أثر الخنزير

 

قبل أن أقتلَ الخِنزيرَ في تلك الليلة لم يخطرْ ببالي مرة، طوالَ سنواتِ قيادةِ السيارة في هذه البلاد، أن أخفّف السرعة عند رؤية تلك الإشارة المرورية التي تُحذر من حيواناتٍ برية على الطريق، وعلى كل حال فإن اللافتة كانت تحمل صورةَ غزالٍ نحيلٍ رشيقٍ لا صورةَ خِنزيرٍ بري. لم يكن الخِنزيرُ حاضراً على أي نحو في مخيلتي أساساً. تعرفون؛ في بلادنا هو محذوف من أفلام الكرتون الأجنبية المعربة، ومن الصحف، والكتبِ المدرسية، صوتاً وصورة. هو حاضر فقط بوصفه شتيمةً فادحة.
بدءاً من تلك الليلة، عندما اصطدمتْ سيارتي بذلك الخِنزير، ستتغير حياتي إلى الأبد؛ أنظرُ بإشفاقٍ دائم إلى الجانب الأيمن من السيارة، حيث الأثرُ الدامي للاصطدام، أشفق عليه شخصياً يقطع الطريق من دون أن يتلفّتَ، أو يأخذَ حذرَه.
ما من إشاراتٍ تقول له احذر كائناتٍ معدنية، أو من ثديياتٍ أخرى تعيش معه على نفس الكوكب.
بتّ أسوق على ذلك الطريق ليلاً بسرعة أقل بعشرين كيلومتراً من السقف المحدد، أسخر من لافتة الغَزال كلّما لمحتُها، وأتساءل لماذا تُخفي الحكومةُ حقيقةَ الأمور.
فجأة بات الخِنزير، بدءاً من لحظة مقتله، بل على الرغم من مقتله، حاضراً حولي، في حياتي، بكثافة على الدوام.
في القطار، إثر توقّف مفاجئ قبل دقائقَ من الوصول إلى محطتي، سمعت رجلاً يهاتف أحداً (زوجتَه غالباً) يقول إنه سيتأخر لأن القطارَ تعرّضَ لحادثِ اصطدامٍ بخِنزير!
ما هي سوى لحظات حتى أذاع سائقُ القطار، وراح يكرّر، أن القطار سينهي رحلته في Melun بسبب الخِنزير. لا بدّ أن القطار أصيب بجروح بالغة!
علتْ أصواتُ المتعبين العائدين من يومِ عملٍ طويلٍ بالتذمر والتأفف، نزلَ الحشدُ إلى أرصفة المحطة يبحثون في متاهاتِ الخرائطِ عن حلٍّ لبقية الطريق، وتَوازَعَ الخِنزيرُ والحكومةُ مناصفةً لَعْناتِ الجمهور.
مُندهشٌ حقاً أنّ الخِنزير استطاع اليومَ تعديلَ مصيرِ مئات عائلات الفرنسيين.
ما يُدهشني أكثر؛ كيف عشت سنواتٍ بحالها هنا من دون أن أسمع البتة شيئاً عن الخِنزير!
لا بُدَّ أنه كان حاضراً، فيما أنا الغائب.

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا