جمال ما تبقّى.. لماذا لا يريد المتحف إصلاح كل تمثال مكسور؟

باريس- “صوت صورة”:

أنف وفم. هذا تقريباً كل ما بقي من وجه أخناتون. قطعة صغيرة من حجر الكوارتزيت، نُحتت في مصر قبل أكثر من ثلاثة آلاف وثلاثمئة عام، ثم انفصلت في زمن لا نعرفه عن بقية الوجه. اختفت العينان والجبهة والذقن، وبقيت شفتان طويلتان وأنف ملك عرفه التاريخ بواحدة من أكثر الثورات الدينية والفنية إثارة في مصر القديمة.
من السهل أن ننظر إلى القطعة ونفكر فوراً في الشيء المفقود: أين بقية الرأس؟ لكن ماذا لو طرحنا السؤال المعاكس: ماذا جعلنا الكسر نرى؟ هذا هو السؤال الذي يقوم عليه معرض Broken: The Power of the Fragment («مكسور: قوة الجزء») في قصر ستروتسي بمدينة فلورنسا الإيطالية.
يجمع المعرض أكثر من ثمانين عملاً تمتد من مصر واليونان القديمتين إلى اليابان وعصر النهضة والفن الحديث والمعاصر، لكنه لا يحتفل بالأعمال الفنية في صورتها المثالية. على العكس، ينظر إلى ما انكسر منها، وما فُقد، وما بقي.
فالقطعة الناقصة، كما يقترح المعرض، ليست دائماً نسخة أقل قيمة من الأصل الكامل. أحياناً يكون النقص نفسه جزءاً من القصة.

وجه أخناتون الذي لم يعد وجهاً

الجزء المتبقي من وجه أخناتون، المحفوظ في متحف المتروبوليتان في نيويورك، يعود إلى عصر العمارنة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. ولم يبق منه سوى منطقة الأنف والفم.

التمثال المكسور لا يخبرنا فقط عن المجتمع الذي صنعه، بل قد يخبرنا أيضاً عن المجتمع الذي قرر تدميره

ومع ذلك، أو ربما بسبب ذلك، تصبح العين شديدة الانتباه إلى ما بقي. نرى الخط الطويل للفم، وطريقة نحت الشفتين، والانحناءات الدقيقة في الحجر. أشياء ربما لم تكن لتجذب الانتباه نفسه لو وقفنا أمام رأس كامل. وهنا تحدث مفارقة غريبة: الكسر الذي أخذ من العمل جزءاً من صورته أعطى الجزء الباقي قوة جديدة.
لم يعد أمامنا «وجه فرعون» بالمعنى المعتاد. أمامنا فم وأنف فقط، ومع ذلك نستطيع التعرف إلى اللغة الفنية المميزة لعصر أخناتون.
لكن القضية لا تتعلق بالجمال وحده. فالعمل المكسور يحمل سؤالاً تاريخياً أيضاً: كيف انكسر؟

ليست كل الكسور متشابهة

قد يسقط تمثال في زلزال. وقد يتحطم مع انهيار مبنى. وقد يكسر إنسان تمثالاً عمداً لأنه يمثل إلهاً لم يعد يؤمن به، أو حاكماً يريد محو ذكراه، أو نظاماً سياسياً سقط. وهنا يصبح الكسر وثيقة. فالتمثال لا يخبرنا فقط عن المجتمع الذي صنعه، بل قد يخبرنا أيضاً عن المجتمع الذي قرر تدميره.
هذه الفكرة هي أحد المحاور الأساسية في معرض فلورنسا. فهو يتتبع تاريخ الأشياء المكسورة عبر أزمنة وثقافات مختلفة، من العالم القديم إلى تحطيم الصور الدينية خلال الصراعات الأوروبية، ومن الثورة الفرنسية إلى الفن الحديث. وبذلك تصبح أمامنا أنواع مختلفة تمامًا من «النقص». هناك شيء أكل الزمن أجزاءه، وشيء دمرته الطبيعة، وشيء حطمه البشر، وشيء آخر صنعه الفنان منذ البداية على هيئة جزء غير مكتمل. والخلط بينها يفقدنا جزءاً من التاريخ.

لماذا نريد أن نكمل الناقص؟

عندما نقف أمام تمثال بلا ذراع، أو رأس بلا أنف، يكون رد الفعل الطبيعي أن نحاول تخيل الجزء المفقود. والمتاحف فعلت ذلك فعلاً عبر تاريخها. كان ترميم الآثار في فترات سابقة يعني أحياناً إعادة بناء ما ينقصها حتى تبدو كاملة من جديد. أضيفت أذرع وأنوف وأصابع، ورُممت وجوه، وأكمل فنانون أجزاء لم يكونوا يعرفون بالضرورة كيف كانت تبدو في الأصل. كان الهدف مفهوماً: إعادة العمل إلى حالته المفترضة قبل التلف.
لكن فلسفة الترميم تغيرت. فالمُرمم الحديث لا يسأل فقط: «كيف أعيد الجزء المفقود؟»، بل يسأل قبل ذلك: هل ينبغي أن أعيده أصلاً؟
لأن كل إضافة تقوم على درجة من الافتراض. إذا كان لدينا نصف أنف، نستطيع ربما إعادة بناء النصف الآخر بدرجة معقولة من الثقة. ولكن ماذا لو كانت الذراع كلها مفقودة؟ أين كانت اليد؟ وماذا كانت تحمل؟ وما وضع الأصابع؟ في لحظة معينة يتوقف الترميم عن إصلاح الأثر، ويبدأ في اختراع شيء لم يعد لدينا دليل كافٍ عليه.

الكسر الذي يصبح تاريخاً

هناك سبب آخر لترك بعض الآثار على حالها. لنفترض أن تمثالاً تعرض للتحطيم قبل ألف سنة في صراع ديني. إذا أعدنا اليوم بناء وجهه وأزلنا كل أثر لذلك التحطيم، نكون قد استعدنا شيئاً من صورته الأولى، لكننا ربما محونا في الوقت نفسه حدثاً تاريخياً وقع له. فالجرح هنا ليس مجرد تلف. إنه دليل.
الأمر يشبه مبنى قديماً يحمل على جدرانه آثار حريق تاريخي. تنظيف الجدار حتى يعود جديداً قد يجعله أجمل، لكنه يستطيع أيضاً أن يمحو الدليل على الحريق.
لهذا لم يعد هدف الترميم المعاصر دائماً جعل الشيء «كما كان يوم صُنع». فالقطعة الأثرية لم تعش يوماً واحداً فقط. لقد عاشت قروناً، وربما آلاف السنين، وكل مرحلة تركت أثرها عليها. والسؤال يصبح: أي لحظة من حياة الشيء نريد أن نحفظ؟

الجزء الباقي ليس مجرد بديل فقير عن الكل المفقود؛ إنه الشيء الذي نجا، حاملاً ذاكرة ما حدث له عبر الزمن

سؤال قريب من العالم العربي

لهذا يحمل معرض فلورنسا سؤالاً يتجاوز قاعات المتاحف الإيطالية. فالعالم العربي يعيش وسط تراث وصل إلينا في حالات مختلفة جداً: تماثيل مصرية فقدت أجزاءها منذ العصور القديمة، ومدن أثرية تعرضت للزلازل، ومبانٍ تغير استخدامها مراراً، وآثار أصابتها الحروب والتخريب والنهب. وعندما ننظر إلى أثر متضرر، تكون الرغبة في «إعادته كما كان» قوية ومفهومة. لكن الأمر ليس بسيطاً دائماً. هل نعيد بناء مبنى تاريخي دمرته الحرب حتى يبدو كما كان قبلها؟ أم نترك جزءاً من الدمار ظاهراً ليشهد على ما حدث؟
هل الأنف المفقود من تمثال عيب ينبغي إخفاؤه، أم جزء من حياة التمثال؟ ومتى يصبح الترميم حماية للذاكرة، ومتى يتحول، بحسن نية، إلى إعادة كتابة لها؟
لا توجد إجابة واحدة تصلح لكل الآثار. فما يمكن ترميمه بأدلة واضحة يختلف عن الجزء الذي لا نملك عنه إلا التخمين، والتلف الطبيعي يختلف عن آثار حدث تاريخي ذي معنى.
لكن المعرض يدعونا إلى تغيير السؤال الأول الذي نطرحه. بدل أن نسأل فوراً: كيف كان هذا الشيء عندما كان كاملاً؟
يمكن أن نسأل أيضاً: ماذا حدث له حتى وصل إلينا بهذه الصورة؟

جمال غير كامل

ربما لهذا السبب تمتلك بعض أشهر الأعمال الأثرية في العالم قوة بصرية لا تنفصل عن نقصها.
نحن نعرف تماثيل بلا أذرع، ورؤوساً بلا أجساد، ونقوشاً لم يبق منها سوى بضعة أسطر. ومع مرور الزمن أصبح شكلها الناقص هو الشكل الذي دخل ذاكرتنا. وهنا يصل معرض «مكسور» إلى فكرته الأكثر إثارة. الجزء الباقي ليس مجرد بديل فقير عن الكل المفقود. إنه الشيء الذي نجا.
قطعة أخناتون الصغيرة لا تستطيع أن تعيد إلينا الرأس الذي كانت جزءاً منه، ولا نعرف كل ما حدث لها خلال أكثر من ثلاثة آلاف عام. لكنها تحمل زمنين في وقت واحد: زمن الفنان الذي نحت الوجه، وكل الزمن الذي مر على الحجر بعد ذلك. ولهذا، عندما نقف أمام تمثال مكسور في المرة المقبلة، ربما لا يكون السؤال الأفضل: «لماذا لم يصلحوه؟»
ربما علينا أولًا أن نسأل: ماذا سنفقد من قصته إذا جعلناه كاملاً من جديد؟
—————–
إعداد: “صوت صورة”

 

 

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا