باريس- “صوت صورة”:
أنهى المخرج الألماني فيم فيندرس والممثلة ناستاسيا كينسكي نزاعاً امتد سنوات بشأن مشهد عري ظهرت فيه كينسكي وهي قاصر في فيلم «الحركة الخاطئة»، الذي أُنجز عام 1975، بعدما وافق المخرج على حذف المشهد من النسخ التي ستتاح مستقبلاً، وقدم للممثلة اعتذاراً علنياً وغير مشروط.
وأعلن الطرفان، في بيان مشترك نشرته مؤسسة فيم فيندرس، أن الخلاف المتعلق بالمشهد قد سُوّي، وأن فيندرس استجاب لطلب كينسكي بحذف المقطع الذي كانت تعترض على بقائه ضمن الفيلم.
وجاء في البيان أن المخرج «اعتذر إلى ناستاسيا كينسكي واستجاب لطلبها بإزالة المشهد محل الاعتراض»، مضيفاً أن الطرفين حريصان على ألا يستمر النزاع في حجب القيمة الفنية والتاريخية للفيلم، وعلى استعادة الصداقة التي جمعتهما على مدى سنوات.
مشهد صُوّر في سن الثالثة عشرة
ظهرت كينسكي في الفيلم وهي عارية الصدر، وكانت تبلغ نحو 13 عاماً عند التصوير. ويستغرق المشهد قرابة دقيقتين، ويظهر فيه رجل يصفع الشخصية التي تؤديها، ثم يربت على وجهها، بينما لا ترتدي سوى ملابس داخلية سفلية.
وقالت الممثلة، البالغة حالياً 65 عاماً، إنها سعت طوال سنوات إلى حذف المشهد، معتبرة أنها لم تحظ بالحماية الكافية بوصفها طفلة تشارك للمرة الأولى في عمل سينمائي. وكانت قد استعانت بمحامٍ أعلن الاستعداد لاتخاذ إجراءات قانونية رسمية في حال عدم التوصل إلى حل.
وفي مقابلة صحفية سابقة، وصفت كينسكي الفيلم بأنه تجربتها السينمائية الأولى، وقالت إنها، على الرغم من صغر سنها وقلة خبرتها، كانت تدرك أن ما حدث أثناء تصوير المشهد «لم يكن أمراً صحيحاً». وذكرت تقارير صحفية أنها حاولت طوال نحو 15 عاماً دفع المخرج إلى تعديل الفيلم.
سحب الفيلم من التداول
سبق لمؤسسة فيندرس، المالكة لحقوق الفيلم، أن أعلنت في 3 يونيو/حزيران 2026 سحبه من جميع قنوات العرض والتوزيع المتاحة، وطلبت من منصات البث والقنوات التلفزيونية وشركات التوزيع وقف إتاحته للجمهور إلى حين التوصل إلى صيغة متفق عليها مع كينسكي.
وأكدت المؤسسة آنذاك أن الفيلم لن يعود إلى التداول إلا بعد إجراء نقاش موسع بشأن طريقة التعامل مع الأعمال السينمائية المثيرة للجدل، وبمشاركة كينسكي في صياغة الحل النهائي.
وبموجب التسوية الجديدة، لن يقتصر الأمر على وقف عرض النسخة القديمة، بل سيُحذف المشهد المعترض عليه من النسخ التي ستُعتمد مستقبلاً، بما يسمح بإعادة الفيلم إلى التداول من دون المقطع الذي ظل موضع خلاف.
اعتذار «دون أي تحفظ»
قدم فيندرس، البالغ 80 عاماً، اعتذاراً مباشراً إلى كينسكي، قائلاً إنه، بصفته الشخص الوحيد الذي ما زال على قيد الحياة من بين المسؤولين الأساسيين عن الفيلم، يدرك اليوم أنه كان يتعين توفير حماية أفضل لها خلال التصوير.
وأضاف في اعتذاره: «لهذا أعتذر إليك يا ناستاسيا، دون أي تحفظ أو مواربة».
وقال المخرج إن ردود الفعل والنقاشات العامة التي أعقبت إثارة القضية أسهمت في إعادة تقييمه لما حدث قبل أكثر من نصف قرن، وفي تعميق فهمه لمسؤوليته بوصفه مخرج العمل.
وكان فيندرس قد تطرق إلى القضية خلال حفل جوائز السينما الألمانية في مايو/أيار الماضي، مؤكداً أنه لن يصور المشهد بالطريقة نفسها لو كان يصنع الفيلم اليوم. لكنه أشار، في الوقت ذاته، إلى أن الفيلم أُنجز في سياق تاريخي وثقافي مختلف، وأن تعديل الأعمال القديمة يثير أسئلة معقدة بشأن حماية أصحاب التجارب المؤلمة والحفاظ على التراث السينمائي.
وأثارت تلك التصريحات انتقادات في الأوساط الثقافية الألمانية، إذ رأى منتقدون أن استحضار «معايير العصر» لا يلغي المسؤولية الفردية عن تصوير طفلة في مشهد عري، ولا يسقط حقها في الاعتراض على استمرار تداول صورتها بعد بلوغها سن الرشد.
فيلم بارز في سينما الطريق الألمانية
يحتل فيلم «الحركة الخاطئة»، المعروف بالألمانية باسم Falsche Bewegung وبالإنجليزية باسم Wrong Move، مكانة مهمة في المسار المبكر لفيم فيندرس. وهو الجزء الثاني من ثلاثيته المعروفة بـ«ثلاثية الطريق»، بين فيلمي «أليس في المدن» الصادر عام 1974 و«ملوك الطريق» الصادر عام 1976.
كتب سيناريو الفيلم الكاتب النمساوي بيتر هاندكه، مستلهماً رواية غوته «سنوات تعلم فيلهلم مايستر». ويتابع العمل رحلة شاب يطمح إلى أن يصبح كاتباً، لكنه يكتشف أن السفر والتنقل لا يقودان بالضرورة إلى معرفة الذات أو تجاوز العزلة.
أدت كينسكي في الفيلم دور «مينيون»، وهي فتاة صامتة ترافق مجموعة من الشخصيات خلال رحلتها في ألمانيا الغربية. وكان الدور أول ظهور سينمائي لها، قبل أن تتحول لاحقاً إلى واحدة من أبرز الممثلات الأوروبيات العاملات في السينما الدولية.
وحصل الفيلم عند صدوره على عدد من جوائز السينما الألمانية، من بينها جوائز الإخراج والسيناريو والتصوير والمونتاج والموسيقى والتمثيل الجماعي.
تعاون استمر بعد الفيلم
على الرغم من تجربة «الحركة الخاطئة»، تعاونت كينسكي مع فيندرس في أعمال لاحقة، أبرزها فيلم «باريس، تكساس» عام 1984، الذي يعد من أشهر أفلام المخرج وحصل على السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي.
كما ظهرت في فيلمه «بعيد، قريب جداً!» عام 1993، ضمن علاقة فنية وشخصية امتدت لعقود قبل أن يعيد المشهد القديم فتح أسئلة تتعلق بحدود سلطة المخرج، وحقوق الممثلين القاصرين، ومسؤولية المؤسسات المالكة للأفلام بعد انتهاء تصويرها بسنوات طويلة.
بين صون التراث وحقوق المؤدين
تتجاوز القضية الخلاف الشخصي بين مخرج وممثلة، لتلامس نقاشاً أوسع تشهده المؤسسات السينمائية حول كيفية التعامل مع الأعمال القديمة التي تتضمن مشاهد أو ممارسات لم تعد مقبولة أخلاقياً أو مهنياً.
ويطرح حذف المشهد سؤالاً حول ما إذا كان تعديل العمل بعد عقود يمثل انتقاصاً من سلامته التاريخية، أم تصحيحاً لضرر وقع على إحدى المشاركات فيه، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بقاصر لم تكن تملك القدرة القانونية والمهنية الكاملة على الموافقة.
واقترحت مؤسسة فيندرس إشراك أكاديمية السينما الألمانية والمعهد الألماني للسينما ومؤسسات حفظ التراث السينمائي وأجيال مختلفة من العاملين في المجال، من أجل بلورة قواعد أكثر وضوحاً للتعامل مع هذه الحالات.
وبإنهاء النزاع وحذف المشهد، يبدو أن فيندرس وكينسكي اختارا تقديم سلامة الممثلة وحقها في الاعتراض على بقاء صورتها العارية على الالتزام الحرفي بالنسخة الأصلية للفيلم؛ وهي خطوة قد تشكل سابقة مهمة في النقاش الأوروبي المتصاعد بشأن أخلاقيات الأرشيف السينمائي، وحدود إعادة تحرير الأعمال الفنية في ضوء شهادات المشاركين فيها.
(وكالات)