قبل يومين من إعلان الفائز بأبرز الجوائز الروائية البريطانية، يكشف ستة كتّاب عن البدايات الخفية لرواياتهم. من أثر الحرب في غزة على تخيّل السلطة، إلى الخوف على الديمقراطية الأميركية وذكريات العنف في جامايكا، تبدو الرواية أكثر التصاقًا بالعالم مما قد توحي به عوالمها المتخيلة.
باريس- “صوت صورة”:
كيف تبدأ الرواية؟ من مشهد عابر في الشارع، أم حكاية قديمة لا تغادر الذاكرة، أم من حرب بعيدة جغرافيًا تفرض نفسها على خيال الكاتب؟ قبل الإعلان عن الفائز بجائزة بوكر لعام 2026، المقرر غدًا الإثنين 9 نوفمبر، قدّم ستة روائيين بلغوا القائمة القصيرة للجائزة إجابات مختلفة عن هذا السؤال، في شهادات نشرتها صحيفة «الغارديان» البريطانية يوم السبت 7 نوفمبر.
تكشف هذه الشهادات أن الرواية لا تولد دائمًا من فكرة واضحة أو خطة محكمة. فقد تبدأ من رحلة إلى جزيرة نائية، أو محادثة قصيرة في متجر، أو تجربة نفسية منسية، قبل أن تتحول إلى عالم سردي متكامل.
لكن أكثر ما يلفت القارئ العربي في هذه الاعترافات ما قالته الكاتبة البريطانية ريبيكا بيري عن أثر الحرب في غزة على روايتها الأولى «هل لنا أن نطعم الملك؟» (May We Feed the King)، المرشحة للجائزة. فرغم أن جزءًا من الرواية يدور في عالم ملكي يعود إلى العصور الوسطى، فإن مشاهد الحرب المعاصرة أسهمت، بحسب الكاتبة، في تشكيل تصورها للسلطة المطلقة وشخصيات البلاط المحيطة بها.
غزة في خلفية رواية عن ملك من العصور الوسطى
لم تبدأ ريبيكا بيري كتابة روايتها وفي ذهنها مشروع أدبي عن غزة، ولا تدور أحداث الكتاب في الأراضي الفلسطينية. كانت تجربتها الأولى مع السرد الروائي تتشكل من قصتين منفصلتين: إحداهما عن شاب يخدم ملكًا يحتضر، والأخرى عن امرأة وحيدة تستخدم نماذج الطعام لتكوين مشاهد داخل منزلها، في محاولة غريبة لاستحضار حضور شخصيات متخيلة.
الرواية لا تتشكل في عزلة تامة عن العالم، حتى حين تختار التاريخ البعيد أو الفانتازيا
ومع تقدم الكتابة، اكتشفت أن القصتين تتجهان نحو الالتقاء، وأنها تكتب رواية واحدة لا عملين مستقلين. كانت بيري، المعروفة قبل ذلك بكتابة الشعر، مهتمة بالعلاقة بين التاريخ وتمثيله، وبين الأشياء الحقيقية ونسخها المصطنعة. لكن العالم المعاصر اقتحم المشروع من باب لم تكن تتوقعه.
ففي شهادتها لـ«الغارديان»، أوضحت أنها كانت تفكر أصلًا في قضايا السلطة والإمبراطورية، غير أن الكتابة خلال الحرب في غزة، ومتابعة ما وصفته بالرعب الناجم عن السلطة المطلقة غير الخاضعة للمساءلة، أثّرا بوضوح في بناء شخصية الملك والعديد من الشخصيات المحيطة به.
تكمن أهمية هذا الاعتراف في أنه لا يحوّل الرواية إلى تعليق مباشر على حدث سياسي، بل يكشف كيف يمكن لحدث معاصر أن يعيد تشكيل نظرة الكاتب إلى حقبة تاريخية بعيدة.
فالملك الذي يعيش في عالم متخيل لا ينفصل تمامًا عن صور السلطة التي يراها الكاتب في الأخبار. والتاريخ، في هذه الحالة، لا يصبح وسيلة للهروب من الحاضر، بل مساحة للنظر إليه من زاوية أخرى.
وتقول بيري إنها كانت تفترض سابقًا أن الروايات قد تنشأ في ذهن الكاتب بمعزل عن الأحداث الجارية. لكن تجربتها علمتها أن العالمين المعاصر والوسيط يمكن أن يدخلا في حوار داخل العمل الأدبي نفسه.
رواية أولى تصل إلى القائمة القصيرة
يمثل وصول «هل لنا أن نطعم الملك؟» إلى القائمة القصيرة لبوكر إنجازًا لافتًا في مسيرة ريبيكا بيري، التي دخلت عالم الرواية بعد تجربتين شعريتين وكتابات غير روائية.
وكانت الرواية قد فازت في يوليو الماضي بجائزة «ووترستونز» للرواية الأولى لعام 2026، بعدما أشادت لجنة التحكيم بلغتها وبنائها الذي يمزج التاريخ بالخيال.
وتتابع الرواية، في أحد خطّيها السرديين، شخصية تعمل في تنسيق المشاهد التاريخية داخل المباني والمتاحف، ثم تصبح مأخوذة تدريجيًا بسيرة ملك من العصور الوسطى. أما الخط الآخر فيقترب من عالم الملك نفسه ومن علاقته بالسلطة ومصيره.

وهذا البناء المزدوج يمنح الكاتبة فرصة لمساءلة الطريقة التي نعيد بها إنتاج التاريخ: ماذا نعرف حقًا عن الماضي، وما الذي نضيفه إليه من مخاوفنا وأسئلتنا المعاصرة؟
من هنا يمكن فهم أثر غزة في الرواية على مستوى الأفكار لا الأحداث. فالحرب لم تتحول إلى مكان روائي، لكنها ساعدت الكاتبة على التفكير في معنى السلطة حين تصبح بلا حدود واضحة.
دوغلاس ستيوارت.. رحلة إلى الجزر تكشف حكاية أب
في شهادة مختلفة تمامًا، يعود الروائي الاسكتلندي دوغلاس ستيوارت، الفائز سابقًا بجائزة بوكر عن «شوغي باين» (Shuggie Bain)، إلى رحلة قام بها عام 2019 إلى الجزر الغربية في اسكتلندا.
كان يفكر في كتابة رواية عن ابن يعود إلى مجتمع ريفي لرعاية والده الصعب المراس. لكن الرحلة غيّرت وجهة المشروع.
ففي منزل امرأة محلية، دار حديث عن أشخاص لم يتزوجوا قط، وعن صعوبة العثور على شريك في المجتمعات الصغيرة. وحين أشار ستيوارت إلى أن الأمر ربما كان أشد قسوة على أشخاص لا يستطيعون الإفصاح عن ميولهم الجنسية، واجه رد فعل جعله يدرك أن الرواية الحقيقية لا تتعلق بالابن العائد، بل بالأب الذي أمضى حياته في المكان نفسه، عاجزًا عن العثور على الحب أو التعبير عن ذاته.
هكذا نشأت رواية «جون ابن جون» (John of John)، التي تستكشف العلاقة بين الانتماء إلى المكان والثمن الشخصي الذي قد يدفعه الإنسان كي يبقى مقبولًا داخل مجتمعه.
وإذا كانت بيري قد وجدت في الأحداث العالمية مفتاحًا لفهم السلطة، فإن ستيوارت وجد في حوار منزلي عابر مفتاحًا لحياة كاملة من الصمت.
إليزابيث ستراوت.. الديمقراطية الأميركية تدخل حياة الناس اليومية
أما الروائية الأميركية إليزابيث ستراوت، فتعود ببداية روايتها «الأشياء التي لا نقولها أبدًا» (The Things We Never Say) إلى محادثة قصيرة في متجر أدوية بولاية مين.
هناك، عبّرت موظفة عن رغبتها في انتهاء الانتخابات الأميركية، ثم اعترفت بأنها لا تستطيع الحديث بحرية عن مشاعرها السياسية أمام الآخرين.
أدركت ستراوت أن هذا الخوف الصامت لا يخص امرأة واحدة، بل يعكس توترًا أوسع داخل المجتمع الأميركي، حيث يواصل الناس أعمالهم اليومية فيما تتزايد الانقسامات السياسية من حولهم.
ومن تلك اللحظة، بدأت تتشكل رواية عن مدرس تاريخ في المرحلة الثانوية، تتداخل حياته الخاصة مع قلقه على مستقبل الديمقراطية في بلاده.
لم تكن الكاتبة تبحث عن رواية سياسية بالمعنى المباشر، بل عن الطريقة التي تصبح بها السياسة جزءًا من العلاقات العائلية، والمحادثات المؤجلة، وما يخشى الناس قوله حتى لأقرب المحيطين بهم.
وفي هذا السياق، تبدو الرواية محاولة لالتقاط أثر الأحداث الكبرى في تفاصيل الحياة العادية، لا مجرد إعادة سرد للأخبار.
مارلون جيمس.. حين ترفض الذاكرة أن تصمت
يأخذ الروائي الجامايكي مارلون جيمس، الفائز ببوكر عام 2015، القارئ إلى منطقة أكثر قتامة في شهادته عن رواية «المختفون» (The Disappearers).
تعود جذور العمل إلى قصة سمعها في شبابه عن اعتداء جماعي مزعوم على رجال مثليين في جامايكا خلال تسعينيات القرن الماضي. لم يجد الكاتب توثيقًا صحافيًا أو سجلًا رسميًا حاسمًا للواقعة كما رُويت له، لكن الحكاية ظلت تطارده سنوات طويلة.
وما شدّه إليها لم يكن فقط ما قيل إنه حدث، بل أيضًا الفراغات المحيطة به: من كانوا الضحايا؟ كيف عاشوا بعد ذلك؟ ولماذا تختفي بعض أشكال العنف من السجلات العامة بينما تبقى في ذاكرة المجتمعات؟
الأدب لا يكتفي بتسجيل ما يحدث في العالم؛ إنه يعيد ترتيب الأحداث والذكريات والأسئلة، ويمنحها حياة أخرى داخل الحكايات
من هذه الأسئلة انطلقت الرواية، بوصفها محاولة لتخيّل حياة أشخاص قد لا يمنحهم التاريخ الرسمي سوى إشارات عابرة، أو لا يذكرهم أصلًا.
ومن الضروري هنا التمييز بين الواقعة التي يروي جيمس أنه سمع عنها وبين حقيقة تاريخية مثبتة؛ فالكاتب نفسه يعترف بغياب التوثيق الذي يسمح بالجزم بتفاصيلها.
لكن هذا الغياب هو أحد أسباب انجذابه الروائي إليها. فالأدب يستطيع أن يتخيل آثار العنف في حياة البشر، من دون أن يدّعي أنه يحل محل التحقيق التاريخي أو الصحافي.
تجربة نفسية غريبة تتحول إلى رواية
لم تنطلق جميع الأعمال المرشحة من الحروب أو الأزمات السياسية. فالكاتب البريطاني لوك كينارد وجد بذرة روايته «الحقيبة السوداء» (Black Bag) في تجربة نفسية أجريت بجامعة أوريغون عام 1967.
خلال بحثه في مقالات علم النفس الاجتماعي، صادف إشارة إلى تجربة شارك فيها شخص يتقمص هيئة حقيبة سوداء داخل قاعة دراسية.
بدت الفكرة له عبثية ومثيرة في الوقت نفسه: ما الذي يدفع ممثلًا إلى قبول دور لا يظهر فيه وجهه ولا صوته؟ وكيف يمكن لشخص أن يتحول إلى شيء يتعامل معه الآخرون كما لو كان جزءًا من المكان؟
تحولت هذه الأسئلة إلى رواية تستكشف الهوية والتمثيل والشعور بالاختفاء داخل المجتمع المعاصر.
أما الكاتب إم. جون هاريسون، المرشح عن «نهاية كل شيء» (The End of Everything)، فقد انطلق من تقاليد روايات الكوارث والغزو الفضائي، لكنه أراد قلب قواعدها.
فبدل كارثة تقع ثم تنتهي بعودة العالم إلى طبيعته، تخيّل اضطرابًا مستمرًا يعجز البشر عن فهمه أو احتوائه. وتصبح الكارثة في عمله أقرب إلى صورة لعالم معاصر تتداخل فيه الأزمات البيئية والسياسية والتكنولوجية، من دون حلول نهائية سهلة.
ست روايات وسؤال واحد: من أين يأتي الأدب؟
تضم القائمة القصيرة لجائزة بوكر 2026 روايات بيري وستيوارت وستراوت وجيمس وكينارد وهاريسون، على أن يُعلن اسم الفائز في لندن يوم الإثنين 9 نوفمبر.
ورغم اختلاف عوالمهم وأساليبهم، تجمع شهادات هؤلاء الكتّاب فكرة أساسية: الرواية لا تتشكل في عزلة تامة عن العالم، حتى حين تختار التاريخ البعيد أو الفانتازيا أو التجريب الشكلي.
فقد تدفع حرب معاصرة كاتبة إلى إعادة التفكير في شخصية ملك عاش قبل قرون. وقد تكشف محادثة عابرة مأساة شخص أخفى هويته طوال حياته. وقد تتحول مخاوف الانتخابات إلى حكاية عن الصمت، أو تصبح قصة غير موثقة دافعًا لتخيّل مصائر من غابوا عن التاريخ.
ولا يعني ذلك أن كل رواية مطالبة بأن تكون شهادة سياسية، أو أن قيمة الأدب تُقاس بمدى اقترابه من الأحداث اليومية. بل إن ما تكشفه هذه التجارب هو تعدد الطرق التي يتسلل بها الواقع إلى الخيال.
بالنسبة إلى القارئ العربي، تحمل شهادة ريبيكا بيري دلالة خاصة. فغزة، التي تحضر يوميًا في الأخبار والشهادات والصور، تظهر هنا أيضًا في خلفية عمل أدبي بريطاني عن عالم ملكي من العصور الوسطى.
إنها ليست رواية عن غزة، لكنها مثال على أن أثر الحرب قد يتجاوز حدود المكان والموضوع المباشر، ليؤثر في الطريقة التي يتخيل بها الكاتب القوة والخوف والمسؤولية.
وقبل أن تختار لجنة بوكر الرواية الفائزة، تبدو الشهادات الست تذكيرًا بأن الأدب لا يكتفي بتسجيل ما يحدث في العالم؛ إنه يعيد ترتيب الأحداث والذكريات والأسئلة، ويمنحها حياة أخرى داخل الحكايات.
إعداد: “صوت صورة”
