جريمة غامضة عمرها 77 عاماً تمنح فيليب جينادا جائزة غونكور 2026

الروائي الفرنسي يفوز بأرفع الجوائز الأدبية الفرنسية عن «مجهولة رصيف جافيل»، رواية تعيد فتح ملف مقتل شابة في باريس عام 1949، وتبحث في حياة امرأة كاد النسيان يبتلع حكايتها.
من جريمة قتل لم تُحلّ منذ عام 1949، صنع الروائي الفرنسي فيليب جينادا رواية قادته، الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، إلى الفوز بجائزة غونكور، إحدى أبرز الجوائز الأدبية في فرنسا. فقد اختارت لجنة التحكيم روايته «مجهولة رصيف جافيل» (L’Inconnue du quai de Javel)، الصادرة عن دار فلاماريون، لتمنحه الجائزة في دورتها الرابعة والعشرين بعد المئة، خلفًا للكاتب لوران موفينييه، الفائز العام الماضي عن روايته «البيت الخالي».
أُعلن القرار من مطعم «دروان» الباريسي، حيث تجتمع لجنة غونكور سنويًا لإعلان الفائز. لكن الحكاية التي حملت جينادا إلى هذه اللحظة بدأت قبل ذلك بسبعة وسبعين عامًا، حين عُثر على جثة امرأة شابة قرب رصيف جافيل في باريس.

امرأة خرجت من الظل

كانت تُدعى لويز كانسو، وتنحدر من منطقة بريتاني الفرنسية. وصلت إلى باريس قبل الحرب العالمية الثانية، وعملت عارضة لرسامي حي مونبارناس، حتى عُرفت في أوساطه الفنية بجمالها اللافت. لكن حياتها انتهت بعنف خلال ليلة السادس إلى السابع من سبتمبر 1949، وكانت في التاسعة والعشرين من عمرها.

بعد ما يقرب من ثمانية عقود، عاد جينادا إلى القضية، باحثًا في الوثائق والشهادات والأرشيف عن تفاصيل حياة المرأة

فتحت الشرطة تحقيقًا في مقتلها، قبل أن تغلق الملف بعد أربعة أشهر من دون تحديد هوية القاتل. وهكذا بقيت الجريمة معلّقة، بينما تراجعت حكاية لويز إلى هوامش الذاكرة الباريسية.
بعد ما يقرب من ثمانية عقود، عاد جينادا إلى القضية، باحثًا في الوثائق والشهادات والأرشيف عن تفاصيل حياة المرأة التي اختُزلت في ملف جنائي لم يصل إلى نتيجة.
لا يكتفي الكاتب بتتبع ظروف الجريمة أو البحث عن مشتبه به، بل يعيد بناء العالم الذي عاشت فيه لويز: باريس ما قبل الحرب وما بعدها، وحي مونبارناس الذي جمع الرسامين والعارضات، والحيوات الهشة التي لا تحتفظ بها كتب التاريخ عادةً.

الروائي الذي يفتش في الملفات المنسية

لم تكن هذه أول مرة يتحول فيها جينادا إلى محقق أدبي. فقد بدأ مسيرته بكتابة روايات ذات طابع سيري ساخر، قبل أن يتجه، منذ نحو خمسة عشر عامًا، إلى أعمال طويلة تمزج البحث الوثائقي بالسرد الروائي.
في «الأنثى الصغيرة» (La Petite Femelle)، عاد إلى قضية بولين دوبويسون، وفي «المنجل» (La Serpe) تناول قصة هنري جيرار، الذي حوكم عام 1941 بتهمة ارتكاب جريمة قتل ثلاثية داخل عائلته، ثم أصبح كاتبًا باسم جورج أرنو.
وفي «في ربيع الوحوش» (Au printemps des monstres)، انشغل بجريمة قتل الطفل لوك تارون عام 1964، مواصلًا اهتمامه بالوقائع التي شغلت الرأي العام ثم استقرت في الأرشيف.

كانت الجريمة هنا الباب الذي قاد إلى الحكاية الإنسانية الأوسع

تقوم طريقته على نبش التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو هامشية في التحقيق الجنائي، لكنها تصبح أساسية في الرواية: العلاقات الشخصية، والظروف الاجتماعية، والمصادفات، والتناقضات التي تحيط بالشخصيات.
في روايته الجديدة، يصل جينادا إلى فرضية بشأن هوية قاتل لويز كانسو، لكن قيمة الكتاب لا تتوقف عند هذه النتيجة. فالأهم هو إعادة الاعتبار إلى حياة المرأة نفسها، بدل إبقائها مجرد ضحية مجهولة في سجل الجرائم.

غونكور لرواية تبحث عن إنسان

تنافست «مجهولة رصيف جافيل» في المرحلة النهائية مع ثلاث روايات: «عزلة الأساتذة لا نهائية» ليانيك هاينيل، و«أشياء كنت أظنها ضائعة» لكليمانتين ميلوا، و«على الجانب الآخر من البحيرة» لسيلفان برودوم.
ويأتي فوز جينادا بعد تتويج لوران موفينييه عام 2025 عن «البيت الخالي»، ليواصل غونكور منح الاهتمام لأعمال تستكشف الماضي من خلال مصائر شخصية وعائلية.
لكن ما يميز رواية جينادا أن نقطة انطلاقها ليست شخصية متخيلة بالكامل، بل امرأة حقيقية لم تتمكن الشرطة من إنصافها بكشف حقيقة مقتلها.
وبينما بقي السؤال الجنائي بلا جواب حاسم طوال عقود، تمنحها الرواية فرصة أخرى للظهور، لا بوصفها جثة عُثر عليها قرب نهر السين، بل امرأة كانت لها حياة وأحلام وعلاقات قبل أن تصبح عنوانًا في ملف قديم.
هكذا يصل فيليب جينادا إلى غونكور عبر الطريق الذي اختاره لنفسه منذ سنوات: البحث في حياة الآخرين، حيث لا تكون الجريمة سوى الباب الذي يقود إلى الحكاية الإنسانية الأوسع.

إعداد: “صوت صورة”

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا