لماذا اختارت روتردام شاحنات القمامة لتوزيع الشعر؟

منذ عام 1988، تجوب شاحنات جمع النفايات في مدينة روتردام الهولندية الشوارع حاملة أبياتًا شعرية بدل الاكتفاء بالشعارات الخدمية. بدأت الحكاية برغبة في إبقاء الشعر حيًا بعد انتهاء مهرجانه السنوي، ثم تحولت إلى تقليد ثقافي نال اعترافًا رسميًا في أكتوبر 2026. فكيف أصبحت شاحنة القمامة وسيطًا أدبيًا، ومن يختار الكلمات التي يقرأها المارة؟

امرأتان تقفان أمام شاحنة نظافة بيضاء وخضراء في روتردام، تحمل بيتًا شعريًا للشاعرة نيلتشه ماريا مين.
الشعر في شوارع روتردام: شاحنة نظافة تحمل بيتًا للشاعرة نيلتشه ماريا مين، ضمن مشروع «القصيدة رسالة».

باريس- “صوت صورة”:

قد يتوقف أحد سكان روتردام على الرصيف منتظرًا مرور شاحنة جمع النفايات، فيجد نفسه أمام عبارة شعرية لا أمام إعلان تجاري. وبينما ينشغل العمال بإفراغ الحاويات، يقرأ المارّ بيتًا عن الزمن أو المدينة أو الذكريات، ثم يواصل طريقه.

ربما لا يعرف اسم الشاعر. وربما لا يفهم العبارة من القراءة الأولى. لكنه يكون قد التقى قصيدة في مكان لم يكن يتوقع أن يجد فيه الأدب.

هذا المشهد اليومي، الذي يتكرر منذ نحو أربعة عقود في المدينة الهولندية، أصبح في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026 جزءًا من التراث الثقافي غير المادي المعترف به على المستوى الوطني في هولندا.

فالقصائد التي تحملها شاحنات القمامة ومركبات كنس الشوارع لم تعد مجرد مبادرة فنية طريفة، بل ممارسة ثقافية مستمرة، تشارك في صنعها مؤسسة شعرية وبلدية وعمال نظافة وشعراء من بلدان مختلفة.

والأكثر إثارة أن الفكرة لم تبدأ بسؤال عن النفايات، بل بسؤال عن مصير الشعر نفسه: ماذا يبقى من القصيدة في المدينة عندما ينتهي المهرجان ويعود الشعراء إلى بلدانهم؟

 من مهرجان الشعر إلى شوارع المدينة

تعود جذور الحكاية إلى مهرجان «شعر دولي» (Poetry International)، الذي انطلق في روتردام عام 1970.

منذ بداياته، لم يرد المهرجان أن يكون حدثًا مغلقًا داخل قاعات النخبة الثقافية. كان من طموح مؤسسيه إخراج الشعر إلى الحياة العامة، فشهدت المدينة قراءات في محطات لمترو وعربات الترام، وظهرت القصائد في واجهات المتاجر وعلى أوراق تغليف الكتب.

في روتردام، لا يحتاج الشعر إلى قارئ يبحث عنه؛ القصيدة نفسها تجوب الشوارع بحثًا عن قارئ

وكانت تلك الروح منسجمة مع هوية روتردام، المدينة الساحلية التي عرفت التحولات العمرانية والهجرة والعمل الصناعي، وأعادت بناء أجزاء واسعة من نسيجها الحضري بعد دمار الحرب العالمية الثانية.

لكن المهرجان ظل يواجه مفارقة بسيطة: يأتي الشعراء من العالم، يقرأون قصائدهم أمام الجمهور، ثم يغادرون. ومع انتهاء الفعاليات، تتراجع إمكانية مصادفة تلك القصائد في الشوارع.

في عام 1988، اقترح هانس آبلمان (Hans Abelman) حلًا غير مألوف، بدعم من مارتن موي (Martin Mooij)، مدير مهرجان Poetry International آنذاك، وهوب كروس (Huub Kros)، مدير مؤسسة النظافة البلدية «روتيب» (Roteb).

لم يكن الحل بناء نصب تذكاري للشعر، أو الاكتفاء بنشر مختارات في كتاب. كان الحل شاحنات القمامة.

لماذا شاحنات القمامة تحديدًا؟

يمكن فهم الاختيار من طبيعة الشاحنة نفسها. فلها جوانب عريضة ظاهرة تسمح بكتابة أبيات واضحة، وهي تتحرك بصورة منتظمة بين الأحياء، وتصل إلى أماكن لا يذهب سكانها بالضرورة إلى المهرجانات أو المكتبات أو المعارض.

وبخلاف اللوحة المعلقة في شارع واحد، لا تبقى القصيدة في مكان ثابت. إنها تنتقل مع المركبة من حي إلى آخر، وتدخل في إيقاع المدينة اليومي.

في عام 1988، دخلت اثنتا عشرة شاحنة جديدة إلى الخدمة، وحملت كل واحدة منها عبارة شعرية. ومع الوقت، توسع المشروع ليشمل شاحنات جمع النفايات ومركبات كنس الشوارع.

وهكذا أصبحت المدينة تمتلك نوعًا من المكتبة المتحركة، لكنها مكتبة لا تتطلب من القارئ استعارة كتاب أو تخصيص وقت للقراءة.

كل ما يحتاج إليه أن يرفع رأسه في اللحظة المناسبة.

ويحمل هذا الاختيار مفارقة جمالية واضحة: المركبة التي تنقل ما يريد الناس التخلص منه، تنقل في الوقت نفسه كلمات يرغب آخرون في الاحتفاظ بها. إنها تجمع بين فعلين متناقضين ظاهريًا: إزالة المخلفات وإضافة المعنى.

«القصيدة رسالة».. العبارة التي بدأت كل شيء

ارتبطت بداية المشروع بالشاعر الهولندي يولس ديلدر (Jules Deelder)، أحد أبرز الأصوات الأدبية المرتبطة بروتردام. كان ديلدر معروفًا بشخصيته الحادة وحضوره في الثقافة الشعبية للمدينة، وقدّم عام 1988 العبارة التي أصبحت اسم المشروع نفسه:  القصيدة رسالة

باللغة الهولندية: Het gedicht is een bericht. تبدو الكلمات الثلاث بسيطة، لكنها تختصر الفكرة كلها.

شاحنات تجمع ما يتخلص منه الناس، لكنها تترك وراءها كلمات قد يحتفظون بها طوال العمر

فالقصيدة، في هذا التصور، ليست نصًا معزولًا ينتظر قارئه داخل كتاب، بل رسالة يمكن أن تصل إلى شخص لا يعرف مرسلها، في وقت لا يتوقعه. ولعل ما يؤكد المكانة الخاصة لهذه العبارة أنها الوحيدة التي تعود سنويًا إلى إحدى شاحنات النظافة، بينما تتبدل بقية الأبيات. لقد تحولت من سطر شعري إلى اسم لتقليد ثقافي كامل.

 من يكتب الأبيات؟ ومن يختارها؟

ليس هناك شاعر واحد مسؤول عن كتابة العبارات، ولا يكتب موظفو النظافة جميع القصائد التي تحملها مركباتهم. تتولى مؤسسة Poetry International اختيار أبيات من أعمال شعراء محليين وهولنديين وعالميين، ولا سيما الذين شاركوا في مهرجانها. أما آلية العمل فبسيطة: عندما تستعد البلدية لإدخال شاحنات أو مركبات كنس جديدة إلى الخدمة، تُبلغ المؤسسة، فتبدأ الأخيرة اختيار عبارات مناسبة.

وبمرور السنوات، ظهرت مئات الأبيات المختلفة على جوانب المركبات. هذا التعاون هو ما يميز المشروع؛ فالمؤسسة الثقافية لا تعمل بمعزل عن الخدمات العامة، والبلدية لا تكتفي بتقديم مساحة إعلانية، بل تشارك في جعل الشعر جزءًا من الحياة اليومية. وتمنح هذه العلاقة أيضًا عمال النظافة دورًا ثقافيًا غير مألوف.

فهم لا يوزعون القصائد بوصفهم موظفين في مؤسسة أدبية، لكنهم يحملونها يوميًا إلى السكان، ويتلقون ردود أفعالهم وأسئلتهم وتعليقاتهم.

 الحجارة ترفع المدينة

من أجمل العبارات التي حملتها شاحنات روتردام بيت للشاعر الهولندي ديريك أوته (Derek Otte)، يقول في ترجمته العربية:  «الحجارة ترفع المدينة إلى الأعلى، والناس يمنحونها العمق».

وفي الأصل الهولندي: Van stenen gaat een stad de hoogte in, de mensen geven diepte.

يصلح البيت ليكون وصفًا لروتردام نفسها، المدينة التي ارتبطت في المخيلة الحديثة بالعمارة والميناء والأبراج والتجديد الحضري.

فالمباني تصنع ارتفاع المدينة، لكنها لا تصنع وحدها معناها. الناس هم الذين يمنحون المكان ذاكرته وعلاقاته وحكاياته.

واللافت أن هذه العبارة تظهر على شاحنة تسير بين السكان الذين تتحدث عنهم، فكأنها لا تصف المدينة من الخارج، بل تخاطب الأشخاص الذين يصنعونها.

يرى أوته أن روتردام تمتلك هوية مختلفة عن مدن هولندية أخرى، وأن المشروع يجمع بين جمال الشعر وجمال العمل اليومي الذي تؤديه مركبات النظافة.

الحجارة ترفع المدينة إلى الأعلى، والناس يمنحونها العمق

عقدة الزمن

ومن الأبيات التي لفتت الانتباه عبارة للشاعرة الهولندية نيلتشه ماريا مين (Neeltje Maria Min)، تقول بترجمة عربية: «كلما نظرتُ أبعد إلى الوراء، ازدادت عقدة الزمن إحكامًا».

في الأصل: Hoe langer ik terugkijk, hoe strakker de knoop in de tijd.

يحمل البيت تأملًا في الذاكرة وعلاقة الإنسان بالماضي. فالنظر إلى الوراء لا يؤدي دائمًا إلى فهم أوضح لما حدث؛ أحيانًا يجعل الزمن أكثر تعقيدًا، وتصبح الذكريات أشبه بعقدة يصعب فكها.

والمثير أن هذا التأمل الفلسفي لا يظهر على جدار متحف أو في كتاب نقدي، بل على مركبة مخصصة لجمع النفايات.

تحدث سائق الشاحنة بول كايزر (Paul Keijzer)، الذي بدأ العمل في قيادة مركبات النظافة عام 1988، عن تفاعل المارة مع الأبيات التي تحملها الشاحنات.

بعضهم يعبر عن إعجابه، وبعضهم يطرح أسئلة، وآخرون يعترفون بأنهم لم يفهموا العبارة.

لكن عدم الفهم ليس بالضرورة فشلًا. فربما تكمن إحدى مزايا الشعر في أنه يوقف القارئ للحظة، ويتركه أمام سؤال لا يحتاج إلى إجابة فورية.

 المدن عندما يهطل المطر

 هناك عبارة أخرى ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ روتردام، كتبها الشاعر الروسي الأميركي جوزيف برودسكي (Joseph Brodsky): «المدن لا تحتمي عندما يهطل المطر».

باللغة الهولندية: Steden schuilen niet wanneer het regent.

تعود العبارة إلى قصيدة كتبها برودسكي مستلهمًا مدينة روتردام، بعد حديث عن القصف الذي تعرضت له خلال الحرب العالمية الثانية.

وتكشف الكلمات عن مفارقة: الإنسان يستطيع الاحتماء من المطر، أما المدينة فتبقى مكشوفة، تحتفظ بشوارعها وبيوتها وذاكرتها مهما تبدلت الأحوال.

ظهرت العبارة ضمن مشروع الشعر المتنقل، واكتسبت حضورًا آخر عندما وُضعت بحروف مضيئة على مبنى تابع لخدمات المدينة، في إطار الاحتفال بمرور 25 عامًا على المشروع عام 2013.

وأصبح البيت عنوانًا لكتاب تذكاري ضم خمسين قصيدة وصورًا وحكايات عن تجربة الشعر على شاحنات روتردام.

تدل هذه المحطة على أن المشروع لم يكتفِ بنقل الشعر إلى الشوارع، بل أنتج أرشيفه الخاص، وأصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية للمدينة.

 أثر يتجاوز الكلمات

لا تحتاج القصيدة المكتوبة على شاحنة إلى أن تكون طويلة. على العكس، تقوم الفكرة على اختيار بيت أو عبارة يستطيع المارّ التقاطها خلال ثوانٍ. فالشاحنة ليست صفحة كتاب، والقارئ قد يكون راكب دراجة أو منتظرًا عند إشارة مرور أو واقفًا أمام منزله. لذلك تتمتع العبارة القصيرة بميزة خاصة: تستطيع أن تثير صورة أو سؤالًا أو ذكرى قبل أن تختفي المركبة في الشارع التالي.

ومن العبارات الأخرى المدرجة في أرشيف المشروع قول الشاعرة ليا نولينغ (Leah Nölling)، بترجمة عربية: «كوننا لا نتحدث عن الأمر لا يعني أنه لم يحدث». إنها جملة عن الصمت والذاكرة وما يُترك خارج الكلام. وهذا التنوع في الموضوعات هو ما يحمي المشروع من التحول إلى مجموعة شعارات تفاؤلية متشابهة.

فالشعر على الشاحنات لا يتحدث دائمًا عن الجمال أو الأمل. إنه يستطيع أن يتناول الفقد والزمن والذاكرة والأسئلة التي لا تجد جوابًا سهلًا.

 الشعر بلغة الإشارة

 في يونيو/حزيران 2026، شهد المشروع تطورًا غير مسبوق. فخلال مهرجان Poetry International، الذي أقيم بين 4 و7 يونيو، كُشف في السابع من الشهر عن أول بيت شعري بلغة الإشارة الهولندية على شاحنة نظافة.

أنجز العمل الشاعران بواز بلومه (Boaz Blume) وسام أونكلين (Sam Onclin)، وهما من المبدعين المرتبطين بمجتمع الصم وضعاف السمع.

وجاء البيت في ترجمته العربية التقريبية: «في أحلامي إشارات كالعواصف، وأيدٍ راقصة تكتب قصائد في الهواء».

لم يكن إدراج لغة الإشارة مجرد إضافة تقنية.

فالقصيدة هنا لا تُقرأ بالحروف وحدها، بل بالحركة والإيماءة والتعبير البصري. وعُرضت العبارة المكتوبة على أحد جانبي الشاحنة، فيما خُصص الجانب الآخر لتمثيلها بلغة الإشارة.

بهذا التطور، توسع مفهوم الشعر المتنقل ليشمل طريقة أخرى في التعبير والإدراك.

ولم يعد السؤال كيف نجعل الشعر متاحًا لمن لا يحضرون المهرجان فقط، بل كيف نجعله مرئيًا لأشخاص يستخدمون لغات مختلفة للتواصل والتعبير الفني.

 هل شارك شعراء عرب في هذه التجربة؟

تضم ذاكرة مهرجان Poetry International أسماء مهمة من الشعر العربي. فقد شارك الشاعر الفلسطيني محمود درويش في المهرجان عامي 1972 و1986، ويحتفظ أرشيف المؤسسة بتسجيلات من مشاركاته. كما يضم الأرشيف صفحة للشاعر السوري أدونيس، بوصفه أحد الأصوات البارزة في الشعر العربي الحديث.

لكن هناك فارقًا ضروريًا بين مشاركة شاعر في المهرجان وظهور أحد أبياته على شاحنة نظافة. فالمؤسسة تختار عبارات من شعراء شاركوا في فعالياتها، لكن ذلك لا يعني أن جميع المشاركين ظهرت نصوصهم على المركبات.

ولم يتوافر، في المصادر التي أمكن مراجعتها، توثيق محدد يثبت أن بيتًا لمحمود درويش أو أدونيس كُتب على إحدى شاحنات روتردام. يبقى هذا السؤال مفتوحًا أمام البحث في أرشيف المشروع الكامل، خصوصًا أن مئات العبارات ظهرت منذ عام 1988.

واللافت أن حضور الشعر العربي في المهرجان يفتح بابًا للتفكير في إمكانية نقل الفكرة إلى مدن عربية، ليس بتقليد شكل الشاحنات بالضرورة، بل باستلهام مبدئها: أن يصبح الشعر جزءًا من المشهد اليومي، لا مناسبة ثقافية محصورة بجمهور محدود.

 سائق الشاحنة قارئ وشاعر أيضًا

في كثير من المشاريع الثقافية، يكون العاملون في الخدمات العامة خارج الصورة، بينما يحظى الفنانون والمنظمون وحدهم بالاهتمام.

لكن تجربة روتردام تقدم علاقة مختلفة. فالسائق بول كايزر، الذي عاصر المشروع منذ بداياته، تحدث عن تفاعل السكان مع الكلمات التي تنقلها الشاحنات، وعن محاولاته كتابة الشعر بنفسه.

وتمنحه التجربة صلة إضافية بالمدينة التي يجوب شوارعها.

وفي حديثه عن المشروع، أشار إلى أن قراءة قليل من الشعر وسط عالم سريع الإيقاع يمكن أن تمنح الإنسان لحظة هدوء.

أما توماس فان براكِل (Thomas van Brakel)، المسؤول عن خدمات جمع النفايات، فيرى أن العمل اليومي في تنظيف المدينة يمكن أن يقترن بإضافة شيء من الجمال إليها.

هذه ليست مجرد استعارة أدبية. فالعامل الذي يقود الشاحنة يصبح وسيطًا بين القصيدة والناس، حتى إن لم يكن هو مؤلف الكلمات.

ويصبح عمل النظافة، الذي لا يحظى دائمًا بالتقدير الكافي، حاضرًا في قلب مشروع ثقافي تعترف به المدينة رسميًا.

من روتردام إلى فرانكفورت

لم تبقَ التجربة حكرًا على المدينة الهولندية. ففي عام 2016، انتقلت الفكرة إلى مدينة فرانكفورت الألمانية تحت عنوان «النفايات والشعر» (Müll & Poesie).

وتكشف هذه الخطوة أن ما بدأ تعاونًا محليًا بين مهرجان وبلدية يمكن أن يتحول إلى نموذج ثقافي قابل للتكييف في مدن أخرى. لكن نجاحه لا يرتبط بالعبارة المكتوبة وحدها.

إنه يحتاج إلى مؤسسة تختار النصوص بعناية، وجهة خدمية تتبنى المشروع، واستمرارية تسمح للأجيال المختلفة بالتعرف إليه. فالشعر الذي يظهر مرة واحدة على شاحنة قد يثير الابتسام أو الدهشة، أما الشعر الذي يعود عامًا بعد عام فيصبح جزءًا من هوية المدينة.

لماذا أصبح تراثًا ثقافيًا؟

في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أُدرج مشروع «القصيدة رسالة» ضمن الجرد الهولندي للتراث الثقافي غير المادي.

ولا يعني هذا الإدراج أنه أصبح ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو؛ فالاعتراف جاء على المستوى الوطني الهولندي.

لكن أهميته تكمن في أن مفهوم التراث هنا لا يقتصر على الحرف القديمة أو الاحتفالات الشعبية أو التقاليد الموروثة.

يمكن أيضًا لممارسة ثقافية حديثة نسبيًا، بدأت قبل 38 عامًا، أن تكتسب قيمة تراثية عندما تصبح جزءًا مستمرًا من حياة المجتمع.

وتقول ديانا تشين-آ-فات (Diana Chin-A-Fat)، مديرة Poetry International، إن ما يميز المشروع أنه ليس إعلانًا صاخبًا، بل حضور هادئ ومتواصل للشعر في المدينة.

أما جوان نونلي (Joan Nunnely)، المسؤولة البلدية عن الثقافة والمجتمع واللغة، فترى أن قوة الفكرة تظهر عندما يقرأ شخص ينتظر مرور الشاحنة جملة تظل معه بقية يومه.

إنه تعريف مختلف للأثر الثقافي. فالمشروع لا يقيس نجاحه بعدد التذاكر المبيعة أو مقاعد القاعة الممتلئة، بل باللحظات الصغيرة التي يتوقف فيها شخص أمام عبارة لم يكن يبحث عنها.

قد تمر شاحنة القمامة في دقائق، لكن بيتًا شعريًا على جانبها يستطيع أن يبقى في الذاكرة سنوات

طريقة التفكير

في مدن عربية كثيرة، يرتبط الشعر بتاريخ طويل من الإلقاء والاحتفال والذاكرة الجماعية. تظهر الأبيات في الأغاني واللافتات والخط العربي والجداريات، وتُستعاد كلمات الشعراء في المناسبات العامة.

لكن تجربة روتردام تطرح سؤالًا إضافيًا: هل يمكن إدخال الشعر إلى البنية اليومية للمدينة بصورة منتظمة، لا بوصفه حملة عابرة؟

قد تكون وسيلة النقل حافلة عامة أو ترامًا أو مركبة نظافة. وقد يكون المكان محطة انتظار أو ممرًا للمشاة أو ساحة مدرسة.

ليست الوسيلة هي الأهم، بل طريقة التفكير. فبدل مطالبة الناس بالذهاب إلى الأدب، يمكن أن يتحرك الأدب نحوهم.

وبدل أن يقتصر حضور القصيدة على جمهور يعرف أسماء الشعراء ويدخل قاعات الأمسيات، تصبح متاحة لمن يقرأها مصادفة، وربما لمن لم يفكر يومًا في شراء ديوان. وهنا أيضًا تظهر أهمية الاختيار. فالهدف ليس تحويل الشوارع إلى لوحات وعظية أو شعارات جاهزة، بل تقديم كلمات تحتفظ بقيمتها الفنية وتسمح للقارئ بالتأمل والاختلاف والتساؤل.

المدينة التي لا تنتهي فيها القصيدة

حين بدأت روتردام كتابة الشعر على شاحنات القمامة عام 1988، ربما بدت الفكرة مجرد محاولة مبتكرة لتمديد عمر مهرجان أدبي.

لكن ما حدث خلال العقود التالية كان أكبر من ذلك.

أصبحت الشاحنات تحمل ذاكرة شعراء محليين وعالميين، وصار عمال النظافة شركاء في إيصال الكلمات إلى الناس، وانتقلت الفكرة إلى مدينة أخرى، ثم توسعت لتشمل لغة الإشارة، قبل أن تحظى باعتراف ثقافي رسمي.

ومع كل ذلك، بقي جوهر المشروع بسيطًا. تسير شاحنة في الشارع. يقرأ شخص عبارة على جانبها. وربما لا يفعل شيئًا بعدها سوى مواصلة يومه.

لكن القصيدة تكون قد وصلت. وهذا هو المعنى الذي اختصره يولس ديلدر قبل 38 عامًا في ثلاث كلمات: «القصيدة رسالة». والرسالة، لكي تؤدي وظيفتها، لا تحتاج دائمًا إلى ظرف أو كتاب. أحيانًا تكفيها شاحنة قمامة.

إعداد: “صوت صورة”

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا