في اقتباس جديد لرواية جون شتاينبك، تعود أسئلة الخير والشر وخطايا الآباء وحرية الاختيار، وسط دراما عائلية تتأرجح بين الطموح الفلسفي والمبالغة الميلودرامية.

باريس- “صوت صورة”:
هل يولد الإنسان شريرًا، أم تصنعه ظروف حياته؟ وهل يمكن للأبناء التحرر من أخطاء آبائهم، أم أنهم محكومون بتكرارها؟ هذه الأسئلة القديمة، التي لم تفقد شيئًا من راهنيتها، تعود في مسلسل «شرق عدن» (East of Eden)، الذي عرضته نتفليكس مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026، في سبع حلقات مقتبسة من رواية الأمريكي جون شتاينبك الصادرة عام 1952.
المسلسل، الذي كتبته زوي كازان وتتصدّر بطولته فلورنس بيو، ليس مجرد حكاية عائلية عن الغيرة والحب والخيانة، بل محاولة درامية لمساءلة الطبيعة الإنسانية، ومعنى الشر، وحدود الحرية الفردية في مواجهة الميراث العائلي والاجتماعي.
تدور الأحداث بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حول عائلة تراسك، بدءًا من الأخوين آدم وتشارلز، اللذين يتنافسان على محبة أب متسلط، وصولًا إلى الجيل التالي، حيث تتكرر المنافسة بين ابني آدم، كال وآرون. وبين الجيلين تظهر كاثي إيمز، المرأة الغامضة والعنيفة التي تقلب حياة العائلة، وتصبح الشخصية الأكثر إثارة للأسئلة الأخلاقية.
شرق عدن: الإنسان خارج الفردوس
ليس العنوان مجرد إشارة جغرافية. إنه مستمد من سفر التكوين، حين يقتل قابيل أخاه هابيل، ثم يرحل ليقيم في أرض نود، شرقي عدن.
يستعير شتاينبك هذه الحكاية التوراتية ليعيد كتابتها داخل المجتمع الأمريكي. فالأخوان في كل جيل يعيدان إنتاج صراع قابيل وهابيل: الابن المقبول في مواجهة الابن الذي يشعر بالرفض، والحب الأبوي الذي يتحول إلى مصدر للغيرة والعداء.
«شرق عدن» ليس مجرد حكاية عن قابيل وهابيل، بل عن الإنسان الذي يغادر الفردوس، ويحمل خطاياه معه، لكنه لا يفقد القدرة على اختيار مصيره
لكن «شرق عدن» يعني أيضًا الحياة خارج الفردوس، حيث فقد الإنسان براءته الأولى، وأصبح مضطرًا إلى مواجهة الشر في نفسه وفي العالم. وليس الشر هنا مجرد جريمة قتل، بل قد يكون ظلم الأب، أو حرمان الابن من الاعتراف، أو العجز عن الحب.
ومن هنا تأتي أهمية الكلمة العبرية «تِمشِل» (Timshel)، التي تشكل المفتاح الفلسفي للرواية. يفسرها شتاينبك بمعنى «يمكنك» أو «لك أن تختار»، مستخلصًا منها أن الإنسان لا يولد محكومًا بالخير أو الشر، وإنما يمتلك القدرة على مقاومة ميوله وميراثه.
وهذا تفسير أدبي وفلسفي للكلمة، وليس ترجمتها العبرية الحرفية الوحيدة. لكنه يمنح الحكاية معناها الإنساني الأعمق: لسنا ملزمين بتكرار خطايا آبائنا، حتى لو حملنا آثارها في نفوسنا.
كاثي: هل يمكن فهم الشر دون تبريره؟
أبرز ما يميز النسخة الجديدة هو إعادة تقديم كاثي إيمز، التي كانت في الرواية الأصلية أقرب إلى تجسيد الشر المتعمد، بينما تسعى زوي كازان إلى منحها تاريخًا نفسيًا واجتماعيًا أكثر تعقيدًا.
تؤدي فلورنس بيو الشخصية بقدر كبير من القسوة والهشاشة معًا. إنها امرأة ترتكب أفعالًا مروعة، لكنها أيضًا نتاج عالم ذكوري قاسٍ، عرف العنف والاستغلال والإذلال.
هنا يطرح المسلسل سؤالًا حساسًا: هل تفسير السلوك الشرير يعني تبريره؟
تحاول المعالجة الجديدة التمييز بين الأمرين، لكنها لا تنجح دائمًا. فالإفراط في تفسير قسوة كاثي من خلال الصدمات التي تعرضت لها يهدد بتحويل شخصية مخيفة وغامضة إلى حالة نفسية يمكن شرحها بسهولة.
وهذا أحد أبرز الانتقادات التي واجهت العمل. فقد أشارت «الغارديان» إلى أن شخصية كاثي، رغم أداء بيو اللافت، لا تزال تعاني نقصًا في التفسير المقنع لتعقيداتها، فيما أثارت المعالجة الحديثة للشر نقاشًا حول ميل الدراما المعاصرة إلى إيجاد مبررات نفسية حتى لأشد الشخصيات قسوة.
من شتاينبك إلى نتفليكس
تكتسب هذه المعالجة أهمية خاصة لأن زوي كازان حفيدة المخرج إيليا كازان، الذي قدم الرواية سينمائيًا عام 1955 في فيلم شهير من بطولة جيمس دين.
لكن الفيلم القديم ركز أساسًا على الجيل الثاني من عائلة تراسك، بينما تحاول النسخة الجديدة استيعاب المسار العائلي الممتد عبر أجيال، وإعادة الاعتبار لشخصيات لم تحظ بالمساحة الكافية سابقًا، ولا سيما النساء وشخصية «لي»، الأمريكي من أصل صيني، الذي يؤديه هون لي.
ومن خلال لي، يكتسب المسلسل بعدًا يتجاوز المأساة العائلية، إلى أسئلة الانتماء والتمييز العنصري، والبحث عن الكرامة داخل مجتمع يضع بعض أفراده على هامشه.
كما يمكن قراءة العمل بوصفه تأملًا في التاريخ الأمريكي نفسه: العنف الذي يختبئ خلف صورة العائلة المحترمة، والتفاوت في السلطة بين الرجال والنساء، والتناقض بين القيم الأخلاقية المعلنة والممارسات اليومية.
والمفارقة أن موضوع الميراث يتجاوز الشاشة إلى صانعة العمل نفسها، التي تعود إلى رواية ارتبطت بتاريخ جدها السينمائي، ولكن لتقدم قراءة مختلفة عنها.
أين يتعثر المسلسل؟
رغم طموحه الفكري وجمال تصويره وقوة تمثيله، يعاني «شرق عدن» من مشكلات واضحة.
أولها اختلال التوازن بين الشخصيات. فالحضور الطاغي لفلورنس بيو يجعل كاثي مركز الجاذبية الدرامية، على حساب شخصيات أخرى لا تقل أهمية في بناء فلسفة شتاينبك.
وثانيها أن الرواية، بما تتضمنه من تأملات أخلاقية وتاريخية، أكبر من أن تستوعبها سبع حلقات بسهولة. وقد جاء اختصار خطوط عائلة هاملتون، والتعجيل بتطور الجيل الثاني، على حساب اتساع العالم الروائي وعمقه.
لاحظت مجلة «نيويوركر» أن الصراع بين الأخوين يفقد بعض قوته عندما يتكرر في الجيل الثاني، وأن الحلقات المتأخرة تتعجل بلوغ الأبناء مرحلة النضج. بينما رأى موقع RogerEbert أن التركيز على كاثي أضعف تطور شخصيات أخرى، ولم يترك مساحة كافية للأفكار الفلسفية الكبرى.
أما المشكلة الثالثة فهي الميل إلى الميلودراما، وإلى التصريح بالرموز الدينية والأفكار الأخلاقية بدل تركها تتكشف عبر الأحداث. وقد يجعل الإيقاع البطيء والنبرة القاتمة العمل ثقيلًا على بعض المشاهدين.
تكمن مفارقة «شرق عدن» في أن محاولة تفسير الشر نفسياً وإنسانياً تمنح الشخصيات عمقاً جديداً، لكنها تهدد أيضاً بتبديد الغموض الذي منح رواية شتاينبك قوتها
ومع ذلك، حظي المسلسل باستقبال نقدي إيجابي عمومًا، بفضل أدائه التمثيلي وصوره البصرية وجرأته في إعادة قراءة نص كلاسيكي، وإن اختلف النقاد حول مدى نجاحه في نقل العمق الفكري للرواية.
لماذا يستحق المشاهدة؟
تكمن أهمية «شرق عدن» في أنه يعيد طرح سؤال يتجاوز المجتمع الأمريكي: إلى أي حد يتحكم الآباء والعائلة والتقاليد في مصائر الأبناء؟ ومتى يصبح الإنسان مسؤولًا عن خياراته، بدل أن يظل أسيرًا لما تعرض له أو ورثه؟
إنه عمل عن العنف الذي ينتقل بين الأجيال، وعن الحاجة إلى الاعتراف والحب، وعن الصراع بين القدر والحرية. لكنه أيضًا تذكير بأن فهم أسباب الشر لا يعفي صاحبه من المسؤولية عنه.
وربما لا ينجح المسلسل في الاحتفاظ بكل اتساع رواية شتاينبك وعمقها، لكنه ينجح في إعادة فتح أسئلتها الكبرى أمام جمهور جديد.
وفي النهاية، لا يقول «شرق عدن» إن الإنسان خير بطبيعته، ولا إنه شرير بالفطرة. بل يقدم فكرة أكثر تواضعًا وأكثر ثورية: قد لا نختار العالم الذي نولد فيه، ولا الآباء الذين ننحدر منهم، لكننا نملك، ولو بصعوبة، أن نختار ما سنفعله بما ورثناه.
وهنا تكمن قوة «تِمشِل»: ليست وعدًا بالخلاص، بل إعلانًا عن إمكانية الاختيار.
إعداد: “صوت صورة”
