سُلاف تعيد صوت جدّها الصوفي إلى الحياة.. ألبوم سوداني وُلد من منفى لم يكن في الحسبان

خرجت الموسيقية السودانية سُلاف إلى باريس في رحلة فنية مؤقتة، لكن الحرب جعلت العودة إلى بلادها مستحيلة. وبين العود وتسجيلات عائلية قديمة، صنعت ألبومها الأول «أبّا»، الذي يحوّل أشعار جدّها الأكبر الصوفي إلى موسيقى معاصرة، ويطرح سؤالًا عن الأشياء التي يمكن للصوت أن ينقذها من الفقد.

الموسيقية السودانية سلاف

باريس- “صوت صورة”:

في بداية أغنية «بِتّي الحتالي» (Bitti Alhitali)، لا نسمع صوت المغنية السودانية سُلاف أولًا، بل تسجيلًا قديمًا لرجل ينشد. وبعد لحظات، يدخل صوتها، كأن حوارًا يبدأ بين زمنين تفصل بينهما سنوات طويلة.

ليس التسجيل مجرد مؤثر صوتي يستدعي الماضي، فهو جزء من تاريخ عائلي أصبح أساس ألبوم كامل. فالصوت يعود إلى عالم جدّها الأكبر، عبد العظيم سيد أحمد، الشاعر الصوفي الذي نشأت سُلاف على سماع أشعاره وأناشيده.

وفي ألبومها الأول «أبّا» (ABA)، الصادر في 9 أكتوبر 2026 عن شركة «ريل وورلد ريكوردز» البريطانية، تعيد الفنانة تقديم هذا الإرث بلغة موسيقية تجمع العود والإيقاعات السودانية ذات الجذور النوبية بالمؤثرات الإلكترونية والتوزيعات المعاصرة.

لكن الحكاية بدأت قبل الألبوم، وقبل أن يصبح المنفى جزءًا من حياة صاحبته.

رحلة قصيرة غيّرت الحرب نهايتها

غادرت سُلاف السودان إلى فرنسا عام 2022 للمشاركة في إقامة فنية. حملت معها عودها وبعض الملابس وتسجيلات عائلية، معتقدة أن الرحلة لن تطول.

ثم اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023، فتحولت الإقامة المؤقتة إلى ابتعاد قسري عن الوطن.

وفي حديث لإذاعة فرنسا الدولية «RFI»، أوضحت الفنانة أنها وجدت نفسها في بلد لا تعرفه جيدًا، محاطة بأشخاص جدد، فعادت إلى أكثر ما تعرفه: الأغاني التي رافقت طفولتها، وأشعار جدّها الأكبر.

هكذا تغيّر معنى المشروع. لم يعد مجرد تجربة موسيقية تستعيد نصوصًا قديمة، فقد أصبح وسيلة للتمسك بعلاقة مع المكان الذي تعذرت العودة إليه.

ويحمل عنوان «أبّا» اسم ذلك الجدّ الذي كان الشعر والغناء جزءًا من حضوره داخل الأسرة. وقد وجدت سُلاف في كلماته أسئلة تتعلق بالهوية والانتماء، وهي أسئلة ازدادت إلحاحًا بعد الحرب.

حين يلتقي العود بالإلكترونيات

لم تختَر سُلاف أن تقدم أغاني جدّها بوصفها تسجيلات تراثية ينبغي الحفاظ على شكلها القديم.

بالتعاون مع المنتج الفرنسي ماكسيم كوسينيتز، المعروف بعمله مع موسيقيين من بينهم فرقتا «إيمارهان» و«تيناريوين»، أعادت تشكيل هذه المادة في فضاء صوتي جديد.

يتجاور العود مع الباص والكمان والآلات الإلكترونية، وتظهر الإيقاعات السودانية داخل توزيعات تفسح المجال للصوت كي ينتقل بين الهدوء والقوة.

في أغنية «نادا» (Naada)، تتضح أهمية هذا المزج بين الآلات التقليدية والإنتاج الحديث. أما «بِتّي الحتالي»، فتمنح التسجيل العائلي القديم موقعًا مركزيًا، قبل أن تتسلم سُلاف الغناء.

وقد اختار موقع «أوكي أفريكا» الأغنية ضمن قائمته لأبرز الإصدارات الموسيقية في شمال أفريقيا لشهر أكتوبر 2026، مشيرًا إلى خصوصيتها بين أعمال تميل غالبًا إلى البوب والسول المعاصرين.

لا تكمن فرادة التجربة في إضافة مؤثرات إلكترونية إلى موسيقى تقليدية؛ فقد أصبح هذا المزج مألوفًا في مشاهد موسيقية كثيرة. الأهم هو أن سُلاف تستخدم التقنيات الجديدة لإعادة تقديم مادة تحمل معنى شخصيًا وروحيًا بالنسبة إليها.

فالقصيدة هنا ليست زينة تراثية، هي نقطة البداية.

دفتر بقي في الخرطوم

من أكثر التفاصيل تأثيرًا في قصة الألبوم دفترٌ كان يضم كتابات الجدّ الأكبر، وبقي في الخرطوم. ومع الحرب، أصبح مصيره غير معروف.

هذه الواقعة تمنح الموسيقى وظيفة إضافية: حفظ ما قد تضيع نسخه المادية.

فالأغنية، حين تنتقل من ذاكرة الأسرة إلى تسجيل متاح للجمهور، لا تعيد الوثيقة المفقودة، لكنها تمنح بعض محتواها فرصة أخرى للبقاء.

ولذلك يصعب فصل «أبّا» عن تجربة السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة بيوتهم، تاركين وراءهم صورًا وكتبًا وأشياء عائلية لا تُقدّر قيمتها بالمال.

ومع ذلك، لا يقدم الألبوم الحرب في صيغة مباشرة أو خطابية. إنه يتحدث عن أثرها من خلال الغياب والحنين، ومن خلال علاقة الفنانة بالأصوات التي صنعت طفولتها.

موسيقى تتجاوز حدود المنفى

يضم «أبّا» عشر مقطوعات، بينها «شوقي أنا» (Shogi Ana) و«مرحب يا الرسول» (Marhab Ya Alrasool) و«سمين» (Sameen) و«الله يا الله» (Allah Ya Allah).

وقد بدأ العمل يجد طريقه إلى الجمهور الأوروبي، مع مشاركة سُلاف في حفلات موسيقية بفرنسا، بينها أمسية في باريس يوم 15 أكتوبر ضمن مهرجان «مدن موسيقى العالم».

وتأتي هذه التجربة في وقت تتسع فيه محاولات الموسيقيين السودانيين تقديم أعمالهم خارج الحدود، رغم ما أحدثته الحرب من اضطراب في الحياة الفنية داخل البلاد.

لكن سُلاف لا تبدو منشغلة بمجرد تقديم «صوت سوداني» إلى المستمع الغربي. فهي تحاول أن تجعل الموسيقى المعاصرة امتدادًا طبيعيًا لتاريخها العائلي، لا قطيعة معه.

وفي مقابلتها مع «RFI»، تحدثت عن أهمية فكرة الجماعة في إرث جدّها الأكبر، وعن الحياة التي تتأسس على «نحن» بدلًا من «أنا».

وربما تختصر هذه الفكرة جوهر الألبوم كله: فصوت سُلاف ليس وحيدًا، حتى حين تغني بعيدًا عن السودان. خلفه أصوات سابقة، وذاكرة بيت، وقصائد صوفية، وبلاد لا تزال حاضرة في الموسيقى رغم المسافة.

في «أبّا»، لا تحاول سُلاف إعادة الماضي كما كان؛ إنها تمنحه شكلًا جديدًا يستطيع العيش في الحاضر.

 إعداد: “صوت صورة”

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا