“ارتكِبْ إبادة واربَح جائزة”.. هذا أسوأ عنوان يمكن أن يرتكب بحق فيلم “نازا” الذي يجهد في فضح الإبادة الإسرائيلية في غزة، باعترافات مرتكبيها.
تقرأ ما تذكره مراجعات وتغطيات تصف الفيلم فيدقّ قلبك من هول الوقائع التي يفضحها، على الرغم من متابعتنا تفاصيل الحرب منذ لحظة اندلاعها.
مخرجا الفيلم يقولان، في مقال مشترك، إن “أحد الضباط الذين قابلناهم يصف كيف كان يدرك بشكل كامل مئات الحالات التي كانت فيها عائلات تمارس حياتها الطبيعية، رجل يتحدث مع زوجته، وصوت برنامج تلفزيوني، وصلاة، وطفل يبكي، ثم كان هو يمنح الإذن بقصفهم. وعندما سُئل (الضابط) عن السبب، أوضح قائلاً: أنت تفهم أن الهدف هو التدمير”.
من دون مواربة يقول صانعا الفيلم إن عملهما “عن منظومة. فهو يركز على الأوامر والسياسات وأنماط العمل، وليس على الانحرافات عنها. والاستنتاج الذي نخلص إليه من هذه الشهادات واضح: إن القتل الجماعي للمدنيين الفلسطينيين في غزة لم يكن «نتيجة مأساوية عرضية» لحرب ضد “حماس”، بل كان فعلاً متعمداً ومخططاً له ومحسوباً. ولهذا وصفت لجنة تابعة للأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان الرائدة في العالم، وباحثون فلسطينيون وإسرائيليون ودوليون، ما حدث بأنه إبادة جماعية”.
في مقالهما يصف مخرجا الفيلم ( يوفال أبراهام وراحيل تسور) الضباط الذين أدلوا بشهاداتهم بأن “بعضهم كان واضحاً في إقراره بأنه شارك في جرائم خطيرة، وكان يأمل أن يساعد حديثه العلني في اختراق جدران الإنكار والتبرير، وإجبار الجمهور الإسرائيلي على مواجهة ما أُرسل الجيش للقيام به نيابةً عنهم. أما آخرون فلم يوافقوا على التحدث إلا بعد أشهر من التفكير والتردد، سواء بدافع الشعور بالذنب أو الخجل أو حتى الفخر بما اعتبروه إنجازات مهنية”.
كشف الجريمة بألسنة المشاركين فيها لا يعني تبرئتهم
وصحيح بالطبع أن فحوى الفيلم يجب أن تؤخذ من مشاهده وشهاداته لا من مقال المخرج، لكن ما دام البعض يبحث عن اصطفاف وموقف صريح لمخرجي الفيلم فهما يقولان صراحة قناعتهما وموقفهما في مقال ساطع.
حتى “جمهور المصفّقين”!
“نازا”، عنوان الفيلم”، اختصار عبري لعبارة “ضحايا جانبية”، العبارة التي تطلق على أبرياء يقتلون على هامش عملية اغتيال أو تدمير أي هدف عسكري، وإذا كان الأمر يعني في علوم العسكر بضعة أبرياء تسمح بهم الأنظمة المتوحشة، فإن الأمر وصل في غزة إلى مئات الأبرياء. وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي في تحديد المستهدفين، والقصف عن بعد، والتكنولوجية الهائلة لاختراق هواتف الفلسطينيين وبياناتهم ومراقبتهم في بيوتهم. وهنا يُنقَل عن أحد المشاركين في التنصُّت شعوره بأنه الله.
صنّاع الفيلم منتبهون جيداً إلى ما يفعلون: “لا يُسهب فيلمنا في عرض دوافعهم (الضباط)، وكان ذلك خياراً متعمداً. فاهتمامه الأساسي ينصب على عملية القتل نفسها وما يجعلها ممكنة. ولو أمضينا وقتاً طويلاً في تناول المشاعر الأخلاقية والسياسية للمصادر، لخاطرنا بتحويل مركز الاهتمام بعيداً عن الضحايا، وهو أمر لم نكن نريده… كما أن شهادات الجنود تورِّط منظومةً أكبر بكثير،..”.
لكن المزاودين العرب يأبون إلا أن يروا في الفيلم تحويلاً لـ “بؤرة الاهتمام من الضحايا إلى الجناة”!
وأكثر من ذلك، فالاتهام يصل إلى “جمهور المصفّقين”، فبحسبهم “ثمة ما يدعو لافتراض صلة بين التصفيق وطقوس تبرئة الضمير”. علماً أن أولئك الذين صفّقوا لـ 25 دقيقة كاملة للفيلم بعد عرضه في المهرجان، ما هم إلا عشاق سينما، وما وقفتهم سوى تعبير عن موجة هائلة اجتاحت الغرب إثر حرب غزة من المعترضين على سياسة إسرائيل وتوحشها وتأييد لحقوق الفلسطينيين، وقد دفع بعض رموز هذه الموجة أثماناً غالية، يصر البعض على إشاحة النظر عنها.
بل إنهم يشيحون النظر عن أثمان سابقة دفعها مخرجا الفيلم عند إنجاز (بالاشتراك مع فلسطينيين) فيلم “لا أرض أخرى” الذي سجل ليس فقط اعتداءات المستوطنين على سكان قرى فلسطينية في الضفة الغربية، بل قوانين الفصل العنصري التي تمثلت في التمييز بين مخرجي الفيلم، الفلسطيني باسل عدرا، والإسرائيلي يوفال أبراهام. وقد قال الأخير لدى عرض فيلمه في مهرجان برلين السينمائي “لا أستطيع إخفاء حالة الخزي التي أشعر بها بسبب الحرية التي أنعم بها ولا يشعر بها صديقي باسل (عدرا)..”.
ومثلما واجه يوفال أبراهام ورفاقه التهديدات والاعتداءات المباشرة في الفيلم السابق (فاز بأوسكار أفضل فيلم وثائقي طويل عام 2025)، يواجهون اليوم أيضاً تهديدات مماثلة. وفي الإمكان أن تقرأ لمعترضين من فلسطينيي الداخل يستنكرون، إذ يقول مبدع بارز إن كمية الشتائم واللعنات (من إسرائيليين) التي طالت صنّاع الفيلم الجديد لم تُقَل بحق السنوار نفسه. وإن الشارع الإسرائيلي ليس فقط ضد الفيلم، بل يطالب بطرد صنّاعه وسجنهم وإبعادهم وشنقهم، وصولاً إلى وصفهم بما يعتبره أقوى شتيمة بحقهم: “إنهم مصابون باللاسامية الذاتية!”.
هل نواجه منظومة القتل، أم ننشغل بمحاكمة من يكشفها!
وبحسب خبر في موقع إسرائيلي، فإن وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي ميكي زوهار يقول: “إن فوز هذا الفيلم الحقير في مهرجان البندقية أمر صادم. إن الكراهية الذاتية الشديدة لدى صُنّاع الفيلم، المستعدين للإضرار بوطنهم من أجل الحصول على تصفيق من معادي السامية في العالم، أمر لا يُستوعب، ويشكّل خيانة للدولة. وبصفتي وزيرَ الثقافة، سأعمل فوراً على سحب الجنسية الإسرائيلية من صُنّاع الفيلم هؤلاء، الذين وصفهم بالدنيئين، على خلفية ما اعتبره خيانة للدولة”.
تفسيرات سهلة
أن يقال إن الإسرائيليين، على اختلافهم، وجهان لعملة واحدة، وإن أي رأي مختلف، ومثاله الفيلم الأخير، ما هو سوى “عملية إعادة تأهيل إسرائيل”، أو نوع من تقديم صورة لـ “إسرائيل أخرى، أي إسرائيل القادرة على إدانة الذات والتمرّد، إسرائيل الشجاعة ذات الضمير الحي، وإسرائيل العسكريين الذين شاركوا في الفيلم بالبوح، إسرائيل النادمة والمعذبة بذنبها، إسرائيل التائبة، والممكن الصفح عنها بالتالي”، أن يقال ذلك ليس ركوناً إلى تفسيرات سهلة وجاهزة وشعبوية فحسب، بل فيه تقصّد لإشاحة النظر عن مواقف عظيمة يدفع أصحابها أثماناً باهظة، وكان بإمكانهم الصمت، على الأقل، والنجاة بأنفسهم من استهداف المزاودين على الجبهتين العربية قبل الإسرائيلية.
وإذا عدنا إلى مقال المخرجين، ففيه ما يدحض فكرة “إسرائيل أخرى” بالقول: “إن قدراً كبيراً من عمليات القتل هذه نفذها جنود جاؤوا من قلب المعسكر الليبرالي الإسرائيلي.. ضباط في الاستخبارات وسلاح الجو يخدمون في أكثر الوحدات العسكرية المرموقة”.
لكن المزاودة لن تقف عند احتقار موقفٍ إسرائيلي معترض، فقد تصل إلى مواقف بريطانيين مؤيدين لفلسطين (خصوصاً أن الفيلم إنتاج بريطاني، ويتحرك في المهرجانات كفيلم بريطاني). بإمكانك أن تقول مثلاً إن كل نضالات هؤلاء ما هي إلا نوع من التكفير عن مواقف حكوماتهم المتعاقبة، منذ وعد بلفور!
