«الأوديسة» التي أغضبت إيلون ماسك: فن أم أجندة؟

باريس- “صوت صورة”:

من اعتراض على اختيار لوبيتا نيونغو لتجسيد هيلين الطروادية، إلى اتهام كريستوفر نولان بالخضوع لقواعد الأوسكار والتلويح بإنتاج نسخة بالذكاء الاصطناعي؛ يكشف هجوم إيلون ماسك على فيلم «الأوديسة» أن الخلاف يتجاوز حدود الأمانة الأدبية والتاريخية، ليصبح فصلاً جديداً من الصراع حول الهوية والتمثيل والسلطة الثقافية في هوليوود.

لم يكن الجدل الذي أحاط بفيلم «الأوديسة» للمخرج البريطاني كريستوفر نولان نقداً سينمائياً بالمعنى التقليدي. فقبل أن يُتاح الفيلم للجمهور على نطاق واسع، تحوّل اختيار بعض ممثليه إلى مادة لحملة سياسية وثقافية قادها إيلون ماسك عبر منصته «إكس»، متهماً نولان بأنه ضحّى بـ«نزاهته» وأخضع ملحمة هوميروس لمعايير التنوع والتمثيل المعاصرة.

بدأت المواجهة بصورة أكثر وضوحاً في نهاية يناير/كانون الثاني 2026، عندما أعاد ماسك نشر انتقادات لاختيار الممثلة الكينية المكسيكية الحائزة جائزة الأوسكار لوبيتا نيونغو في الفيلم. وكتب في رد مباشر: «كريستوفر نولان فقد نزاهته». وكان الاعتراض قائماً على تقارير أفادت بأن نيونغو تؤدي دور هيلين الطروادية؛ وهو ما تأكد لاحقاً مع عرض الفيلم، إذ جسدت الممثلة شخصيتي هيلين وشقيقتها كليتمنسترا.

لم يتوقف ماسك عند مسألة الاختيار التمثيلي. ففي موجات متتابعة من المنشورات وإعادة النشر، روّج لفكرة أن نولان استعان بممثلين من خلفيات عرقية وجندرية مختلفة كي يستوفي شروط الأهلية لجائزة أوسكار أفضل فيلم. ووافق على منشورات اتهمت المخرج بالإساءة إلى التراث اليوناني، كما ربط اختياراته برغبته في الحصول على الجوائز، وهاجم مشاركة لوبيتا نيونغو والممثل المتحوّل جنسياً إليوت بيج، الذي يؤدي دور الجندي اليوناني سينون.

 هل فرضت الأكاديمية اختيارات الفيلم؟

تمثل قواعد الأوسكار إحدى النقاط الأكثر التباساً في خطاب ماسك ومؤيديه. فالأكاديمية الأميركية لفنون وعلوم الصور المتحركة تشترط بالفعل أن يستوفي الفيلم المرشح لفئة أفضل فيلم معيارين من أصل أربعة معايير تتعلق بالتمثيل والتوظيف والتدريب وفرص الوصول إلى صناعة السينما. غير أن هذه القواعد لا تفرض إسناد شخصية بعينها إلى ممثل من عِرق محدد، ولا تشترط تغيير الهوية الإثنية لشخصية رئيسية.

يمكن للفيلم تحقيق الأهلية عبر العاملين خلف الكاميرا، أو فرق الإنتاج والتسويق والتوزيع، أو برامج التدريب والتطوير المهني، فضلًا عن التمثيل على الشاشة. ومن ثم لا يوجد دليل معلن يثبت أن اختيار نيونغو كان ضرورياً لتأهيل «الأوديسة» للأوسكار، كما لا تكشف قواعد الأكاديمية عن وجود حصة عرقية مفروضة على دور هيلين تحديداً.

بهذا المعنى، تستند حجة ماسك إلى استنتاج سياسي أكثر مما تستند إلى معلومة إنتاجية مثبتة: وجود ممثلين متنوعين في العمل يتحول تلقائياً، في هذه القراءة، إلى دليل على أن قرار الاختيار لم يكن فنياً، بل خضوعاً مؤسسياً لما يسميه ماسك ومناصروه ثقافة «الووك».

 «الدقة التاريخية» في عمل أسطوري

رفع ماسك أيضاً شعار «الدقة التاريخية»، معلناً أن منصة Grok Imagine التابعة لشركته للذكاء الاصطناعي ستصنع معالجة لهوميروس أكثر دقة من نسخة نولان. غير أن مفهوم الدقة هنا يطرح إشكالاً جوهرياً: «الأوديسة» ليست سجلاً تاريخياً أو سيرة موثقة، بل قصيدة ملحمية تأسست عبر تقاليد شفهية، وتمتزج فيها الجغرافيا القديمة بالآلهة والحوريات والعمالقة والوحوش والتحولات الخارقة.

هذا لا يعني أن سؤال الوفاء للنص الأصلي غير مشروع. فمن حق النقاد والقراء مناقشة كيفية تصوير العالم الإغريقي، أو مدى ملاءمة الممثلين للشخصيات، أو حدود الحرية التي يملكها المخرج عند اقتباس عمل كلاسيكي. لكن وصف المشكلة بأنها «تاريخية» حصراً يتجاهل أن هيلين شخصية أسطورية وصلت إلى الثقافة الحديثة عبر قرون من الرسم والمسرح والشعر والترجمة والسينما، وأن صورتها لم تكن يوماً ثابتة خارج عمليات التأويل المتعاقبة.

كما أن الاعتراضات المتعلقة بالدقة لم تتجه بالقوة نفسها إلى عناصر أخرى في الفيلم. فقد أثيرت، منذ نشر الصور والمواد الدعائية الأولى، تساؤلات حول الدروع والخوذ والسفن والزمن التاريخي الذي توحي به الملابس، وهي مسائل أقرب إلى البحث الأثري من لون بشرة ممثلة تجسد شخصية أسطورية. ومع ذلك، ظلت هوية نيونغو وبيج مركز حملة ماسك، ما يشير إلى أن «الدقة» لم تكن سوى أحد أطر نزاع أشمل على التمثيل الثقافي.

 رد نولان: لا تحاكموا الفيلم قبل مشاهدته

تعامل كريستوفر نولان مع الحملة بوصفها ضوضاء سابقة لأوانها. ووصف الاعتراضات على اختياراته بأنها غير ذات صلة ما دام المنتقدون لم يكونوا قد شاهدوا الفيلم بعد. واستعاد تجربته مع سلسلة «باتمان»، ولا سيما الهجوم الذي سبق ظهور هيث ليدجر في دور الجوكر، قبل أن يصبح الأداء لاحقاً واحداً من أشهر أدوار أفلام القصص المصورة.

وشدد نولان على أن الاقتباس الصادق لا يعني النقل الحرفي، وأن المخرج مطالب بتقديم رؤيته الخاصة للمادة، لا بتجميدها في الصورة التي اعتادها قسم من الجمهور. وبالنسبة إليه، يرتبط الوفاء لهوميروس بالموضوعات والبنية الدرامية والخبرة الإنسانية التي تولّدها الرحلة، وليس بإعادة بناء متحف بصري متخيَّل للعالم القديم.

 من نقد فيلم إلى مشروع أيديولوجي

تكشف لغة ماسك أن غضبه من «الأوديسة» ليس حادثة منفصلة. فمنذ أعوام، يقدم الملياردير نفسه باعتباره خصماً لمؤسسات الإعلام والتعليم والترفيه التي يتهمها بفرض رؤية تقدمية للعرق والجندر والتاريخ. وامتلاكه منصة «إكس» يمنحه في هذا الصراع دورين متداخلين: فهو مشارك ذو جمهور واسع، وفي الوقت نفسه مالك البنية التي تنتشر فوقها المعركة وتتضخم.

لهذا يصعب فهم حملته باعتبارها دفاعاً محضاً عن هوميروس. ما يزعج ماسك، على الأرجح، هو ما يمثله اختيار نيونغو وبيج في نظره: حق المؤسسة السينمائية المعاصرة في إعادة توزيع الصور والرموز التي ظلت طويلاً مرتبطة بهوية أوروبية بيضاء ومغايرة جنسياً. أما خصومه فيرون في موقفه محاولةً لتحويل الموروث الكلاسيكي إلى ملكية إثنية مغلقة، ورفضاً لمبدأ أن الأسطورة العالمية تستطيع اكتساب وجوه جديدة.

لا يمكن الجزم بدافع نفسي خفي لدى ماسك، لكن نمط تصريحاته يوفر أساساً لقراءة سياسية واضحة. فهو لم يقدم تحليلاً مفصلاً لبنية الفيلم أو لغته البصرية أو معالجة نولان لشخصية أوديسيوس، بل ركّز على عرق ممثلة وهوية ممثل، وعلى قواعد التنوع والأوسكار. لذلك يبدو الخلاف أقرب إلى معركة حول من يملك حق تمثيل الغرب الكلاسيكي، لا إلى مراجعة سينمائية متكاملة.

مفارقة النجاح التجاري

أضاف استقبال الفيلم مفارقة إلى النزاع. فالحملة الرقمية لم تمنع «الأوديسة» من تحقيق انطلاقة تجارية كبيرة، قبل أن تتجاوز إيراداته العالمية، وفق التقارير المنشورة في نهاية يوليو/تموز، حاجز 600 مليون دولار. وبذلك لم تتحقق النبوءة المتداولة في الخطاب المناهض للتنوع: «اذهب نحو الووك، تفشل تجارياً».

ولا يعني النجاح المالي أن الفيلم فوق النقد أو أن كل اختيارات نولان ناجحة بالضرورة. فقد ظهرت، بعد عرضه، انتقادات فنية وأدبية أكثر جدية؛ من بينها مراجعة قاسية للمترجمة والباحثة في الأدب الكلاسيكي إميلي ويلسون، التي انتقدت السيناريو وبناء الشخصيات ومعالجة موضوعات الزمن والذاكرة والحرب. ويكشف ذلك الفارق بين نقد ينطلق من قراءة الفيلم نفسه، وحملة سبقت مشاهدته وتركزت على هويات أفراده.

 القرصنة تعيد الجدل إلى منصة ماسك

اتخذت القضية منعطفاً إضافياً في 27 يوليو/تموز، عندما رُفعت نسخة مقرصنة من الفيلم على منصة «إكس» وشاهدها الملايين قبل حذفها وتعليق الحساب الذي نشرها. وقالت شركة يونيفرسال إنها تحركت سريعاً لحماية حقوق الملكية الفكرية.

لا يوجد دليل معلن على أن ماسك أمر بنشر النسخة أو سمح بها شخصياً. لكن الحادثة حملت دلالة رمزية وسياسية واضحة: الفيلم الذي هاجمه مالك المنصة مراراً أصبح متاحاً بصورة غير قانونية على المنصة نفسها، بعد أيام من إعلانه رغبته في منافسته بنسخة مولّدة بالذكاء الاصطناعي. وهكذا انتقل السجال من حرية الاقتباس والتمثيل إلى أسئلة تتعلق بمسؤولية المنصات وحقوق المبدعين وحدود استخدام الذكاء الاصطناعي في إعادة إنتاج التراث والأعمال المحمية.

 «الأوديسة» بوصفها مرآة للحاضر

منذ قرابة ثلاثة آلاف عام، بقيت ملحمة هوميروس حية لأنها لم تتوقف عن التحول. أعادت كل حقبة قراءة أوديسيوس وهيلين وبينيلوبي وفق مخاوفها ورغباتها: مرةً بوصفهم أبطالاً، ومرة ضحايا، ومرة نماذج للاستعمار أو المنفى أو الذكاء أو الخيانة أو البقاء.

ولذلك ربما لا يدور الجدل الحالي حول اليونان القديمة بقدر ما يدور حول حاضرنا: هل الكلاسيكيات آثار ينبغي حراسة صورتها الموروثة، أم نصوص مفتوحة يحق لكل جيل إعادة تخيلها؟ وهل يصبح الاختيار التمثيلي المختلف تحريفاً، أم أنه جزء من تاريخ طويل من الاقتباس؟ ومن يحدد أصلاً الهيئة «الصحيحة» لشخصية صنعها الشعر والأسطورة؟

مشكلة ماسك الحقيقية مع «الأوديسة»، كما تكشف تصريحاته، ليست أن نولان غيّر واقعة تاريخية مؤكدة، بل أن الفيلم يمارس حقاً ثقافياً لا يقبله ماسك بسهولة: إعادة تخيل أحد النصوص المؤسسة للمخيال الغربي خارج القوالب العرقية والجندرية التي يعتبرها هو طبيعية وأصيلة.

أما قيمة السجال، بعيداً عن الإهانات والاستقطاب، فتكمن في إعادته طرح سؤال قديم: كيف نكون أوفياء للنصوص الكلاسيكية؟ هل يكون الوفاء بتكرار الصور التي صنعتها عنها القرون المتأخرة، أم بالإبقاء عليها حية، قابلة للتأويل والمساءلة والتجسد في وجوه لم يمنحها التاريخ التقليدي موقعاً في مركز المشهد؟

(وكالات)

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا