تعود الصحيفة الفرنسية إلى مطلع الستينيات لتروي قصة الحب القصيرة والمستحيلة التي جمعت الشاعر الفلسطيني محمود درويش بالراقصة اليهودية الإسرائيلية تمار بن عامي، المرأة التي ستدخل الشعر العربي باسم «ريتا»، قبل أن تتحول قصتهما الخاصة إلى واحدة من أشهر صور الحب المستحيل في الذاكرة العربية.
باريس- “صوت صورة”: عادت صحيفة «لوموند» الفرنسية، في عددها الصادر في 14 أغسطس، إلى واحدة من أكثر الحكايات حميمية في حياة محمود درويش: قصة حبه في شبابه لتمار بن عامي، الراقصة اليهودية الإسرائيلية التي عرفها قراء الشعر العربي لاحقًا باسم «ريتا».
وتقدم «لوموند» الحكاية تحت عنوان: «محمود درويش وتمار بن عامي، الحب المستحيل للشاعر الفلسطيني والراقصة الإسرائيلية»، مستعيدة قصة بدأت في مطلع الستينيات في حيفا، حين كان درويش لا يزال شاعرًا شابًا في بداية طريقه، قبل أن يصبح واحدًا من أشهر شعراء العربية في العصر الحديث.
تقول الصحيفة إن درويش وقع في حب تمار بن عامي، وإن العلاقة التي جمعتهما كانت قوية بقدر ما كانت قصيرة. ومن ذلك الحب المحكوم بعالم أكبر من العاشقين، سيولد لاحقًا واحد من أشهر نصوص درويش: «ريتا والبندقية»، القصيدة التي ستتجاوز قصة صاحبيها وتصبح، خصوصًا بعد أن غناها مارسيل خليفة، جزءًا من الذاكرة الثقافية العربية.
محمود وتمار قبل أن تصبح تمار «ريتا»
تعيد «لوموند» القارئ إلى زمن كان فيه محمود درويش لا يزال في مطلع العشرينيات.
في قصة درويش وتمار، لم تدخل السياسة إلى القصيدة فقط؛ دخلت إلى الحب نفسه
ولد الشاعر عام 1941 في قرية البروة في الجليل، وعاش تجربة الاقتلاع مبكرًا بعد حرب 1948. وفي شبابه انخرط في النشاط السياسي والثقافي، وارتبط بالحزب الشيوعي الإسرائيلي، في مرحلة كانت تجمع في فضاءاته فلسطينيين ويهودًا إسرائيليين من اليسار.
وفي هذا العالم ظهرت تمار.
لم تكن يومها «ريتا» التي سيعرفها ملايين القراء، بل شابة إسرائيلية يهودية مرتبطة بالرقص. وتروي «لوموند» قصة انجذاب الشاعر الفلسطيني الشاب إلى الراقصة الإسرائيلية، في علاقة تحمل منذ بدايتها تناقضًا سيصبح لاحقًا جوهر الحكاية كلها: كان الاثنان يستطيعان أن يلتقيا بوصفهما شابًا وفتاة، لكن العالم المحيط بهما كان يصر على تعريفهما أيضًا بوصفهما فلسطينيًا ويهودية إسرائيلية.
وهنا تكمن قوة القصة التي تستعيدها الصحيفة الفرنسية بعد أكثر من ستة عقود.
فما سيحدث لاحقًا لم يكن مجرد انفصال بين عاشقين. كانت السياسة تقترب شيئًا فشيئًا من المساحة الحميمة بينهما.
عندما دخلت البندقية بين العاشقين
تربط «لوموند» بين تلك العلاقة وبين القصيدة التي ستخلدها.
فدرويش لم يحتفظ بالمرأة في شعره باسمها الحقيقي. أصبحت تمار «ريتا»، وتحولت العلاقة الواقعية إلى مادة شعرية أكثر اتساعًا من السيرة الشخصية.
في «ريتا والبندقية» لم تعد المشكلة مجرد مسافة تفصل بين عاشقين. هناك شيء ثالث دخل بينهما: السلاح.
وهذه الصورة هي التي صنعت واحدة من أكثر استعارات درويش قوة وبقاءً. فالبندقية ليست مجرد قطعة سلاح في القصيدة؛ إنها اللحظة التي يدخل فيها التاريخ إلى غرفة الحب.
وتشير «لوموند» إلى أن قصة الحب «المعاق» هذه ستمنح درويش قصيدة مؤثرة لا تزال تُغنى في أنحاء العالم العربي.
وبالفعل، عندما وضع مارسيل خليفة القصيدة في قالب موسيقي، خرجت ريتا نهائيًا من السيرة الشخصية لمحمود وتمار. لم يعد الجمهور يحتاج إلى معرفة من كانت المرأة الحقيقية. أصبحت ريتا شخصية مستقلة تعيش في المخيلة العربية.
امرأة حقيقية وراء الاسم
لكن خلف الرمز بقيت امرأة من لحم ودم. وهذه ربما أكثر النقاط إثارة في عودة «لوموند» إلى القصة اليوم: إعادة تمار بن عامي إلى الحكاية بعد أن ابتلعتها، طوال عقود، شخصية «ريتا». فالقصيدة أشهر من المرأة، والاسم الذي اخترعه الشاعر أشهر من اسمها الحقيقي.
وهو أمر يحدث كثيرًا في تاريخ الفن والأدب. يأخذ الكاتب إنسانًا من حياته، يغير اسمه، يختار منه لحظات وصفات، ثم يصنع شخصية تستطيع أن تعيش زمنًا أطول من صاحبها الحقيقي. لكن حالة ريتا أكثر تعقيدًا، لأن القارئ العربي لم ير فيها حبيبة فقط.
تحولت المرأة تدريجيًا إلى رمز. وأصبح من المغري قراءة قصة الحب كلها بوصفها اختصارًا للصراع الفلسطيني الإسرائيلي: فلسطيني يحب يهودية إسرائيلية، ثم تدخل البندقية بينهما. غير أن قوة الحكاية تكمن ربما في الاتجاه المعاكس: قبل أن يصبح الاثنان رمزين، كانا شخصين.
عندما يصبح الحب سياسة
ما تستعيده «لوموند» ليس مجرد تفصيل رومانسي في سيرة شاعر كبير. إنها تستعيد لحظة اصطدام الخاص بالعام. فالشاعر يستطيع في القصيدة أن يفتح مساحة لا تعترف الحدود التي يرسمها الواقع. لكن الإنسان الذي يعيش خارج القصيدة لا يمتلك الحرية نفسها دائمًا. ولهذا بقيت «ريتا والبندقية» حية.
لو كانت القصيدة مجرد تسجيل لعلاقة عاطفية في حياة محمود درويش، لربما بقيت تفصيلًا للسير الذاتية. لكنها نجحت لأنها استطاعت أن تقول شيئًا أكبر: ماذا يحدث عندما صبح التاريخ أقوى من رغبة شخصين في البقاء معًا؟
وهنا يتحول الحب إلى سؤال سياسي من دون أن يتوقف عن كونه حبًا. وتصبح البندقية حاجزًا حقيقيًا ورمزًا في الوقت نفسه. درويش الذي لا تختصره القضية
خسر العاشقان قصتهما، وربح الشعر ريتا
في العودة إلى قصة تمار، تظهر أيضًا صورة أخرى لمحمود درويش. فالجمهور العربي عرفه طويلًا بوصفه شاعر فلسطين، وهي صفة صنعت مكانته الاستثنائية لكنها كانت تضايقه أحيانًا حين تتحول إلى قفص يحبس تجربته الشعرية كلها داخل القضية السياسية.
كان درويش شاعر الوطن والمنفى والهوية بلا شك، لكنه كتب أيضًا عن الحب والجسد والموت والوحدة والزمن والخوف.
وقصة ريتا تكشف هذا التداخل بصورة ربما لا يستطيع أي تحليل نقدي أن يشرحه مثلما تشرحه حكاية عاشقين.
فالمرأة ليست «فلسطين»، وليست القصيدة بيانًا سياسيًا متنكرًا في هيئة غزل. كانت هناك امرأة حقيقية. وكان هناك حب حقيقي. ثم جاءت السياسة. ريتا التي بقيت مات محمود درويش في عام 2008، لكن المرأة التي سماها ريتا ظلت حاضرة في شعره وفي الأغاني وفي ذاكرة قرائه.
ومع مرور السنوات، خرجت تفاصيل أكثر عن تمار بن عامي، وظهرت الرسائل والصور والشهادات التي أعادت إلى الشخصية الشعرية بعضًا من حياتها الواقعية.
لكن المفارقة بقيت كما هي. نحن نعرف ريتا أكثر مما نعرف تمار. وهذا ربما أحد أسرار الأدب: يستطيع الكاتب أن يأخذ شخصًا عاش سنوات محدودة في حياته ويمنحه، عبر الكلمات، حياة أخرى لا يستطيع التحكم فيها بعد ذلك.
وفي حالة محمود درويش، أصبحت الحبيبة جزءًا من شعره، ثم أصبح الشعر أغنية، وأصبحت الأغنية ذاكرة جماعية.
وهكذا تحولت علاقة قصيرة بدأت بين شاعر فلسطيني شاب وراقصة يهودية إسرائيلية في مطلع الستينيات إلى قصة لا تزال تُروى بعد أكثر من ستين عامًا.
وهذا تحديدًا ما أعادت «لوموند» فتحه أمام قرائها: ليس سرًا عاطفيًا من أسرار محمود درويش بقدر ما هو حب اصطدم بالتاريخ، فخسر العاشقان وربح الشعر «ريتا».