عمر موسى يفوز بجائزة مايلز فرانكلين.. كيف تولد رواية من هويتين

باريس- “صوت صورة”:

نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية، في قسم الكتب، خبر فوز الكاتب والشاعر ومغني الراب الأسترالي ذي الجذور الماليزية عمر موسى بجائزة مايلز فرانكلين الأدبية لعام 2026 عن روايته الثانية «فيرسلاند» Fierceland. ويمنح هذا الفوز الرواية موقعًا بارزًا في الأدب الأسترالي المعاصر، لكنه يلفت الانتباه أيضًا إلى تجربة فنية يصعب حصرها في هوية واحدة أو قالب أدبي واحد.

فعمر موسى ليس روائيًا جاء إلى الأدب من الطريق المعتاد. إنه شاعر ومغني راب وفنان بصري، نشأ في مدينة كوينبيان الأسترالية، ويحمل في تجربته العائلية والثقافية صلة عميقة بجزيرة بورنيو الماليزية. وقد أصدر مجموعات شعرية وألبومات هيب هوب، وكتباً للمسرح، وأقام معارض لأعمال الحفر على الخشب، قبل أن يجعل من هذه الفنون المتعددة روافد تصب في روايته الجديدة.

في «فيرسلاند»، لا يضع موسى الراب إلى جوار الرواية بوصفه زينة موسيقية، ولا يستحضر التراث الملايوي باعتباره خلفية سياحية بعيدة. إنه يحاول أن يجعل الرواية نفسها تولد من التوتر بين عالمين: أستراليا التي نشأ وكتب فيها، وبورنيو التي ورث منها الحكايات والذاكرة والأسئلة المؤجلة.

 عودة إلى جنازة الأب

تدور الرواية حول الشقيقين روز وهارون، اللذين يعودان بعد سنوات من العيش في الخارج إلى بورنيو الماليزية لحضور جنازة والدهما يوسف. تبدو العودة في البداية واجبًا عائليًا، لكنها تتحول تدريجيًا إلى مواجهة مع ميراث ثقيل من الأسرار والثروة والعنف.

الرواية هنا لا تختار بين إيقاع الراب وحكايات الأجداد؛ إنها تبحث عن لغة تستطيع أن تحملهما معاً

كان الأب واحدًا من كبار رجال صناعة زيت النخيل خلال مرحلة الصعود الاقتصادي في ماليزيا. وقد بنى ثروته، وفق حبكة الرواية، على إزالة مساحات واسعة من الغابات، كما يعرف أبناؤه أنه متورط في الاختفاء العنيف لرجل وقف في طريقه. وهكذا لا يرث الابنان المال والاسم العائلي فقط، بل يرثان أيضًا مسؤولية أخلاقية عن ماض لم يصنعاه بأيديهما.

تعيش روز في سيدني وتحاول بناء حياتها بوصفها فنانة، بينما يصبح هارون رجل أعمال ناجحًا في مجال التكنولوجيا في لوس أنجليس. كلاهما ابتعد جغرافيًا عن بورنيو، لكن وفاة الأب تعيدهما إلى المكان الذي بدأت فيه الحكاية، وتجبرهما على السؤال عما يمكن فعله بإرث صنعته المحبة العائلية والفساد وتدمير الطبيعة في الوقت نفسه.

الرواية، بهذا المعنى، لا تتحدث فقط عن أب مستبد أو أبناء يحاولون التحرر من ظله. إنها تسأل: كيف يمكن للإنسان أن يحب شخصًا حين يعرف أن هذا الشخص شارك في تدمير حياة الآخرين؟ وهل يكون الاعتراف بالماضي نوعًا من الخيانة للعائلة، أم بداية للخروج من سلطتها؟

الغابة التي تتحول إلى شخصية

تقع أحداث أساسية من «فيرسلاند» في ولاية صباح، الواقعة في الجزء الماليزي من جزيرة بورنيو. والغابة هناك ليست مجرد مكان تدور فيه الأحداث؛ إنها واحدة من الشخصيات المركزية في الرواية.

في طفولة روز وهارون، تبدو الغابة عالمًا كثيفًا وغامضًا ومفتوحًا على الأساطير. لكن هذا العالم يتراجع أمام مزارع زيت النخيل، ويصبح اختفاء الأشجار جزءًا من اختفاء الذاكرة والمجتمعات المحلية وأشكال الحياة التي لا يمكن تعويضها.

لاحظت مراجعة سابقة للرواية في «الغارديان» أن موسى يربط بين التكنولوجيا والأسطورة وخيال الطفولة والواقع البيئي، وأن الغابة هي الخيط الذي يجمع أجزاء السرد المتشعبة. وبينما يهرب الطفلان إلى عالم ألعاب الفيديو، يكون العالم الحقيقي المحيط بهما في طور التفكيك والتدمير.

هنا تلتقي رواية العائلة بالرواية البيئية. فالأب الذي يريد بناء مستقبل أفضل لأبنائه يحقق هدفه عبر صناعة تلتهم الغابة. والثروة التي تمنح الأسرة المدارس الجيدة والقدرة على السفر تخفي وراءها خسارة لا تتحملها الأسرة وحدها، بل يتحملها المكان وسكانه.

بهذا المعنى، لا تقدم الرواية البيئة باعتبارها قضية منفصلة عن الإنسان. تدمير الغابة متصل بالاستعمار وبناء الدولة وصعود رجال الأعمال وبحث العائلات الفقيرة عن الثروة. ويصبح السؤال البيئي جزءًا من سؤال أكبر: من يدفع ثمن التقدم حين تكتب قصته الدول والشركات بوصفه نجاحًا اقتصاديًا؟

الرواية التي تسمع إيقاع الراب

من أبرز ما يميز «فيرسلاند» أن مؤلفها جاء إلى الرواية من الشعر والراب والأداء الشفهي. ولذلك لا يسير السرد دائمًا في جمل هادئة ومتجانسة، بل ينتقل بين أصوات وإيقاعات وأشكال مختلفة.

تصف مراجعة «الغارديان» الرواية بأنها عمل متقلب الشكل، يمزج الأصوات والقصائد والأساطير والتاريخ داخل حكاية عائلية ومكانية واسعة. وفي أفضل مقاطعها، ينتقل موسى من النثر السردي إلى الإيقاع والإنشاد، فتبدو اللغة نفسها وكأنها تحاول تقليد كثافة الغابة وحركتها.

ليس تأثير الراب هنا محصورًا في القافية أو الموسيقى الظاهرة. يظهر أيضًا في سرعة الانتقال بين الصور، وفي تعدد الأصوات، وفي القدرة على الجمع بين الغضب السياسي والحكاية الشخصية. فالراب، بوصفه فنًا نشأ من التعبير عن الهامش والمدينة والهوية والصراع، يمنح الرواية طاقة احتجاجية لا تنفصل عن جمالياتها.

الكاتب المنتمي إلى وطنين لا يكتب من نصفين منفصلين، بل من المسافة المتوترة التي تجمعهما

لكن موسى لا يكتفي بإدخال صوت الراب إلى الرواية، بل يضعه إلى جانب الحكايات والأساطير واللغات القادمة من بورنيو. وتقول لجنة جائزة فيكتوريا الأدبية إن الرواية تتميز بحبها لبورنيو ولغات ولاية صباح، وإنها عمل عن الإحياء بقدر ما هي عمل عن الاقتلاع والفقدان.

هكذا لا تخرج الرواية من هوية واحدة، بل من احتكاك هويات عدة: الإنجليزية ولغات صباح، موسيقى الراب والحكاية الشعبية، المدينة الأسترالية والغابة الماليزية، ثقافة التكنولوجيا وذاكرة الأجداد.

 الرواية هنا لا تختار بين إيقاع الراب وحكايات الأجداد؛ إنها تبحث عن لغة تستطيع أن تحملهما معًا.

ابن ثقافتين أم كاتب على المسافة بينهما؟

يعرّف عمر موسى نفسه بوصفه كاتبًا أستراليًا بورنيويًا. وهو وصف لا يضع الهويتين في مواجهة مباشرة، بل يشير إلى منطقة مشتركة ومضطربة بينهما. وتكشف سيرته أن موضوعات الحدود والإرث الاستعماري والعرق والهجرة حضرت في شعره وموسيقاه وأعماله البصرية قبل ظهور «فيرسلاند».

في أعماله السابقة، تناول موسى العنصرية في أستراليا والعجز الاجتماعي والرجولة والعزلة. كما تناول في كتابه الشعري والفني «كيلرنوفا» التاريخ الاستعماري لجنوب شرقي آسيا، وإرث الأجداد، والبحار والجزر والعرق وتجربة العيش بين الثقافات.

لذلك لا تبدو عودته الروائية إلى بورنيو اكتشافًا متأخرًا لجذور غريبة، بل استمرارًا لمسار فني طويل. إنه لا يكتب عن وطن آبائه من الداخل الكامل ولا من الخارج الكامل. فهو يعرف المكان من خلال الأسرة والزيارات واللغة والذاكرة، لكنه يحمل أيضًا مسافة الكاتب الذي نشأ في أستراليا.

وهذه المسافة قد تكون مصدر قلق، لكنها قد تكون أيضًا مصدرًا للرؤية. فالكاتب المهاجر أو ابن المهاجرين يلاحظ أحيانًا ما اعتاده المقيم فلم يعد يراه، لكنه قد يقع في المقابل في إغراء تحويل الوطن الموروث إلى أسطورة أو جرح دائم.

تقاوم «فيرسلاند» هذا الإغراء عبر تقديم بورنيو بوصفها مكانًا حيًا ومتناقضًا، لا فردوسًا ضائعًا. إنها موطن للغابات والأساطير، لكنها أيضًا موطن لرجال الأعمال والفساد والتكنولوجيا والصراع الطبقي. والوطن فيها ليس مكانًا طاهرًا ينتظر عودة أبنائه، بل تاريخًا من العنف والمحبة والتواطؤ.

 الاستعمار بعد رحيل المستعمر

تعود الرواية باستمرار إلى أشباح الاستعمار، لكن الاستعمار فيها لا يظهر باعتباره مرحلة تاريخية انتهت بخروج البريطانيين. إنه يستمر في الاقتصاد وفي مفهوم التنمية وفي علاقة النخب المحلية بالأرض والثروة.

يتذكر الأب يوسف الفقر الذي عاشه، ويصمم على منح أسرته حياة أفضل. لكن طريقه إلى تحقيق هذا الحلم يستنسخ منطق القوى الاستعمارية التي تعاملت مع الغابات والموارد والبشر بوصفهم مواد قابلة للاستخراج.

وهنا تطرح الرواية مسألة شائكة: هل يمكن للمستعمَر السابق أن يتبنى أدوات المستعمِر ويصبح امتدادًا له؟ وهل يتحول التحرر الوطني إلى شعار فارغ حين تنتقل السيطرة على الأرض من شركة أجنبية إلى نخبة محلية لا تقل عنها قسوة؟

وصفت لجنة جائزة فيكتوريا الرواية بأنها إدانة حادة للاستعمار والميراث، تمتد عبر عقود وقارات لاستخراج أشباح الماضي من مخابئها. كما رأت أن الرواية تسأل كيف يمكن المضي إلى الأمام حين يبدو الغفران قريبًا من النسيان، وحين يستمر الحب إلى جوار معرفة مؤلمة بماضي من نحبهم.

ماذا يعني الفوز بجائزة أسترالية؟

تحمل جائزة مايلز فرانكلين مكانة مركزية في الأدب الأسترالي، ويمنح فوز رواية تدور في جزء كبير منها في بورنيو إشارة إلى اتساع معنى الرواية الأسترالية نفسها.

فأستراليا المعاصرة ليست هوية ثقافية واحدة، وكثير من كتّابها ينتمون إلى عائلات جاءت من آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا وجزر المحيط الهادئ. ولذلك لم يعد الأدب الأسترالي محصورًا في القصص التي تقع بالكامل داخل حدود البلاد، بل أصبح يشمل تجارب الهجرة والعودة والأوطان المتعددة.

فوز «فيرسلاند» يعني أن رواية تحمل لغات صباح وأساطير بورنيو وإيقاعات الراب يمكن أن تُقرأ بوصفها عملًا أستراليًا أساسيًا، لا بوصفها رواية هامشية عن ثقافة بعيدة. وقد أشادت لجنة التحكيم بنثرها اللامع وشكلها الواسع والطموح، وبقدرتها على الجمع بين الحميمية العائلية والامتداد التاريخي والبيئي.

السؤال ليس كيف نحافظ على شكل نقي للأدب، بل كيف نصنع شكلاً يتسع لحياة لم تعد أحادية

لكن هذا الاعتراف يفتح سؤالًا آخر: لماذا يحتاج الأدب القادم من الأطراف إلى جائزة مركزية حتى يراه العالم؟ وكم رواية تكتب بلغات جنوب شرقي آسيا أو أفريقيا أو العالم العربي، لكنها لا تصل إلى القراء الدوليين لأنها لم تمر عبر سوق النشر الإنجليزية؟

 رواية لا تبحث عن نصف مفقود

القيمة الأهم في تجربة عمر موسى أن روايته لا تحاول حل انقسام الهوية باختيار جانب واحد. إنها لا تقول إن أستراليا هي الحاضر وبورنيو هي الماضي، ولا إن الغرب هو الاغتراب والشرق هو الأصالة.

كل مكان في الرواية يحمل تناقضاته. التكنولوجيا قد تمنح الهروب والنجاح، لكنها لا تمحو الذاكرة. والعائلة قد تمنح الحب والأمان، لكنها تحمل أيضًا العنف والصمت. والغابة قد تكون موطنًا للأسطورة، لكنها ليست منفصلة عن الاقتصاد والسياسة.

لذلك تولد «فيرسلاند» من هويتين، لكنها لا تنتهي إلى هوية مركبة مستقرة وسهلة. إنها تظل رواية عن الانقسام والميراث والبحث عن طريقة للعيش مع الماضي من دون تبرئته أو السماح له بابتلاع المستقبل.

ومن الراب إلى الحكاية الملايوية، ومن سيدني إلى صباح، لا يبحث عمر موسى عن نصفه المفقود، بل يصنع لغة أدبية من المسافة بين أنصاف متعددة.

(وكالات)

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا