حين لم يكن الخبز تفصيلاً: كيف سُرقت ثورة منبج

ترشيح «أيام الحب والغضب» لأناند غوبال لجائزة بريطانية كبرى يعيد المدينة السورية إلى الواجهة كتجربةً سياسية صنعها سكان عاديون ثم تنازعت عليها الثورة والفوضى و«داعش».

غلاف الكتاب

باريس- “صوت صورة”:

دخلت مدينة منبج، شمال شرقي حلب، قائمةً أدبية عالمية من باب غير مألوف. فقد اختير كتاب الصحافي أناند غوبال Days of Love and Rage: A Story of Ordinary People Forging a Revolution، أو «أيام الحب والغضب: حكاية أناس عاديين يصنعون ثورة»، ضمن القائمة القصيرة لجائزة «بيلي غيفورد» البريطانية للكتب غير الروائية لعام 2026.
أُعلنت القائمة في الأول من أكتوبر، وضمت ستة كتب اختيرت من أكثر من 350 عنواناً، على أن يُعلن الفائز في 4 نوفمبر. وتصف المادة الخبرية الكتاب بأنه قراءة للحرب السورية من خلال تجارب سكان منبج، لا من خلال القادة العسكريين أو خرائط التدخلات الدولية.
الأهم أن الكتاب (نحو 592 صفحة)، الذي صدر بالإنكليزية في مارس الماضي، يحاول أن يجعل مدينة سورية واحدة مفتاحاً لفهم الثورة، وصعوبة بناء الديمقراطية، وصعود الاستبداد من قلب المطالب بالعدالة.

ست حيوات بدل خريطة الحرب

بحسب ناشره، يبني غوبال كتابه حول ست شخصيات سورية عاشت تحولات منبج منذ عام 2011: أصدقاء فرّقتهم الاستقطابات السياسية، وأم تتحدى الهيمنة الذكورية، وعامل يخاطر من أجل المساواة، إلى جانب شخصيات انتقلت بين النشاط الثوري والانقسام والبحث عن سلطة قادرة على فرض النظام.
يركز الكتاب على الأشهر الثمانية عشر التي أعقبت خروج مؤسسات النظام من المدينة، حين ظهرت مجالس وهيئات وصحف ومنظمات لم يكن تأسيسها ممكناً قبل الثورة. بهذا المعنى، لا يقدم غوبال منبج باعتبارها منطقة تحررت في لحظة واحدة، بل كمكان بدأ سكانه بعد سقوط السلطة القديمة مواجهة السؤال الأصعب: كيف تُدار مدينة فعلاً؟
الناشر يقدم العمل بوصفه حصيلة سرد صحافي غامر عن ستة سوريين، ويربط بين مصائرهم وبين أسئلة الديمقراطية والمساواة وصعود السلطوية. لكن هذا الوصف، وكذلك عبارات المديح الملحقة بالكتاب، يظل جزءاً من تقديم الناشر والتلقي النقدي له، لا بديلاً من قراءته وفحص منهجه ومصادره.

الديمقراطية بين الحرية ورغيف الخبز

يكشف مقتطف موسع نشرته مجلة “ذا نيويوركر” في فبراير الماضي عن الفكرة المركزية التي يبدو أن الكتاب يبني عليها روايته: لم تنهزم تجربة منبج بفعل القوة العسكرية وحدها، بل أضعفتها أيضاً الهوة بين خطاب النخب الثورية واحتياجات السكان اليومية.
بعد تراجع سلطة النظام، ظهرت صحف ومنظمات ومجالس مستقلة، لكن المدينة واجهت في الوقت نفسه ارتفاع الأسعار وانتشار الجريمة وضعف القضاء. ويعرض غوبال كيف هيمنت شخصيات من التجار والطبقات الميسورة على الإدارة الجديدة، فيما شعر فقراء المدينة بأن مطالبهم المتعلقة بالخبز والأمن والعدالة تأتي في مرتبة أدنى من الشعارات الكبرى.
في تلك الفجوة دخل تنظيم «داعش». لم يبدأ حضوره، وفق رواية غوبال، بالسيطرة العسكرية الشاملة، بل بتقديم نفسه قوةً قادرة على فعل ما عجزت عنه المؤسسات الجديدة: فرض الأمن، ومعاقبة المجرمين، وضبط الأسعار، وتوزيع بعض المساعدات.
هذه الخلاصة هي أطروحة الكاتب المدعومة بمقابلاته وبحثه، وليست قانوناً يفسر وحده صعود التنظيم. فهي لا تلغي أثر القمع الذي مارسه النظام، ولا السلاح والتدخلات الخارجية، ولا تنوع مواقف سكان منبج. لكنها تنقل السؤال من مساحة مريحة أخلاقياً – «كيف ظهر المتطرفون؟» – إلى مساحة أشد إزعاجاً: لماذا يمكن لسلطة استبدادية جديدة أن تجد جمهوراً حين تفشل القوى الديمقراطية في توفير العدالة الملموسة؟

جريمة فتحت باب المدينة

يتوقف المقتطف المنشور عند مقتل سائق شاب يدعى موسى جاسم عام 2013. أثارت الجريمة غضب السكان، فيما بدت مؤسسات المدينة عاجزة عن إجراء محاكمة سريعة وموثوقة. استغل «داعش» القضية، وقدّم نفسه جهةً تملك الحسم الذي افتقده القضاء المحلي.
لم يكن ما أعقب ذلك عدالة. فقد نفذ التنظيم إعداماً علنياً، وألحق بالمتهمين ادعاءات إضافية يقول غوبال إنها كانت مختلقة، ثم استثمر المشهد لتوسيع نفوذه السياسي والاجتماعي. وبعد ذلك أطلق أنشطة دعوية وخيرية وتعليمية، وربط حضوره بخطاب عن الإنصاف ومقاومة فساد الأثرياء.
يمنح هذا التفصيل القارئ صورة أكثر تركيباً من الرواية التي تبدأ بوصول مسلحين غرباء وتنتهي باحتلال المدينة. فالتنظيم، كما يظهر في سرد غوبال، بحث أولاً عن الشقوق الموجودة داخل المجتمع الثائر: تعثّر القضاء، وغلاء الخبز، وشعور الفقراء بالتهميش، والتوق إلى سلطة سريعة في مدينة أنهكتها الفوضى.
استولى «داعش» على منبج في يناير 2014، وحَكَمَها بعنف شديد قرابة عامين. لكن القيمة الأساسية لهذه العودة إلى ما قبل الاستيلاء تكمن في إظهار أن سقوط التجربة الديمقراطية لم يكن لحظةً واحدة، بل مساراً من القرارات والإخفاقات والخوف والمساومات.

المدينة ليست مثالاً نظرياً

تكمن جاذبية الكتاب، وفي الوقت نفسه خطورته، في تحويل منبج إلى قصة قادرة على مخاطبة قارئ بعيد عن سوريا. عندما تصبح مدينة كاملة نموذجاً عن «موت الديمقراطية بسبب اللامساواة»، قد تُضاء آليات مهمة، لكن أجزاءً أخرى من حياتها يمكن أن تختفي.
من هم الأشخاص الستة الذين يحملون السرد؟ كيف اختيروا؟ ومن لم يصل صوته إلى الكتاب؟ ما حضور النساء والكرد والعمال والنازحين وأهالي الضحايا في الرواية؟ وهل تتطابق ذاكرة من غادروا المدينة مع ذاكرة من بقوا فيها تحت السلطات المتعاقبة؟
هذه ليست اعتراضات شكلية. ففي الكتب التي تعتمد على السرد الوثائقي، يصنع اختيار الشخصيات معنى التاريخ نفسه. ست حيوات تستطيع تقريب المأساة إلى القارئ، لكنها لا تستطيع تمثيل عشرات الآلاف من السكان أو اختزال خلافاتهم في حكاية واحدة.
لذلك لا ينبغي أن يُستقبل ترشيح الكتاب عربياً باعتباره شهادةً أجنبية تمنح منبج أهمية لم تكن تمتلكها. الأجدى أن يكون مناسبة لإعادة المدينة إلى أصحابها: قراءة ما كتبه غوبال إلى جانب الصحافة المحلية والمذكرات والشهادات السورية، والاستماع إلى أشخاص ظهروا في مادته وإلى آخرين غابوا عنها.

ما بعد الاعتراف العالمي

يأتي وصول “أيام الحب والغضب” إلى القائمة القصيرة في لحظة صار فيها تاريخ الثورة السورية موضوعاً للكتب والجوائز والأرشيفات الدولية. وهذا الاعتراف قادر على حفظ شهادات مهددة بالنسيان، لكنه يكشف أيضاً تفاوتاً مألوفاً: كثيراً ما تصل الحكاية السورية إلى العالم بعد أن يعيد كاتب بلغة أجنبية بناءها لجمهور دور النشر الكبرى.
السؤال، إذن، ليس إن كان يحق لغوبال أن يكتب عن منبج. الصحافة العابرة للحدود ضرورية، ولا سيما حين تقوم على بحث طويل وتترك للشخصيات مساحة تتجاوز صورة الضحية. السؤال هو: هل ستتاح المادة للسوريين بالعربية؟ وهل يستطيع سكان المدينة مناقشة الرواية التي باتت تمثلهم أمام قراء العالم؟ وهل ستُنقل اعتراضاتهم، إن وجدت، بالاهتمام نفسه الذي تحظى به إشادات الجوائز؟
قد لا تكون القيمة الأعمق للكتاب في تقديم إجابة نهائية عن سبب تعثر ثورة منبج، بل في إعادة فتح ملف بدا طويلاً كأنه أُغلق تحت طبقات الحرب و«داعش» والتدخلات العسكرية. لقد حاول سكان المدينة، في لحظة نادرة، أن ينتقلوا من الخضوع للسياسة إلى ممارستها. اختلفوا وفشلوا ودفعوا أثماناً هائلة، لكنهم لم يكونوا مجرد جمهور ينتظر ما تقرره القوى الكبرى.
وحين تصبح منبج كتاباً عالمياً، يبقى الواجب الأول ألا تتحول مرة أخرى إلى خلفية. المدينة هي موضوع الحكاية، لكن سكانها يجب أن يظلوا أصحاب الحق في مراجعتها وتصحيحها وروايتها من جديد.
———————-

إعداد: “صوت صورة”

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا