باريس- “صوت صورة”:
في فيلم «واحد في المليون»، تتابع المخرجة السورية عتاب عزام والبريطاني جاك ماكينيس طفلة من حلب تتحول إلى شابة أمام الكاميرا. رحلة تبدأ عام 2015، لكنها لا تنتهي بالوصول إلى أوروبا؛ إذ تكشف السنوات التالية أن النجاة من الحرب ليست نهاية الحكاية.
في عام 2015، كانت إسراء، الطفلة السورية ذات الأحد عشر عامًا، تبيع السجائر في أحد شوارع مدينة إزمير التركية. هناك التقتها المخرجة السورية عتاب عزام وزميلها البريطاني جاك ماكينيس، بينما كانت عائلتها تستعد لخوض رحلة محفوفة بالمخاطر نحو أوروبا.
كان يمكن لهذه المصادفة أن تتحول إلى تقرير وثائقي آخر عن اللاجئين السوريين الذين عبروا البحر في ذلك العام. لكن المخرجين واصلا تصوير إسراء وعائلتها عشر سنوات، حتى أصبحت الطفلة شابة وأمًا، وعادت إلى حلب التي غادرتها.
من هذه المتابعة الطويلة وُلد فيلم «واحد في المليون» (One in a Million)، الذي عُرض للمرة الأولى عالميًا في مهرجان صندانس السينمائي عام 2026، وفاز بجائزتي الجمهور والإخراج في مسابقة الأفلام الوثائقية العالمية.
وإذا كان الفيلم يبدأ من تجربة يعرفها ملايين السوريين، فإن خصوصيته تكمن في رفضه اعتبار الوصول إلى بلد آمن نهاية سعيدة مكتملة.
من قارب الهجرة إلى الحياة الجديدة
كانت عائلة إسراء قد غادرت حلب هربًا من الحرب. وفي تركيا، عمل الأب طارق على تأمين رحلة الأسرة نحو ألمانيا، رغم إدراكه أن عبور البحر على متن قارب صغير يعني تعريض حياة أطفاله للخطر.
ترافق الكاميرا العائلة خلال العبور إلى اليونان، ثم التنقل عبر بلدان أوروبية قبل الوصول إلى ألمانيا.
تلك المشاهد مألوفة من نشرات الأخبار التي غطت موجة اللجوء عام 2015. لكن الفيلم يمنحها معنى مختلفًا حين يواصل التصوير بعد انتهاء الرحلة.
في البداية، تنظر إسراء إلى ألمانيا بفضول طفولي، وتتخيل منزلًا واسعًا وحياة مليئة بالفرص. ومع مرور السنوات، تتعلم لغة جديدة، وتكوّن صداقات، وتختبر تفاصيل المراهقة في مجتمع مختلف.
في المقابل، تبدأ أسئلة لم تكن مطروحة على القارب: من يقرر شكل حياة الابنة؟ وكيف تتغير سلطة الأب داخل الأسرة؟ وهل تعني الحرية الجديدة الشيء نفسه لجميع أفراد العائلة؟
حين يصبح البيت ساحة للتحولات
لا يقدّم الفيلم الأسرة السورية بوصفها كتلة واحدة تتفق على كل شيء. فلكل فرد تجربته الخاصة مع ألمانيا.
الأم نسرين تجد إمكانات جديدة لتغيير حياتها، بينما تواجه إسراء سنوات المراهقة بما تحمله من رغبة في الاستقلال. أما الأب طارق، الذي خاطر كثيرًا للوصول بعائلته إلى الأمان، فيجد صعوبة متزايدة في التكيف مع بعض التحولات داخل المنزل.
ومن خلال هذه الاختلافات، يبتعد الفيلم عن التصور المبسط للاجئ باعتباره شخصًا يبحث عن مأوى وعمل فقط.
فاللجوء هنا تجربة تعيد ترتيب العلاقات العائلية، وتغيّر الأدوار التي اعتادها أفراد الأسرة، وتضع الأجيال أمام تصورات متباينة عن المستقبل.
ولا تجري هذه التحولات بمعزل عن المجتمع الألماني؛ إذ تتزامن مع تصاعد الخطاب المعادي للهجرة، وصعود حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.
وهكذا يتداخل ما يحدث داخل المنزل مع التغيرات السياسية والاجتماعية خارجه.
عشر سنوات تمنح الفيلم لغته
القيمة السينمائية الأبرز في «واحد في المليون» ليست في غرابة الأحداث، بل في الزمن الذي استغرقه تصويرها.
تتغير ملامح إسراء وصوتها وطريقتها في الكلام أمام المشاهد. ولا يحتاج الفيلم إلى ممثلين يجسدون مراحل عمرية مختلفة؛ فالسنوات نفسها تقوم بهذه المهمة.
ويعتمد العمل أيضًا على مقابلات فردية مصورة أمام خلفية سوداء، يبوح فيها أفراد الأسرة بمشاعر قد يصعب عليهم التعبير عنها أمام بعضهم بعضًا.

تتيح هذه المقاطع سماع روايات متباينة عن الوقائع نفسها، وتكشف المسافة بين ما يقوله الإنسان لعائلته وما يستطيع الاعتراف به أمام الكاميرا.
وفي مراجعته المنشورة بمجلة «سكرين إنترناشونال»، يرى الناقد آلان هنتر أن الفيلم يصبح أكثر إثارة للاهتمام حين يتجاوز النهاية المتوقعة لقصة الهجرة، أي الوصول إلى الأمان، ليتابع ما يأتي بعدها.
العودة إلى حلب.. أي مكان يمكن تسميته وطنًا؟
يفتتح الفيلم بمشاهد من عودة إسراء إلى حلب عام 2025، بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، قبل أن يعود إلى بداية رحلتها سنة 2015.
في المدينة التي عرفتها طفلة، تواجه إسراء أماكن تغيرت بفعل الحرب، وذكريات لم تعد تشبه حياتها الراهنة.
وحين تُسأل إن كانت قد جاءت للزيارة أم للبقاء، يصبح السؤال أكبر من مجرد قرار بالسفر.
فألمانيا لم تعد مكانًا مؤقتًا في حياتها، وسوريا ليست فقط البلاد التي غادرتها. لقد نشأت بين عالمين، وتغيرت علاقتها بكليهما.
هنا تكمن قوة «واحد في المليون»: إنه لا يبحث عن إجابة جاهزة لمعنى الوطن، ولا يقدم العودة باعتبارها حلًا تلقائيًا لسنوات الاغتراب.
بعد عقد من التصوير، لم تعد إسراء الطفلة التي انتظرت قاربًا على الشاطئ التركي. لقد أصبحت امرأة لها تجربتها وخياراتها وأسئلتها.
ولعل أهم ما يقدمه فيلم عتاب عزام وجاك ماكينيس هو هذا التحول في زاوية النظر: بدل أن يسأل إلى أين وصل اللاجئون، يسأل ماذا حدث لحياتهم بعد الوصول.
إعداد: “صوت صورة”
