكذا نشأ العمل في منطقة ملتبسة بين الفن والعمارة والذاكرة الجماعية؛ فهو منحوتة يمكن مشاهدتها، وبناء يمكن الالتفاف حوله، وإشارة رمزية إلى قدرة المكان على إعادة تشكيل نفسه من المواد التي تركها العنف وراءه.
لكن هذه المنارة لم تنجُ من الحرب الجديدة. ففي عام 2023، دُمّرت بعدما صدمتها دبابة إسرائيلية، بحسب الجهة المنظمة للمشروع والبيانات الرسمية الفرنسية. واختفى بذلك عمل أصبح جزءًا من المشهد الحضري لميناء غزة.
حين يصبح تدمير العمل بداية لرحلة جديدة
لم يتعامل سرحان مع فقدان المنارة بوصفه نهاية مشروعه. فقد اختار إعادة بنائها، لكن في سياق مختلف تمامًا: خارج غزة، وفي فضاءات عامة أوروبية، حيث يصبح العمل الفني وسيطًا بين ذاكرة المكان الأصلي وجمهور قد لا يعرفه إلا من خلال نشرات الأخبار.
خلال إقامته الفنية في «مدينة فنون الشارع» بمرسيليا، تعاون الفنان مع مؤسسات وورش متخصصة، بينها «ليو بوبليك» و«لي شيل» و«أتيلييه سود سايد»، لتطوير النسخة الجديدة من المنارة.
احتفظ المشروع بعنوانه الأصلي وأضاف إليه بادئة «إعادة»، ليصبح «Re-Lighthouse»، في إشارة لا تقتصر على إعادة البناء المادي، بل تشمل إعادة النظر في معنى العمل نفسه بعد تدميره.
ظهرت المنارة الجديدة في مرسيليا خلال مايو 2026، أمام متحف حضارات أوروبا والمتوسط «موسيم»، ثم انتقلت إلى بوردو في أواخر سبتمبر، قبل وصولها إلى مونبلييه في أكتوبر.
ولعل أهم تحول أصاب المنارة أنها لم تعد مرتبطة بموقع جغرافي واحد. فالعمل الذي كان ثابتًا في دوار ميناء غزة صار قادرًا على السفر، وعلى إقامة علاقة جديدة مع كل ساحة تستضيفه.
غزة ليست مجرد مسرح للأحداث العسكرية، وإنما مدينة لها تاريخ بصري وحياة ثقافية وعلاقة عميقة بالبحر والفضاء العام
من ذاكرة المدينة إلى ذاكرة المنفى
في حوار نشره موقع «Coups d’Œil» الفرنسي في 16 أكتوبر 2026، تحدث سرحان عن أثر تدمير العمل الأصلي، موضحًا أنه عرف بمصيره من الصور والأخبار القادمة من غزة، وأن الألم لم يكن مرتبطًا بفقدان المنحوتة وحدها، بل بفقدان شيء كان جزءًا من المكان والحياة اليومية للسكان.
ويكشف حديثه عن فارق جوهري بين المنارتين: الأولى كانت تنتمي إلى غزة بموادها وموقعها وعلاقتها المباشرة بالمدينة، أما الثانية فتحمل تجربة الفقد والمنفى والانتقال بين الأمكنة.
بهذا المعنى، لم تعد المنارة الجديدة تتحدث عن غزة وحدها، وإنما اتسعت دلالاتها لتشمل الهجرة والحدود والذاكرة والعلاقة بين الإنسان والمكان.
وهذا التحول يمنح المشروع أهميته في سياق الفن المعاصر. فالعمل لا يستعيد شكلًا ضائعًا فحسب، بل يطرح سؤالًا عما يحدث للمعنى عندما يُقتلع الأثر من موطنه الأصلي.
هل تبقى المنارة هي نفسها عندما تنتقل من ميناء غزة إلى ساحة فرنسية؟ وهل تستطيع النسخة الجديدة تعويض الأصل المفقود، أم أنها تحمل غيابه بوصفه جزءًا لا ينفصل عن هويتها؟
لا يقدم المشروع إجابة نهائية عن هذه الأسئلة، لكنه يجعلها مرئية في الفضاء العام، حيث يلتقي العمل الفني بأشخاص لم يذهبوا بالضرورة إلى متحف لمشاهدة فن فلسطيني، وإنما صادفوا منارة مضيئة في طريقهم اليومي.
فن فلسطيني خارج صور الحرب
تكتسب تجربة شريف سرحان خصوصيتها أيضًا من طبيعة الصورة التي تقدمها عن غزة. فالمدينة التي تحضر غالبًا في الإعلام العالمي من خلال مشاهد القصف والدمار والنزوح، تظهر هنا بوصفها مكانًا امتلك حياة فنية ومشروعات جمالية ومساحات عامة قبل أن تتعرض للتدمير.
ومن خلال استعادة منارة أُنجزت قبل الحرب الأخيرة، يذكّر الفنان بأن غزة ليست مجرد مسرح للأحداث العسكرية، وإنما مدينة لها تاريخ بصري وحياة ثقافية وعلاقة عميقة بالبحر والفضاء العام.
وُلد سرحان في غزة عام 1976، وهو فنان تشكيلي ومصور فوتوغرافي، ومن مؤسسي جماعة «شبابيك» للفن المعاصر. تتنوع ممارساته بين التصوير والمنحوتات والأعمال التركيبية، وتتمحور جوانب مهمة منها حول الهوية الفلسطينية والذاكرة الجماعية.
وفي مشروع المنارة، تتقاطع هذه الاهتمامات مع تجربة شخصية ومكانية مباشرة. فهو لا يستعيد أثرًا تاريخيًا بعيدًا، وإنما يعيد بناء عمل شارك بنفسه في إنجازه، وعاش جزءًا من حضوره في المدينة، ثم تابع اختفاءه عبر الصور القادمة من الحرب.
الضوء بوصفه فعلًا ثقافيًا
يحمل اختيار المنارة، من بين أشكال معمارية وفنية عديدة، دلالة تتجاوز جماليات الشكل. فالمنارة ترتبط في المخيلة الإنسانية بالاهتداء والوصول والنجاة، وبالعلاقة بين اليابسة والبحر، وبين الرحيل والعودة.
وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه الرموز طبقات إضافية من المعنى، خصوصًا عندما يكون العمل قد نشأ في مدينة ساحلية تعيش منذ سنوات طويلة تحت الحصار.
غير أن سرحان لا يحوّل هذه الرمزية إلى خطاب مباشر. فالمنارة تحتفظ بطابعها البصري، وبقدرتها على إثارة الفضول، حتى لدى من لا يعرفون تاريخها.
وفي انتقالها بين المدن، تصبح الإضاءة فعلًا ثقافيًا متكررًا. ففي كل مرة تُنصب فيها المنارة وتضاء، تُستعاد بصورة رمزية لحظة بنائها الأولى في غزة، لكن أمام جمهور جديد وفي سياق مختلف.
ولعل المفارقة الأكثر تأثيرًا أن العمل الذي صُنع في الأصل من بقايا الحرب قد تعرض هو نفسه للتدمير، قبل أن يولد مرة ثانية حاملًا ذاكرة الدمارين معًا: دمار المواد التي صنعت نسخته الأولى، ودمار المنارة التي جمعت تلك المواد في شكل فني.
وهكذا تتحول إعادة البناء إلى جزء من لغة العمل، لا إلى مجرد إجراء لإنتاج نسخة بديلة.
ليست المنارة الجديدة بديلًا كاملًا عما فُقد، ولا تستطيع إعادة المدينة إلى ما كانت عليه، لكنها تتيح لذاكرتها أن تظل مرئية
من مونبلييه إلى مدن أخرى
تأتي محطة مونبلييه ضمن برنامج «موسم المتوسط 2026»، الذي يحتفي بالتعبيرات الثقافية والفنية المرتبطة بضفتي البحر المتوسط. وتستضيف مؤسسة «لاتيلين» العمل في ساحة عامة أمام مركز «الكوروم»، بعيدًا عن قاعات العرض التقليدية.
وقد رافق افتتاح المنارة في 15 أكتوبر برنامج فني ولقاءات مع الجمهور، بينها لقاء مع سرحان في الصندوق الجهوي للفن المعاصر في مونبلييه يوم 16 أكتوبر، إلى جانب لقاءات مفتوحة قرب العمل خلال أيام عرضه.
ولا تنتهي رحلة المنارة عند هذه المحطة. فالمشروع مصمم لمواصلة التنقل في فرنسا وأوروبا، بينما تتضمن رؤيته المعلنة إمكانية عودة العمل يومًا ما إلى ميناء غزة.
وتمنح فكرة العودة المحتملة المشروع بعدًا آخر. فالمنارة التي خرجت من غزة بعد تدمير أصلها لا تتعامل مع المنفى باعتباره وجهتها النهائية، وإنما تحتفظ بإمكانية استعادة صلتها المادية بالمكان الذي ولدت فيه.
قد تتغير المدن التي تستضيف العمل، وقد تختلف ردود أفعال الجمهور، لكن الحكاية التي يحملها تظل واحدة: عمل فني نشأ من الركام، ثم تحول هو نفسه إلى ركام، قبل أن يُعاد بناؤه كي يواصل أداء وظيفته الرمزية.
وفي هذا المسار، تكتسب المنارة معنى يتجاوز الصمود الفردي لفنان أو منحوتة. إنها محاولة لحماية صورة من صور المدينة من الاختفاء، وإبقاء أثرها حاضرًا في الذاكرة البصرية العامة.
فالمنارة الأصلية لم تعد قائمة على دوار ميناء غزة، لكن ضوءها الرمزي يتنقل اليوم بين ساحات أوروبا. وما بدأ عملًا محليًا من مواد مستخرجة من الدمار، أصبح مشروعًا فنيًا عابرًا للحدود، يذكّر بأن تدمير الأثر لا يعني بالضرورة انتهاء الحكاية التي يحملها.
وربما هنا تكمن الفكرة الأكثر عمقًا في تجربة شريف سرحان: ليست المنارة الجديدة بديلًا كاملًا عما فُقد، ولا تستطيع إعادة المدينة إلى ما كانت عليه، لكنها تتيح لذاكرتها أن تظل مرئية.
فحين تختفي المنارة من مكانها، يستطيع الفن أن يمنح ضوءها طريقًا آخر.
إعداد: “صوت صورة”
