«عزلة المعلّمين لا نهائية».. رواية تعيد هاينيل إلى الصف وتمنحه جائزة فيمينا

بعد ثلاثين عامًا على بداياته في التدريس بضواحي باريس، يعود الروائي الفرنسي إلى الفصول الدراسية التي عرف فيها الحماسة والخوف والخذلان، ليحوّل تجربة المعلّم الشاب إلى رواية عن الوحدة وقوة الأدب، تتوّج بإحدى أبرز الجوائز الأدبية الفرنسية.

باريس- “صوت صورة”:

كان في الثانية والعشرين حين دخل صفّه الدراسي الأول، يحمل شغفًا كبيرًا بالأدب وإيمانًا بأن الكلمات قادرة على تغيير حياة الآخرين. وبعد أكثر من ثلاثة عقود، عاد الروائي الفرنسي يانيك هاينيل (Yannick Haenel) إلى تلك التجربة، لا ليكتب مذكرات معلّم سابق، بل ليطرح سؤالًا ظل يرافقه طوال السنوات: كيف يمكن لمن يقضي حياته بين التلاميذ أن يشعر بكل هذه الوحدة؟
هذا السؤال يقف في قلب روايته «عزلة المعلّمين لا نهائية» (La solitude des professeurs est infinie)، الصادرة عن دار غاليمار، والتي فازت الأربعاء 4 نوفمبر بجائزة فيمينا الفرنسية لعام 2026، بعد منافسة مع أربعة أعمال روائية أخرى.
بهذا الفوز، يخلف هاينيل الكاتبة ناتاشا أبانا، الفائزة بالجائزة عام 2025، ويمنح موسم الجوائز الأدبية الفرنسية رواية تنشغل بعالم المدرسة، لكن من زاوية نادرًا ما تحتل مركز السرد: الحياة الداخلية للمعلّم نفسه.

شاب في الثانية والعشرين أمام صفّه الأول

يبدأ عالم الرواية مع جان دايشيل (Jean Deichel)، وهو معلّم شاب للغة الفرنسية يصل إلى مدرسة سانت إكزوبيري في مانت لا جولي، إحدى ضواحي باريس، خلال تسعينيات القرن الماضي.

المعلّم ليس شخصًا يعيش بعيدًا عن البشر؛ إنه يقف يوميًا أمام عشرات الوجوه، لكنه قد يعود في نهاية اليوم حاملًا عبئًا لا يجد من يشاركه إياه

يحمل جان شهادة أكاديمية رفيعة، وقد أمضى سنواته السابقة بين الكتب والموسيقى، مقتنعًا بأن التدريس ليس مجرد وظيفة، بل رسالة اختارها عن حب.
يُحضّر درسه الأول بعناية مبالغ فيها، ويدوّن الملاحظات، بل يتدرّب على الكلام أمام المرآة. لكنه ما إن يدخل المؤسسة التعليمية حتى يكتشف أن المعرفة بالأدب لا تكفي وحدها لمواجهة واقع الصفوف، والإدارة، والعلاقات بين الزملاء، والتلاميذ الذين لا يشبهون الصورة المثالية التي رسمها في خياله.
ومنذ البداية، تتجاور في حياته مشاعر متناقضة: حماسة لنقل المعرفة، وخوف من الفشل، وفرح مفاجئ حين يستجيب التلاميذ لقصيدة، وإحباط يتسلل إليه من المؤسسة التي يفترض أن تسانده.
ليست المدرسة هنا مجرد مكان للعمل، بل عالم كامل يتعلم فيه الشاب شيئًا لم تعلّمه إياه الكتب: أن حب الأدب لا يحمي صاحبه من هشاشة الحياة.

العزلة ليست غياب الناس

في حوار نشرته صحيفة «لا ديبيش دو ميدي» الفرنسية في 20 أكتوبر، شرح هاينيل أن العزلة المقصودة في عنوان روايته ترتبط بإحساس المعلّمين بأن المجتمع والمؤسسة التعليمية قد تخلّيا عنهم، وبالشعور الذي يصيب الإنسان حين يؤدي عملًا مهمًا لا يفهم الآخرون قيمته بما يكفي.
هذه الفكرة تمنح العنوان مفارقته الأساسية. فالمعلّم ليس شخصًا يعيش بعيدًا عن البشر؛ إنه يقف يوميًا أمام عشرات الوجوه، ويتحدث ويستمع ويشرح ويصحح، لكنه قد يعود في نهاية اليوم حاملًا عبئًا لا يجد من يشاركه إياه.
وتبدو عزلة جان دايشيل أكثر قسوة لأنه دخل المهنة مؤمنًا بها إيمانًا شبه مطلق. فكلما ارتفعت توقعاته، اتسعت المسافة بين ما يحلم بأن تكون عليه المدرسة وما يواجهه في الواقع.
يتنقل يوميًا لساعات بين الضواحي، ويعاني ضيق المال والإرهاق، ويصطدم ببرود بعض الزملاء وبإدارة لا تستجيب دائمًا لما يحتاجه. وحتى علاقاته العاطفية لا تمنحه الاستقرار الذي يبحث عنه.
لكن الرواية لا تقدّم المعلّم بوصفه ضحية مثالية. فجان شخصية مضطربة ومندفعة، كثيرة الأخطاء، تتورط في مواقف محرجة، وتجمع بين الجدية المفرطة والسلوك الهزلي. وهذا التناقض هو ما يمنح الحكاية بعدها الروائي، بعيدًا عن صورة الأستاذ البطولي الذي يعرف دائمًا ما ينبغي فعله.

عندما تتحول القصيدة إلى حدث

وسط التعب والإحباط، تترك الرواية مساحة للحظات نادرة يتبدّل فيها كل شيء داخل الصف.
من بين المشاهد التي توقفت عندها الناقدة تيفين سامويو في «لوموند»، درس يحفظ فيه التلاميذ قصيدة لجيرار دو نرفال، ومشهد آخر يتناقلون خلاله كتابًا للكاتبة الفرنسية شارلوت ديلبو، التي كتبت عن تجربة الاعتقال النازي.
في تلك اللحظات، لا تعود القصيدة نصًا ينبغي شرحه من أجل الامتحان، بل تجربة مشتركة تنتقل بين المعلّم والتلاميذ. ويصبح الصف، ولو لوقت قصير، مكانًا يلتقي فيه أشخاص مختلفون حول الكلمات.
هنا تظهر الفكرة التي تدافع عنها الرواية: قد لا يستطيع المعلّم تغيير النظام التعليمي، ولا إزالة العنف أو الفوارق الاجتماعية، لكنه يستطيع أحيانًا أن يفتح نافذة في حياة أحد تلاميذه.
وفي حواره مع «لا ديبيش دو ميدي»، ربط هاينيل الشعر بالقدرة على احتمال الواقع. فالأدب، بالنسبة إليه، ليس زينة ثقافية تضاف إلى المنهج، وإنما وسيلة تساعد الإنسان على مواجهة ما يبدو غير محتمل.
ولهذا لا يكتفي النص بوصف صعوبات التدريس، بل يحتفي أيضًا باللحظة التي يشعر فيها المعلّم بأن الكلمات وصلت أخيرًا إلى من يسمعها.

إناء مكسور وحياة تتداعى

على الرغم من موضوعها الجاد، لا تخلو الرواية من الكوميديا والمواقف العبثية.
ومن أبرز أحداثها واقعة تقع خلال حفلة مدرسية في نهاية العام، حين يندفع جان في الرقص ويسقط على طاولة الهدايا، فيحطّم إناءً ثمينًا كان الزملاء قد اشتروه لتكريم إحدى المدرّسات.
تبدو الحادثة صغيرة، لكنها تتحول إلى أزمة شخصية كبيرة. فالمعلّم الشاب، الذي يعاني أصلًا ضيق المال، يجد نفسه مضطرًا إلى تعويض ثمن الإناء، ما يبدد خططه لقضاء عطلة صيفية في إيطاليا.
يتحول الإناء المكسور إلى صورة لحياته المتعثرة، وإلى هاجس يتكرر في أفكاره. وما كان يفترض أن يكون لحظة احتفال بنهاية عام دراسي يصبح بداية مواجهة جديدة مع الفشل والخجل والوحدة.
وفي قراءة نشرتها صحيفة «لو تان» السويسرية في 2 نوفمبر، رأت الناقدة ليزبيث كوتشوموف أرمان أن هذا الإناء يمكن فهمه أيضًا بوصفه استعارة للكتابة نفسها: فالرواية تحاول أن تجمع بالكلمات ما تفرّق وتحطم في التجربة.
بهذا المعنى، لا يكتب هاينيل عن التعليم وحده، بل عن الطريقة التي يحوّل بها الإنسان أخطاءه وذكرياته المؤلمة إلى حكاية يستطيع احتمالها.

من اغتيال معلّمين إلى استعادة التسعينيات

تحمل الرواية خلفية معاصرة تتجاوز السنوات التي تدور فيها أحداثها.
فقد كشف هاينيل أن اغتيال المدرّس صامويل باتي عام 2020، ثم المدرّس دومينيك برنار عام 2023، دفعه إلى العودة بذاكرته إلى سنوات عمله في التعليم.
وأثار الربط بين الرواية ومقتل باتي نقاشًا في فرنسا، إذ انتقد بعضهم استدعاء تلك المأساة في سياق عمل روائي. لكن الكاتب أوضح في حواره مع «لا ديبيش دو ميدي» أن الجريمة كانت من دوافع الكتابة، لا موضوع الرواية نفسها، وأنه لم يتناولها إلا بإشارات محدودة.
تفتح هذه الخلفية بابًا لفهم الرواية بوصفها محاولة لاستعادة كرامة مهنة يشعر صاحبها بأن المجتمع يطالبها بالكثير، بينما لا يمنح العاملين فيها ما يكفي من الاعتراف والحماية.
ولا تبدو المشكلة، كما يصوغها النص، محصورة في التلاميذ أو في صعوبات الصف. إنها تمتد إلى نظرة المجتمع للمعلّم، وإلى المؤسسة التي قد تتركه وحيدًا أمام أزمات تفوق قدرته الفردية.

الكاتب الذي لم يغادر الصف تمامًا

ولد يانيك هاينيل عام 1967، وعمل في التعليم أكثر من خمسة عشر عامًا قبل أن يتفرغ لمساره الأدبي. وقد حصل على جوائز فرنسية مهمة، بينها جائزة ديسمبر عن «الدائرة» (Cercle) عام 2007، وجائزة أنتيرالييه عن «يان كارسكي» (Jan Karski) عام 2009، وجائزة ميديسيس عن «تمسّك بتاجك» (Tiens ferme ta couronne) عام 2017.

الأستاذ الذي يدخل الصف مقتنعًا بأنه جاء ليمنح الآخرين شيئًا، يكتشف تدريجيًا أن عليه هو أيضًا أن يتعلم كيف يعيش

وعلى الرغم من ابتعاده عن التدريس، لم تختفِ تجربة المدرسة من ذاكرته. ففي «عزلة المعلّمين لا نهائية»، يعود إلى تلك السنوات من خلال جان دايشيل، الشخصية التي ظهرت في أعمال سابقة له، وتشكّل صورة روائية متحولة من الكاتب نفسه.
لكن العودة لا تعني استعادة الماضي كما وقع حرفيًا. فهاينيل يمزج الذاكرة بالخيال، ويعيد ترتيب التجربة لتصبح رواية عن التعلّم بقدر ما هي رواية عن التعليم.
يتعلم جان من تلاميذه ومن أخطائه ومن عجزه عن السيطرة على العالم، مثلما يحاول أن يعلّم الآخرين القراءة واكتشاف الأدب.
ومن هذه المفارقة تنشأ قوة العمل: الأستاذ الذي يدخل الصف مقتنعًا بأنه جاء ليمنح الآخرين شيئًا، يكتشف تدريجيًا أن عليه هو أيضًا أن يتعلم كيف يعيش.

لماذا تستحق عزلة المعلّمين رواية؟

يمنح فوز هاينيل بجائزة فيمينا هذه الحكاية بعدًا يتجاوز حدود الأدب الفرنسي. فالسؤال الذي تطرحه الرواية مألوف في بلدان كثيرة، بينها البلدان العربية، حيث تتكرر النقاشات حول مكانة المعلّم، وضغوط العمل المدرسي، والمسافة بين قيمة التعليم في الخطاب العام وظروف ممارسته اليومية.
لكن ما يميز العمل، بحسب القراءات الفرنسية التي تناولته، أنه لا يقدّم برنامجًا لإصلاح المدرسة، ولا يكتفي بتسجيل شكاوى المعلّمين. إنه ينظر إلى التعليم بوصفه تجربة إنسانية يمكن أن تجمع الفرح والخوف والمهانة والأمل في يوم واحد.
ولعل المفارقة الأعمق أن رواية عنوانها «عزلة المعلّمين لا نهائية» تنتهي إلى الدفاع عن عكس العزلة: إمكان اللقاء الذي تصنعه الكلمات.
فالمعلّم قد يفشل في إصلاح المؤسسة التي يعمل داخلها، لكنه يستطيع أن يترك في ذاكرة أحد تلاميذه قصيدة أو فكرة أو لحظة إنصات لا تُنسى.
بعد ثلاثين عامًا، عاد هاينيل إلى الصف الذي دخله شابًا، وخرج منه هذه المرة حاملًا جائزة فيمينا. أما السؤال الذي تركه مفتوحًا، فهو ما إذا كان المجتمع قادرًا على تقدير أولئك الذين يقفون كل صباح أمام التلاميذ، ويحاولون أن يجعلوا العالم مفهومًا بالكلمات.
إعداد: “صوت صورة”

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا