من ماردين إلى فيينا، رحلة مخطوط سرياني نسخه موسى المارديني عام 1554، ثم عاد بعد قرون ليصبح أساساً لتعليم الذكاء الاصطناعي قراءة الخط السرياني المكتوب باليد.
——————————————————————————-
باريس- “صوت صورة”:
في عام 1554 جلس رجل قادم من المشرق في فيينا، وأخذ ينسخ بيده نصوص الأناجيل بالسريانية. كان اسمه موسى المارديني.
لم يكن يستطيع، بطبيعة الحال، أن يتخيل ما سيحدث لخطّه بعد قرابة خمسة قرون. لم تكن الآلة الكاتبة قد وُجدت، ولا التصوير الفوتوغرافي، ولا الحاسوب. كان الكتاب لا يزال يُنسخ حرفاً بعد حرف، وكان انتقال نص من لغة إلى أخرى، أو من بلد إلى آخر، مغامرة قد تستغرق سنوات.
لكن المخطوط الذي خطّه موسى المارديني في فيينا نجا.
حُفِظ في المكتبة الوطنية النمساوية تحت الرقم ÖNB Cod. Syr. 1، ثم رُقمن، وفي القرن الحادي والعشرين حدث شيء يصعب ألا يبدو أقرب إلى الخيال: أصبح خط رجل من القرن السادس عشر مادة لتعليم الذكاء الاصطناعي كيف يقرأ السريانية المكتوبة باليد.
وفي 25 و27 أغسطس/آب 2026، تعيد المكتبة الوطنية النمساوية هذا المخطوط إلى الواجهة، في عرض خاص يقام ضمن المؤتمر الدولي للدراسات الكتابية في فيينا، تحت عنوان «الأناجيل الأربعة بالسريانية والعربية: فقه النصوص الكتابية وولادة الدراسات السريانية في أوروبا». ويجمع العرض مخطوطات سريانية وعربية مكتوبة بالكرشونية، إلى جانب شذرات قديمة، ليروي من خلالها كيف أصبحت فيينا إحدى البوابات التي عبرت منها السريانية إلى الدراسات الأوروبية الحديثة. (ICBS 2026)
لكن أجمل ما في الحكاية أن الرحلة لم تكن من الشرق إلى الغرب فقط. بعد 472 عاماً، بدأت رحلة معاكسة: من المخطوط إلى الخوارزمية.
في القرن السادس عشر تعلّمت المطبعة شكل الحرف السرياني من يد موسى المارديني، وفي القرن الحادي والعشرين تتعلم الخوارزمية قراءته من اليد نفسها
من كان موسى المارديني؟
وراء المخطوط قصة رجل تستحق وحدها رواية.
كان موسى المارديني راهباً وكاهناً سريانياً أرثوذكسياً من ماردين، إحدى المدن التاريخية الكبرى للثقافة السريانية في أعالي بلاد ما بين النهرين. وتشير الدراسات المتخصصة إلى أنه كان ناسخاً للمخطوطات، ومدرساً للسريانية، ومبعوثاً كنسياً، وأنه أدى دوراً أساسياً في البدايات الأوروبية لدراسة اللغة السريانية.
في القرن السادس عشر لم تكن معرفة السريانية في أوروبا أمراً شائعاً. كانت اللغة تثير اهتمام اللاهوتيين والمستشرقين الأوائل والباحثين في النصوص الكتابية، لكن العثور على شخص يستطيع قراءتها وتعليمها، فضلاً عن توفير مخطوطاتها، كان أمراً آخر.
وهنا ظهر موسى.
تنقل بين المشرق وروما وأوروبا الوسطى، وحاول في روما إقامة مشروع لطباعة الكتب السريانية. وعندما لم ينجح المشروع هناك، انتهى به الطريق إلى فيينا، حيث التقى عالم اللغات والمستشرق الألماني يوهان ألبرشت فيدمانشتيتر.
وكان ذلك اللقاء واحداً من تلك اللقاءات الصغيرة التي تغير تاريخ كتاب كامل.
فقد أصبح المارديني معلماً ومصدراً حيّاً للغة التي كان الأوروبيون يحاولون الوصول إليها من خلال المخطوطات.
وتصف دراسة منشورة في Hugoye: Journal of Syriac Studies موسى المارديني بأنه شخصية محورية في فجر الدراسات السريانية الأوروبية؛ فقد ساهم بصورة كبيرة في أول طبعة مطبوعة للعهد الجديد بالسريانية، ودرّس الجيل الأول من الباحثين الأوروبيين في هذه اللغة، إلى جانب عمله الغزير ناسخاً للمخطوطات. أي أنه لم يحمل كتاباً إلى أوروبا فحسب. حمل معه معرفة كيفية قراءته.
فيينا 1554: الرجل الذي كتب للملك إنجيلاً
في فيينا، نسخ موسى المارديني مخطوطاً سريانياً للأناجيل على الرق. وتمنحنا رسائله الشخصية تفصيلاً رائعاً عن تلك اللحظة.
ففي رسالة أرسلها إلى العالم أندرياس ماسيوس في مارس/آذار 1555، أخبره بأنه كتب الأناجيل على الرق بخط جميل مستخدماً الذهب والفضة، ثم قدمها إلى الملك فرديناند الأول. وكان فخوراً بالنتيجة.
يقول، وفق النص الذي نشرته دراسة متخصصة في مراسلاته، إن الملك سُرّ بالمخطوط كثيراً ومد يده إليه وفق العادة الألمانية.
يمكن تخيل المشهد؛ رجل من ماردين يقف في بلاط هابسبورغي في قلب أوروبا، يحمل كتاباً مكتوباً بالسريانية، والملك ينظر إلى الحروف التي جاءت من عالم بعيد بالنسبة إلى معظم الحاضرين.
لكن المخطوط لم يكن نهاية المشروع. كان مقدمة لشيء أكبر.
عندما تحول خط المارديني إلى حروف مطبعة
بعد عام واحد تقريباً، حدث التحول الكبير. في 1555 ظهرت في فيينا أول طبعة للعهد الجديد بالسريانية. وقد أُنجز المشروع بدعم من فرديناند الأول وبالتعاون بين فيدمانشتيتر وموسى المارديني وآخرين. والمثير أن حضور المارديني لم يكن لغوياً فقط. فحتى الحروف المعدنية المستخدمة في الطباعة استندت إلى خطه.
توضح مكتبة الكونغرس، في مادتها عن تاريخ الدراسات الشرقية في عصر النهضة، أن قوالب الحروف السريانية صُنعت على مثال خط موسى المارديني، وأن الحروف نُحتت بواسطة كاسبار كرافت.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يفتح الباب، لكنه لا يستطيع وحده أن يكتب تاريخ الغرفة التي وراءه
إذن؛ في القرن السادس عشر: تتعلم آلة الطباعة شكل الحرف السرياني من يد موسى المارديني. وفي القرن الحادي والعشرين:
يتعلم نموذج ذكاء اصطناعي قراءة الحرف السرياني من يد موسى المارديني نفسها. وبين اللحظتين ما يقارب خمسة قرون من تاريخ التكنولوجيا. ربما لا توجد استعارة أجمل لقصة هذا المخطوط.
المخطوط يدخل المختبر الرقمي
في فيينا، عام 2024، اجتمع باحثون في المدرسة الشتوية للتعرف الآلي إلى النصوص المخطوطة، التي نظمها معهد أبحاث العصور الوسطى في الأكاديمية النمساوية للعلوم، وبدأ فريق متخصص بالسريانية العمل على المخطوط المحفوظ في المكتبة الوطنية.
الهدف هذه المرة لم يكن تحقيق النص بالطريقة التقليدية فقط.
كان المطلوب تعليم الحاسوب قراءته.

استخدم الفريق مخطوط ÖNB Cod. Syr. 1 مادةً أساسية للتدريب. وأنشأ المشاركون نصاً مرجعياً يدوياً لما يقارب 140 ورقة، فكان عليهم مراجعة القراءة الآلية وتصحيحها حرفاً حرفاً لكي تستطيع الخوارزمية أن تتعلم العلاقة بين الصورة التي تراها والنص الحقيقي الذي تمثله.
ولم يكن الأمر بسيطاً. السريانية تُكتب من اليمين إلى اليسار. وهناك نقاط وعلامات تشكيل وفروق دقيقة بين أشكال الحروف، فضلاً عن خصوصية الخطوط التاريخية.
ووضع الباحثون قواعد دقيقة لما ينبغي للنموذج أن يتعرف إليه: الحروف، والمسافات، وبعض النقاط المميزة للكلمات المتشابهة، وعلامات الترقيم، مع استبعاد أنواع معينة من علامات الضبط الصوتي.
إنها عملية تشبه تعليم طفل القراءة، لكن على نطاق مختلف تماماً.
تريه صورة الحرف. تقول له ماذا تعني. تكرر العملية آلاف المرات. ثم تتركه يحاول.
حين يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة السريانية، فإنه لا يفتح باباً على لغة واحدة فقط، بل على ذاكرة مشرقية تشابكت فيها السريانية والعربية قروناً طويلة
والنتيجة: أول نموذج سرياني عام على Transkribus نجحت التجربة. وأُطلق نموذج The Syriac Gospels of Vienna (Serto) على منصة Transkribus، بوصفه أول نموذج عام متاح عليها للتعرف إلى هذا الخط السرياني.
ولم تبقَ التجربة حبيسة المختبر. فقد أُتيح مخطوط أناجيل فيينا نفسه في موقع رقمي خاص على Transkribus، حيث يستطيع المستخدم تصفح مئات صفحاته والبحث في النصوص المفرغة. وهكذا لم تعد الرقمنة تعني مشاهدة صورة المخطوط فقط؛ بل أصبح النص الذي ظل قروناً حبيس صفحاته قابلاً للبحث داخله.
وتشير بيانات المنصة إلى أن النموذج دُرّب على أكثر من 20 ألف كلمة و2572 سطراً، وحقق معدل خطأ في التعرف إلى الحروف بلغ 5.97 في المئة على مجموعة التحقق الخاصة به. وهذه النسبة مهمة. فهي لا تعني أن الآلة أصبحت قارئاً معصوماً من الخطأ؛ فالنتيجة قد تختلف كثيراً عند تطبيق النموذج على مخطوط آخر بخط مختلف أو في حالة مادية سيئة.
لكنها تعني أن شيئاً كان يتطلب عين باحث متخصص ووقتاً طويلاً يمكن الآن أن يحصل على قراءة آلية أولية تساعد الباحث على الانطلاق.
والأهم أن النموذج متاح للعامة، ويمكن استخدامه نقطة بداية للعمل على مخطوطات سريانية أخرى مكتوبة بخط السرطو، كما يمكن للباحثين تدريبه مجدداً على مجموعاتهم الخاصة.
لكن ماذا يعني أن «يقرأ» الذكاء الاصطناعي مخطوطاً؟
هنا ينبغي تجنب المبالغة التي ترافق الحديث عن الذكاء الاصطناعي عادة. النموذج لا «يفهم» المخطوط بالطريقة التي يفهمه بها عالم متخصص في السريانية. إنه يؤدي مهمة تَعرُّف نصيّ.
تُعرض أمامه صورة صفحة، فيحاول تحديد السطور والحروف وتحويل ما يراه إلى نص رقمي قابل للبحث والتحرير والمعالجة.
لكن هذه الخطوة التقنية البسيطة ظاهرياً قد تكون ذات أثر هائل. تخيل مكتبة تحتوي آلاف المخطوطات المصورة.
في النظام التقليدي، يمكن للباحث أن يفتح صورة الصفحة ويقرأها، لكن محرك البحث لا يعرف ما فيها. النص بالنسبة إلى الحاسوب مجرد صورة. إذا تحول المخطوط إلى نص رقمي، تتغير الأمور. يمكن البحث عن اسم شخص. أو مدينة. أو عبارة، أو مقارنة آلاف الصفحات، أو العثور على نسخ مختلفة من النص نفسه، أو بناء فهارس وقواعد بيانات. هنا لا يحل الذكاء الاصطناعي محل عالم المخطوطات. بل يمنحه أداة لم تكن موجودة من قبل.
وماذا عن ملايين الصفحات العربية؟
وهنا تتجاوز قصة موسى المارديني حدود السريانية. فالمكتبات العربية والعالمية تحتفظ بأعداد هائلة من المخطوطات العربية والسريانية والفارسية والعثمانية وغيرها، وقد قطعت مشاريع الرقمنة شوطاً كبيراً في تصويرها وإتاحتها على الإنترنت.
لكن تصوير المخطوط ليس هو نفسه قراءة المخطوط. يمكن أن نمتلك ملايين الصور الرقمية التي لا يستطيع محرك البحث معرفة ما بداخلها. وهذا هو التحول الذي تعد به تقنيات HTR، أي التعرف إلى النص المكتوب باليد. فإذا أصبحت النماذج أكثر دقة في قراءة الخطوط العربية التاريخية المختلفة، يمكن أن يتغير شكل البحث في التراث المخطوط نفسه. لن يحتاج الباحث دائماً إلى معرفة مكان المعلومة مسبقاً. قد يستطيع البحث عنها. والفارق بين الاثنين هائل.
مخاطر أيضاً.. لا معجزات
لكن الحماس يحتاج إلى شيء من الحذر. المخطوطات ليست نصوصاً مطبوعة بخط موحد. الناس يكتبون بطرق مختلفة. الخط يتغير من قرن إلى قرن، ومن ناسخ إلى آخر. الورق يتلف. الحبر يبهت. الكلمات تتداخل. الهوامش تمتلئ بتعليقات أيدٍ أخرى. ولهذا لا يمكن التعامل مع قراءة الذكاء الاصطناعي باعتبارها تحقيقاً علمياً نهائياً.
حتى نموذج فيينا نفسه يقدم معدل الخطأ الذي حققه في الاختبار، وتنبه Transkribus إلى أن النتائج على وثائق أخرى قد تختلف تبعاً للخط وحالة المخطوط ومدى شبهه بالمادة التي دُرّب عليها النموذج. وهنا يبقى دور المتخصص حاسماً. فالآلة قد تقرأ الحرف. لكن الباحث هو الذي يعرف لماذا كُتب، ومن كتبه، وما علاقته بنسخة أخرى، وهل الخطأ من الناسخ أم من الخوارزمية، وما الذي يعنيه النص في سياقه التاريخي.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يفتح الباب؛ لكنه لا يستطيع وحده أن يكتب تاريخ الغرفة التي وراءه.
السريانية ليست لغة ميتة في صندوق زجاجي
السريانية ليست مجرد لغة «أجنبية قديمة» ظهرت فجأة في مكتبة أوروبية. إنها جزء أصيل من التاريخ الثقافي للمشرق. ازدهرت عبر مناطق واسعة من بلاد ما بين النهرين والشام، وكانت لغة أدب ولاهوت وفلسفة وترجمة وعلم. ومن خلال حركة الترجمة بين السريانية واليونانية والعربية، لعب علماء ومترجمون سريان دوراً مهماً في انتقال المعارف في القرون الأولى للحضارة العربية الإسلامية.
ولهذا فإن رقمنة التراث السرياني وقراءته آلياً لا تخص مجتمعاً أكاديمياً صغيراً فحسب. إنها تمس إحدى الطبقات العميقة للذاكرة الثقافية للمشرق.
بل إن عرض فيينا نفسه يجمع السريانية والعربية الكرشونية؛ أي العربية المكتوبة بالحروف السريانية، وهي في حد ذاتها شاهد رائع على أن الحدود بين اللغات والثقافات لم تكن دائماً بالصلابة التي نتخيلها اليوم. ويقول منظمو العرض إن هذه المخطوطات تكشف الشبكات التي أحاطت بالطباعة السريانية الأولى ودور فيينا بوصفها بوابة للشرق.
الكرشونية: عندما تكون اللغة عربية والحروف سريانية
وقد تكون هذه واحدة من أكثر التفاصيل إثارة للقارئ غير المتخصص. فبعض المسيحيين المشارقة كتبوا العربية باستخدام الأبجدية السريانية، فيما يعرف بالكرشونية أو الغرشونية. أي أنك إذا نظرت إلى الصفحة قد ترى حروفاً سريانية. لكن إذا قرأتها، تجد اللغة عربية.
وهذه الظاهرة وحدها تروي تاريخاً كاملاً من التعايش والتداخل اللغوي في المشرق: جماعات تتكلم العربية، لكنها ظلت تحتفظ بالسريانية في صلواتها وشعائرها الكنسية، وتستخدم حروفها أحياناً في كتابة العربية.
الآلة التي تتعلم اليوم قراءة خط موسى المارديني تذكّرنا بأن المخطوط لا يموت ما دام هناك من يستطيع أن يعيد فتحه
وبالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، تصبح المسألة أكثر تعقيداً وإثارة: عليه ألا يتعامل فقط مع لغة وخط، بل مع حالات يمكن أن تتغير فيها اللغة ويبقى نظام الكتابة.
ولهذا فإن المشاريع التي تبدأ اليوم بمخطوط واحد يمكن أن تفتح لاحقاً أسئلة أكبر بكثير حول كيفية قراءة الأرشيف المشرقي المتعدد اللغات.
موسى المارديني يعود إلى فيينا
وهكذا، عندما يُعرض مخطوط موسى المارديني في فيينا هذا الأسبوع، لن يكون مجرد كتاب قديم خلف زجاج. سيكون أمامنا ثلاثة أزمنة في وقت واحد. ماردين والمشرق في القرن السادس عشر. فيينا عصر الطباعة الأولى. وعصر الذكاء الاصطناعي.
الرجل الذي جاء إلى أوروبا ليعلّم علماءها كيف يقرأون السريانية، أصبح خطه بعد قرون معلماً من نوع آخر. مرة علّمَ البشر. والآن يساعد في تعليم الآلة.
من يد المارديني إلى المطبعة.. ومن المطبعة إلى الخوارزمية
وربما تكمن المفارقة الأجمل هنا. في سنة 1555، كانت التكنولوجيا الجديدة هي المطبعة. كان السؤال آنذاك: كيف نحوّل الحرف السرياني المكتوب باليد إلى قالب معدني يستطيع أن ينتج مئات النسخ؟ وكان خط موسى المارديني جزءاً من الإجابة.
بعد قرابة خمسة قرون، التكنولوجيا الجديدة هي الذكاء الاصطناعي.
والسؤال أصبح معكوساً تقريباً: كيف نجعل الآلة تنظر إلى الحرف المكتوب باليد وتعيده إلى نص يمكن قراءته والبحث فيه؟
ومرة أخرى، كان خط موسى المارديني جزءاً من الإجابة. من يد ناسخ مشرقي إلى حروف من معدن. ومن حروف الناسخ إلى خوارزمية. وبينهما ظل المخطوط في مكانه، ينتظر قارئاً جديداً.
عندما يصبح الماضي قابلاً للبحث
هناك عبارة تتكرر كثيراً في عصرنا: «رقمنة التراث».
لكن قصة مخطوط فيينا تكشف أن الرقمنة الحقيقية قد تعني شيئاً أعمق من تصوير صفحات قديمة ووضعها على الإنترنت. الصورة تحفظ شكل الصفحة. أما تحويل الكتابة إلى بيانات قابلة للقراءة والبحث والمقارنة، فيمكن أن يجعل الأرشيف نفسه يعمل بطريقة جديدة.
وقد تكون هذه هي الثورة الهادئة التي تبدأ الآن في مكتبات العالم.
ليس أن يكتب الذكاء الاصطناعي كتباً جديدة فقط. بل أن يساعدنا على قراءة الكتب القديمة التي كتبناها نحن، ثم عجز كثير منا عن الوصول إليها.
وفي هذا المعنى، لا تبدو قصة موسى المارديني حكاية عن انتصار التكنولوجيا على الماضي. العكس أقرب إلى الحقيقة. إنها حكاية عن حاجة التكنولوجيا الأحدث إلى يد إنسان مات قبل قرون كي تتعلم منها.
قبل 472 عاماً، جلس موسى المارديني في فيينا وحرّك قلمه فوق الرق، حرفاً حرفاً.
لم يكن يعرف أن شكل تلك الحروف سيصبح يوماً بيانات تدريب، ولا أن آلة ستتعلم من انحناءات يده، ولا أن قارئاً في القرن الحادي والعشرين سيتمكن من وضع صورة صفحة أمام حاسوب ويطلب منه أن يحاول قراءتها. لكن هذا ما حدث. نجا المخطوط من الزمن، ثم حدث ما هو أغرب: بدأ الزمن الجديد يتعلم كيف يقرأه.