حين يصبح اللون الأبيض نادراً.. كيف يحاول الفنانون الإيرانيون إنقاذ فنهم من الحرب؟

من طهران إلى غزة وبيروت، لا تهدد الحروب حياة الفنانين ومراسمهم فحسب، بل تهدد قدرتهم على الاستمرار في العمل. مبادرة «كونتينيوم» تجمع أعمال أكثر من مئتي فنان إيراني وتفتح أمامهم سوقًا عالمية، لكنها تطرح سؤالًا يتجاوز إيران: هل يستطيع العالم أن يرى الفن القادم من مناطق النزاع بعيدًا عن صور المأساة؟

صورة توضيحية لفنانة تعمل على لوحة داخل مرسم مليء بالألوان والفرش، وتظهر مدينة خلف النافذة
صورة توضيحية مولّدة بالذكاء الاصطناعي عن تحديات العمل الفني في إيران

باريس- “صوت صورة”:
في أحد صباحات طهران، تلقت الفنانة الإيرانية إلهام إيساري اتصالًا غير مألوف. كان المتصل يعرض عليها شيئًا أصبح نادرًا: أنبوبًا واحدًا من الطلاء الأبيض. السعر خمسة ملايين تومان، أي نحو 36 دولارًا، والقرار مطلوب خلال دقائق، لأن مشتريًا آخر ينتظر في مدينة أخرى.
لم تشترِ إيساري الأنبوب. لكنها وجدت نفسها لاحقًا تبحث عبر الإنترنت عن طريقة لصنع اللون الأبيض بنفسها.

قد تبدو الحكاية تفصيلًا صغيرًا وسط أخبار الحرب، لكنها تكشف جانبًا قلما يصل إلى العناوين: ماذا يحدث للفنان حين تصبح أبسط أدوات عمله صعبة المنال؟ كيف يرسم إذا لم يجد الألوان؟ وكيف ينحت إذا لم يستطع شراء المواد أو نقل أعماله إلى المعارض؟

هذه الأسئلة تقف وراء مبادرة «كونتينيوم: إغاثة الفنانين في إيران» (Continuum: Artist Relief for Iran)، التي أُطلقت في أغسطس/آب 2026، وعادت إلى الواجهة بعد تحقيق نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية في 14 أكتوبر/تشرين الأول، تناول أحوال الفنانين الإيرانيين في ظل الحرب والاضطرابات الاقتصادية، ومحاولاتهم الحفاظ على ممارساتهم الفنية.
لكن المبادرة لا تريد أن تجعل الحرب موضوعًا إلزاميًا للفن الإيراني. إنها تحاول، على العكس، أن تتيح للفنانين فرصة الاستمرار في رسم ما يريدون، لا ما يتوقع العالم أن يروه منهم.

حين تتوقف المعارض وتتراكم اللوحات

لم تقتصر آثار الحرب على إغلاق صالات العرض أو إلغاء المعارض. فقد تعطلت أيضًا شبكات الشحن، وازدادت صعوبة الحصول على المواد الفنية، وتراجعت قدرة السوق المحلية على شراء الأعمال.
وبالنسبة إلى فنان يعتمد على بيع لوحاته لتغطية إيجار مرسمه وتكاليف إنتاج أعمال جديدة، لا يعني إلغاء معرض تأجيل مناسبة ثقافية فحسب؛ فقد يعني انقطاع مصدر دخله لأشهر طويلة.

حين تصبح الألوان نادرة، لا يعود السؤال ماذا سيرسم الفنان، بل كيف سيتمكن من الرسم أصلًا

في هذا المناخ، وجد القيّم الفني الكندي الإيراني داريو دوران نفسه أمام أزمة تتجاوز إمكانات تنظيم معرض جديد.
كان دوران قد انتقل إلى إيران قبل سنوات، مدفوعًا برغبته في التعرف عن قرب إلى المشهد الفني الذي ينتمي إليه بجذوره. ومع اشتداد القصف، اضطر إلى مغادرة شيراز مع أسرته والانتقال إلى شمال البلاد، حيث التقى فنانين وعاملين في المجال الثقافي نزحوا بدورهم من مدن أخرى.
هناك، وبالتعاون مع القيّمة الفنية مريم راستي، بدأ التفكير في وسيلة عملية لدعم الفنانين.
لم يكن المطلوب في تلك اللحظة معرضًا جديدًا أو مشروعًا أرشيفيًا، بل إيجاد مشترين لأعمال فنية موجودة أصلًا، كي يتمكن أصحابها من مواصلة حياتهم وعملهم.
بدأت الفكرة برسالة إلى جامعي الأعمال الفنية والقيّمين وأصحاب الصالات خارج إيران، ثم تطورت إلى منصة إلكترونية تجمع أعمال الفنانين وتتيح للجمهور الدولي الاطلاع عليها وطلب شرائها.

أكثر من 500 عمل فني.. والعائد للفنانين

تضم «كونتينيوم» أكثر من 500 عمل أصلي لأكثر من 200 فنان يعيشون ويعملون داخل إيران، بمشاركة 11 صالة فنية إيرانية وافقت على التنازل عن عمولات البيع.
وبحسب القائمين على المبادرة، يذهب كامل عائد بيع العمل إلى الفنان نفسه، من دون اقتطاع عمولة للصالات المشاركة أو للمنصة.
وُزعت الأعمال على فئات سعرية تصل إلى 500 دولار، ومن 500 إلى 2500 دولار، ومن 2500 إلى 5000 دولار، في محاولة لجعل اقتنائها ممكنًا لشريحة أوسع من المشترين.
لكن البيع ليس سوى جانب من المشكلة.
فكيف تصل لوحة من طهران إلى مشترٍ في أوروبا أو أميركا الشمالية، وسط العقوبات وتعطل خطوط الطيران وصعوبة التحويلات المالية؟
اضطر منظمو المبادرة إلى البحث عن مسارات شحن بديلة، بينها نقل بعض الأعمال برًا إلى أرمينيا قبل إرسالها إلى وجهاتها النهائية. وتحذر المنصة المشترين من أن وصول العمل قد يستغرق ما بين ثلاثة وستة أشهر.
إنها شبكة معقدة من الفنانين والصالات والناقلين والمشترين، نشأت للحفاظ على شيء يبدو بسيطًا: أن يتمكن الرسام من بيع لوحة، ثم شراء ما يحتاج إليه لرسم اللوحة التالية.

الفن ليس شهادة إلزامية على الحرب

ربما تكمن الفكرة الأهم في «كونتينيوم» خارج الجانب المالي كله.
فالمنصة لا تعرض الأعمال الإيرانية باعتبارها صورًا للحرب، ولا تشترط أن يتناول الفنان القصف أو النزوح أو العقوبات كي يحظى بالاهتمام.
تضم الأعمال تجريدًا هندسيًا، ورسومًا، وتصويرًا فوتوغرافيًا، وبورتريهات، وتجارب نحتية وطباعية مختلفة. وبعضها يتناول الأزمات مباشرة، بينما ينشغل بعضها الآخر بالشكل واللون والجسد والذاكرة والحياة اليومية.

الفنانون لا يحتاجون فقط إلى من يروي مآسيهم، بل إلى من يرى أعمالهم ويمنحهم فرصة الاستمرار

يرفض دوران، كما أوضح في حديثه إلى «الغارديان»، أن تتحول الهوية الإيرانية إلى أسلوب فني واحد، أو أن تصبح الأزمة المعيار الذي تُقاس به أهمية العمل.
فالفنان الذي يعيش في شيراز لا ينبغي أن يُطلب منه إنتاج لوحة تعلن هويته الوطنية بصريًا حتى يعترف به جمهور دولي.
هذا التمييز أساسي. فثمة فرق بين إتاحة الفرصة لفنان يعيش أزمة كي يُرى عمله، وبين مطالبة هذا الفنان بأن يجعل الأزمة مرئية دائمًا.
في الحالة الأولى، يحصل على مساحة للاختيار. وفي الثانية، يصبح الألم شرطًا غير معلن للاعتراف الفني. وهنا يتجاوز السؤال حدود إيران.

في غزة.. حين يصبح المرسم شيئًا يمكن حمله

يعرف الفنانون الفلسطينيون جانبًا من هذه المعضلة، وإن اختلفت الظروف السياسية والمادية من مكان إلى آخر.
ففي قطاع غزة، لم تكن المشكلة خلال الحرب نقص الألوان وحده، بل فقدان المراسم والمنازل ومساحات العرض، والنزوح المتكرر، وصعوبة الحفاظ على الأعمال نفسها.
في تقرير نشرته مجلة «ذا آرت نيوزبيبر» في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تحدث فنانون فلسطينيون عن محاولاتهم الاستمرار في الرسم رغم الخسارة والاقتلاع.
من بينهم الفنان رائد عيسى، أحد مؤسسي مجموعة «التقاء» للفن المعاصر في غزة، الذي اضطر خلال الحرب إلى استخدام مواد متاحة مثل الكركديه والقهوة لصناعة أعماله.
غادر عيسى غزة إلى فرنسا في أبريل/نيسان 2025، واستقر في مرسيليا، لكن الوصول إلى مكان أكثر أمنًا لم يعنِ استعادة علاقته السابقة بالفن فورًا.
فالمشكلة لم تكن العثور على مرسم جديد فقط، بل إعادة بناء الصلة بين العمل الفني والمكان الذي نشأ منه.
وفي غزة أيضًا، واجه فنانون آخرون تدمير أعمالهم أو فقدانها تحت الأنقاض. ولم يعد السؤال كيف يعرض الفنان إنتاجه في صالة، بل كيف ينقذ ما بقي من ذاكرته البصرية.
تظهر هنا مفارقة مؤلمة: يستطيع الفنان أن يحمل خبرته معه إلى المنفى، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يحمل المكان الذي تشكلت فيه تلك الخبرة.
ومع ذلك، لا تنحصر التجارب الفلسطينية في تصوير الدمار.
فبعض الفنانين يختارون رسم الأفراح والأعراس والألوان المبهجة، لا إنكارًا للألم، بل رفضًا لأن تصبح المأساة الصورة الوحيدة المسموح بها عن حياتهم.
وهذا قريب من السؤال الذي تطرحه «كونتينيوم»: هل يُسمح للفنان القادم من منطقة نزاع بأن يرسم الفرح أو التجريد أو الجمال، أم يُنتظر منه أن يشرح الحرب في كل عمل؟

في لبنان.. الفن بين الإنتاج والإغاثة

في لبنان، واجه الفنانون والمؤسسات الثقافية تحديات مختلفة، تراكمت فيها الأزمات الاقتصادية مع تداعيات الحروب والضربات العسكرية.
وفي تقرير نشرته منصة «أوكولا» الفنية في مايو/أيار 2026، ظهرت صورة لمشهد ثقافي يحاول أن يواصل العمل، وفي الوقت نفسه يستجيب لاحتياجات النازحين.
من بين الأسماء التي تناولها التقرير الفنان اللبناني عبد القادري، الذي كان في طريقه للحصول على مواد لجلسة فنية مع أطفال نازحين عندما بدأت موجة من الضربات على بيروت في أبريل/نيسان.
تكشف هذه الواقعة كيف يتغير دور الفنان والمؤسسة الثقافية في أوقات الخطر.
فالمعرض قد يتحول إلى مساحة تضامن، والورشة الفنية إلى نشاط لدعم الأطفال، والصالة إلى نقطة تواصل بين أشخاص انقطعت عنهم شروط الحياة المعتادة.
لكن هذه الأدوار، على أهميتها، لا تلغي حاجة الفنان إلى الاستمرار في إنتاج أعماله الخاصة.
فإذا تحولت كل طاقته إلى الاستجابة للأزمات، فمن يحمي الوقت والمساحة اللازمين للتجريب والبحث وتطوير اللغة الفنية؟
ليست المقارنة بين إيران وغزة ولبنان محاولة لوضع تجارب متباينة في قالب واحد. إنها تكشف أن هشاشة العمل الفني في أوقات النزاع لا تنشأ من الخطر المباشر وحده، بل أيضًا من انهيار الشبكات التي تسمح للفن بالوجود: المواد، والمراسم، والمعارض، والمشترون، ووسائل النقل، والمؤسسات.

ماذا عن الفنانين السوريين؟

تجربة الفنانين السوريين خلال سنوات الحرب والنزوح تطرح بدورها أسئلة قريبة، وإن كانت لها خصوصيتها.
فقد اضطر فنانون إلى مغادرة مراسمهم ومدنهم، وأعاد بعضهم تأسيس ممارساتهم الفنية في بلدان اللجوء، بينما واصل آخرون العمل داخل سوريا وسط صعوبات اقتصادية ولوجستية.
لكن المنفى لا يعني ببساطة انتقال الفنان من مكان خطر إلى مكان آمن يستطيع فيه استئناف حياته السابقة.
فالفنان الذي ينتقل إلى مدينة جديدة يحتاج إلى شبكة علاقات، ومكان للعمل، ومواد، وفرص للعرض، وجمهور يتعرف إلى تجربته بعيدًا عن الصورة الجاهزة التي قد تختزله في صفة «الفنان اللاجئ».
وتظهر هنا معضلة ثقافية دقيقة: قد تفتح تجربة الحرب والمنفى أبوابًا جديدة أمام الاهتمام العالمي بالفنان، لكنها قد تحاصره أيضًا داخل موضوع واحد.
فهل يستطيع الفنان السوري أن يعرض لوحة تجريدية لا تشير مباشرة إلى الحرب؟ وهل تُقرأ تجربته باعتبارها بحثًا تشكيليًا مستقلًا، أم يُطلب منه باستمرار أن يقدم شهادة عن بلده؟
إنها الأسئلة نفسها التي تحاول المبادرة الإيرانية الإجابة عنها، لا بالشعارات، بل بتوفير قناة عملية تتيح للفنان بيع عمله ومواصلة إنتاجه.

ما الذي يحتاجه الفن كي يستمر؟

يروي الفنان الإيراني مهرداد جعفري، أحد المشاركين في «كونتينيوم»، أن نقص المواد دفعه إلى البحث عن بدائل واستخدام الخيال لتعويض ما لم يعد متاحًا.
قد تنتج هذه الضرورة حلولًا فنية مبتكرة، لكنها ليست وضعًا ينبغي تمجيده.
فليس مطلوبًا من الفنان أن يعيش في الحرمان كي يكون مبدعًا، ولا ينبغي تحويل صعوبة الحصول على المواد إلى قصة رومانسية عن قدرة الفن على الانتصار على كل شيء.
الإبداع يحتاج إلى الخيال، لكنه يحتاج أيضًا إلى أدوات ووقت ودخل ومساحة للعمل.

هل يُسمح للفنان القادم من منطقة نزاع بأن يرسم الجمال، أم يُنتظر منه أن يشرح الحرب في كل عمل؟

وهذا ما يجعل «كونتينيوم» مختلفة عن كثير من المبادرات الرمزية التي تكتفي بإعلان التضامن مع الفنانين.
فهي تحاول معالجة جانب ملموس من الأزمة: كيف يستمر الفنان اقتصاديًا ومهنيًا عندما تنهار السوق المحيطة به؟
ومع ذلك، لا تستطيع منصة واحدة حل المشكلات البنيوية التي تواجه الفن الإيراني، من القيود المالية إلى اضطراب الشحن وصعوبة الوصول إلى الأسواق.
إنها محاولة محدودة في نطاقها، لكنها تكشف أهمية بناء شبكات دعم لا تتوقف عند الحدود الجغرافية.

أن يُرى العمل قبل أن تُروى المأساة

تقول إلهام إيساري إن قيمة المبادرة لا تتعلق بالبيع وحده، بل أيضًا بالشعور بأن الفنان ليس منسيًا، وأن هناك من يرى أعماله ويتابعها.
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في القصة كلها.
ففي التغطية اليومية للحروب، تتحول البلدان غالبًا إلى خرائط للضربات والخسائر والأزمات. ويصبح من الصعب تذكر أنها تضم أيضًا رسامين ومصورين ونحاتين وطلاب فنون ومعلمين وأشخاصًا يريدون أن يواصلوا حياتهم الإبداعية.
لا يمكن للفن أن يوقف الحرب، ولا يستطيع معرض إلكتروني أن يعيد مرسمًا دُمّر أو بيتًا فُقد.
لكنه يستطيع، أحيانًا، أن يحافظ على الصلة بين الفنان وعمله، وبين العمل وجمهوره.
ومن طهران إلى غزة وبيروت، وربما إلى المدن السورية التي لا تزال تعيد بناء حياتها الثقافية، يبرز سؤال يتجاوز قدرة الفنانين على الصمود:
هل نريد أن نرى أعمالهم لأنها جيدة ومختلفة وتستحق المشاهدة، أم لأننا لا نعرف كيف ننظر إليهم إلا من خلال ما أصاب بلدانهم؟
في طهران، قد يبدأ الجواب من أنبوب طلاء أبيض أصبح نادرًا.
لكنه لا ينتهي عنده. فالغاية ليست فقط أن يجد الفنان لونًا يرسم به، بل أن يحتفظ بحقه في اختيار ما يريد رسمه.

إعداد: “صوت صورة”

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا