في معرض «ما بعد الوهج»، الذي افتُتح في لندن نهاية أكتوبر، يلتقي أربعة فنانين من الإمارات ومصر وسوريا حول سؤال غير مألوف: كيف يمكن تحويل الحكايات الشعبية والمعتقدات الروحية وما يتعذر رؤيته إلى لوحات ومنحوتات وتجهيزات فنية معاصرة؟
باريس- “صوت صورة”
ماذا يبقى من الضوء بعد غياب الشمس؟ في معرض «ما بعد الوهج: من بقايا شمس راحلة» (Afterglow: From the Residue of a Departed Sun)، لا تبدو الإجابة مرتبطة بالضوء وحده، بل بالأشياء التي تواصل حضورها بعدما تختفي مصادرها: حكاية ترويها جدّة، أو معتقد عن الروح، أو صورة عالقة بين الحياة والموت.
يجمع المعرض، الذي تقدمه مؤسسة «تاباري آرت سبيس» في فضاء «فريز» بشارع كورك في لندن، أعمال الإماراتية ميثاء عبدالله، والمصري محمد منيسير، والسورية رندة مداح، والفنان والكاتب والقيّم الفني المصري البريطاني السوداني عمر خليف.
افتُتح المعرض للجمهور في 30 أكتوبر 2026، ويستمر حتى 21 نوفمبر، مقدمًا أعمالًا تتوزع بين الرسم والنحت والتجهيز الفني والشعر والأداء الصوتي.
ورغم اختلاف تجارب المشاركين، فإن ما يجمعهم ليس الانتماء الجغرافي، بل اهتمامهم بالمناطق التي لا تستطيع الصورة الواقعية وحدها التعبير عنها.
ميثاء عبدالله.. حيوانات خرجت من حكايات الجدّة
تعود الفنانة الإماراتية ميثاء عبدالله إلى الحكايات الشعبية التي سمعتها في طفولتها، لتستخرج منها مخلوقات تجمع صفات البشر والحيوانات.
في عالمها التصويري، يظهر الديك الذي يرى الملائكة، والحمار الذي يستشعر الشياطين، والخنزير بوصفه رمزًا للخطيئة؛ وهي صور مستمدة من المرويات التي تناقلتها الأجيال، لكنها لا تظهر في اللوحات باعتبارها شخصيات من حكايات قديمة.
تمنحها الفنانة وظائف نفسية أيضًا، فتغدو أشكالًا للخوف والرغبة والشعور بالذنب، وكأن الكائنات الغريبة التي رسمتها ليست سوى وجوه مختلفة للإنسان نفسه.
تستخدم عبدالله الزيت والأكريليك والباستيل، وتستعير من المسرح طريقته في بناء المشهد. وفي بعض مناظرها الطبيعية، يغيب البشر تمامًا، لتصبح الأجواء والسماء عند الغروب موضوع اللوحة.
هنا يتحول الوهج الأخير للشمس إلى حالة معلّقة بين حضور الضوء واختفائه.
محمد منيسير.. البرزخ مرسومًا على القماش
أما الفنان المصري محمد منيسير، فينطلق من مفهوم «البرزخ» في التصور الإسلامي، بوصفه حالة فاصلة بين الموت والبعث، وكذلك حدًا بين العالمين المادي والروحي.
لكن منيسير لا يحاول رسم هذا العالم في صورة مشهد تخييلي مباشر. بدلًا من ذلك، يستخدم أقمشة خامًا طويلة تستدعي هيئة الأكفان، ويملأها بعلامات وأشكال متكررة.
تستحضر أعماله تقنيات الخيامية المصرية، القائمة على زخرفة الأقمشة وتركيب قطعها، إلى جانب الهندسة الزخرفية في الفنون الإسلامية.
ومع تكرار العلامة أو الكلمة، يتحول القماش إلى سطح تتراكم عليه الإشارات، فيما تكتسب حوافه المهترئة وخيوطه المتفككة معنى إضافيًا.
فالفاصل بين عالمين لا يظهر هنا بوصفه بابًا أو جدارًا، بل في مادة العمل نفسها: نسيج يمكن أن يتماسك، وأن ينحل في الوقت ذاته.
بهذا الاختيار، تصبح الحرفة التقليدية وسيلة للتفكير في مسألة فلسفية وروحية، لا مجرد مرجع زخرفي.
رندة مداح.. حدائق تتجاوز الموت
تحمل أعمال الفنانة السورية رندة مداح، المولودة في مجدل شمس بالجولان المحتل، أثر المعتقدات والتقاليد المحلية المتعلقة بالروح وتجدد الحياة.
تستحضر الفنانة تصورات عن انتقال الروح بعد الموت، وتحوّلها إلى وجود آخر، لتبني عوالم تتداخل فيها الأجساد والنباتات والأشكال العضوية.
وتبدو الحديقة، في هذه الأعمال، أكثر من مساحة طبيعية؛ إنها مكان تتلاشى فيه الحدود بين الجسد وما ينمو حوله، وبين النهاية وإمكان البداية مجددًا.
لا تتعامل مداح مع هذه المعتقدات بوصفها مادة فولكلورية ينبغي توثيقها فحسب، بل تستثمرها في بناء لغة بصرية تجعل التحول جزءًا من تكوين العمل.
وتكتسب تجربتها خصوصيتها من ارتباطها بمكان يحمل تقاليده وحكاياته الخاصة، من دون أن تنحصر قراءتها في سياقه الجغرافي وحده.
عمر خليف.. المخادع الذي يعبر بين العوالم
يستعيد عمر خليف شخصية «المخادع» أو الكائن المتحول، الحاضرة في عدد من الأساطير الأفريقية، والتي تستطيع تجاوز الحدود وتغيير هيئتها.
في لوحاته، تتداخل إشارات إلى التراث القبطي المصري ومخيلات دينية وأسطورية متعددة، وتظهر أجساد وأشكال متموجة بألوان قوية.
ويمثل المعرض محطة لافتة في مسيرته؛ إذ يُقدَّم عمله التشكيلي في بريطانيا خارج إطار معرض يتولى هو تنظيمه.
ولا يقتصر حضوره على الرسم، إذ يشارك مع ميثاء عبدالله في مشروع شعري بعنوان «إعادة/حلم» (Re/Dream)، يتضمن كتابة قصائد وقراءتها داخل فضاء المعرض، على أن تُجمع النصوص لاحقًا في إصدار محدود.
وهكذا لا تبقى العلاقة بين المرئي وغير المرئي حبيسة اللوحة، بل تمتد إلى اللغة والصوت والأداء.
ما الذي يجمع هذه العوالم؟
لا يقدم «ما بعد الوهج» تصورًا موحدًا عن الموت أو الروح أو العالم الغيبي. فلكل فنان مصادره وأسئلته وأدواته.
لكن المعرض يكشف إمكانًا آخر للتعامل مع الموروث الثقافي العربي: ألا يكون مجرد موضوع للاستعادة أو الحنين، بل مادة مفتوحة للتجريب الفني.
فالحكاية الشعبية عند ميثاء عبدالله تتحول إلى كائن نفسي، والخيامية عند محمد منيسير تصبح لغة للتأمل في البرزخ، وتقاليد الجولان عند رندة مداح تفتح تصورًا بصريًا للتحول، فيما يستدعي عمر خليف الأسطورة ليعيد تركيب صور الجسد والعالم.
وبين هذه التجارب جميعًا، يبدو «الوهج» الذي يمنح المعرض اسمه أقل ارتباطًا بما انتهى، وأكثر اتصالًا بما يواصل التأثير في الحاضر.
فالأشياء التي لا نراها ليست بالضرورة غائبة عن حياتنا؛ وقد يكون الفن إحدى الطرق التي نمنحها بها شكلًا.
إعداد: “صوت صورة”
