باريس- “صوت صورة”:
نشرت «بابليا»، الملحق الثقافي لصحيفة «إلباييس» الإسبانية، اليوم، 5 أغسطس/آب 2026، موضوعاً عن الكاتبة والأنثروبولوجية النرويجية إريكا فاتلاند، التي جعلت من أدب الرحلة وسيلة لقراءة آثار الإمبراطوريات القديمة في حياة الشعوب المعاصرة. ومن آسيا الوسطى إلى الهيمالايا، ومن حدود روسيا إلى مضيق هرمز، تتتبع فاتلاند ما تتركه الحروب والاستعمار والحدود في الذاكرة واللغة والعلاقات الاجتماعية.
قالت الصحيفة في ملحقها إن الكاتبة والأنثروبولوجية النرويجية إريكا فاتلاند لا تسافر بحثاً عن المشاهد الجميلة وحدها، ولا تتعامل مع العالم بوصفه قائمة من الأماكن التي ينبغي التقاط الصور أمامها. رحلاتها محاولة لفهم الكيفية التي يظل بها التاريخ حياً في تفاصيل الحياة اليومية، وكيف تستمر الإمبراطوريات القديمة في التأثير في الشعوب بعد انهيار حصونها واختفاء جيوشها.
في كتبها، تنتقل فاتلاند عبر مساحات جغرافية هائلة: من جمهوريات آسيا الوسطى التي كانت جزءاً من “الاتحاد السوفياتي”، إلى البلدان المحيطة بروسيا، ومن مجتمعات جبال الهيمالايا إلى المناطق التي بقيت فيها آثار الإمبراطورية البرتغالية. لكن اتساع المكان لا يحوّل كتابتها إلى موسوعة جغرافية جافة، لأن الكاتبة تبني سردها من خلال لقاءات قصيرة مع أشخاص عاديين، وتربط حكاياتهم بتاريخ الحدود والاستعمار والحروب والهويات المتنازعة.
ما الذي يبقى بعد رحيل الإمبراطوريات؟
تنطلق إحدى الأفكار المركزية في أعمال فاتلاند من أن الإمبراطوريات لا تختفي تماماً عندما تسقط. قد تنهار القلاع وتصدأ المدافع، لكن آثار السيطرة القديمة تبقى في اللغات، والحدود، والمؤسسات، والذاكرة الجماعية، والعلاقات بين الجماعات المختلفة.
هل يمنح الرحّالة الناس المهمشين صوتاً، أم يأخذ قصصهم ويحوّلها إلى مادة أدبية؟
في كتابها «الملاحون»، تتتبع فاتلاند ما بقي من الإمبراطورية البرتغالية التي أقامت، بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر، شبكة واسعة من الحصون والمواقع التجارية امتدت عبر أفريقيا وآسيا والأميركتين. غير أن اهتمامها لا يقتصر على الأحجار والآثار العسكرية، بل يبحث عن الأثر الإنساني: المجتمعات المختلطة، واللغات الموروثة، والطقوس الدينية، والذكريات العائلية التي بقيت بعد مرور قرون على انتهاء الحكم البرتغالي.
وتستحضر المادة المنشورة في «بابليا» قلعة «سيدة الحبل بلا دنس» في جزيرة هرمز، عند مدخل الخليج العربي، لتوضيح كيف يمكن أن تمنح الآثار القديمة عمقاً تاريخياً لصراعات الحاضر. فقد كانت القلعة جزءاً من محاولة البرتغاليين السيطرة على التجارة في الخليج، قبل أن تنتزعها قوات الشاه عباس الأول سنة 1622 بدعم من أسطول شركة الهند الشرقية البريطانية. أما اليوم، فقد تغيرت القوى المتنافسة، لكن مضيق هرمز لا يزال موقعاً حاسماً في صراع المصالح والنفوذ العالمي.
هكذا تصبح الرحلة في كتابة فاتلاند وسيلة لفهم الاستمرار الخفي للتاريخ. فالمكان ليس مجرد بقعة على الخريطة، والقلعة ليست حجراً صامتاً؛ إنهما شاهدان على علاقات القوة التي تغير أسماءها، لكنها لا تختفي بالضرورة.
آسيا الوسطى: حين تصبح الحداثة أمراً مفروضاً
في كتاب «سوفيتستان»، تسافر فاتلاند عبر جمهوريات آسيا الوسطى التي كانت خاضعة للاتحاد السوفياتي. وتتناول التحولات العميقة التي فرضتها السلطة السوفياتية على مجتمعات بدوية وتقليدية، من تغيير الأبجدية وأنماط التعليم إلى إعادة تنظيم الأسرة وموقع المرأة في المجتمع.
من هرمز إلى الهيمالايا، تكشف الرحلة أن الإمبراطوريات قد تسقط، لكن آثارها تبقى في الحدود والذاكرة وحياة الناس.
تكشف الرحّالة أن الحداثة عندما تُفرض بالقوة قد تثير ردود فعل معاكسة. فبعض المجتمعات التي رأت في سياسات المساواة تدخلاً استعمارياً عادت إلى التشبث بممارسات أبوية قاسية بوصفها علامات على الهوية المحلية.
ومن أكثر الأمثلة إيلاماً ممارسة خطف النساء بغرض الزواج في قرغيزستان، المعروفة باسم «آلا كاتشو». يقدم بعض ممارسيها هذه الظاهرة باعتبارها تقليداً بدوياً قديماً، لكن فاتلاند تشير إلى أنها ظاهرة حديثة نسبياً، ارتبط انتشارها بردود الفعل الاجتماعية والهوياتية على سياسات التحديث السوفياتي. وتوضح من خلال مقابلاتها كيف تشترك العائلات والضغوط الاجتماعية وبعض السلطات المحلية في حرمان المرأة من موافقتها وحريتها.
لا تقدم فاتلاند هنا صورة مبسطة يكون فيها الماضي شراً كاملاً والحداثة خيراً مطلقاً، بل تكشف عن العلاقة المعقدة بين الاستعمار والإصلاح والهوية. فقد تحمل السلطة المستعمرة معها بعض أشكال التعليم أو المساواة، لكنها تفرضها في الوقت نفسه من موقع الهيمنة، الأمر الذي يجعل المجتمع يرفض الإصلاح أحياناً لأنه جاء في صورة أمر خارجي.
النساء في قلب أدب الرحلة
تتكرر أوضاع النساء في معظم المناطق التي تزورها فاتلاند. ففي كتابها عن الهيمالايا، تلتقي شابة من كاتماندو تحلم بأن تكون لها غرفة خاصة وحياة تختلف عن حياة أمها التي عانت العنف الزوجي والاعتداء منذ سن مبكرة.
وفي موزمبيق، تتابع مبادرات محلية تحاول منع الفتيات من ترك الدراسة والزواج قبل سن الخامسة عشرة. ومن خلال هذه اللقاءات، لا تظهر النساء باعتبارهن مجرد ضحايا، بل باعتبارهن أيضاً فاعلات يحاولن تغيير أوضاعهن عبر التعليم والتنظيم والعمل المجتمعي.
وتكمن قوة هذه الكتابة في انتقالها بين الصورة الكبيرة والصوت الفردي. فالقارئ يتعرف إلى الإمبراطوريات والحروب والحدود، لكنه يراها من خلال امرأة تريد مواصلة تعليمها، أو أسرة شطرتها الحدود، أو جماعة تحتفظ بلغة تعود إلى قوة استعمارية غادرت منذ قرون.
الرحّالة وأخلاق أخذ الحكايات
مع ذلك، لا تخلو طريقة فاتلاند من الأسئلة الأخلاقية. فهي تقابل أشخاصاً لفترات قصيرة، وتسألهم عن تجارب شديدة الخصوصية والألم، ثم تغادر لتكتب عنهم في كتاب يقرأه جمهور واسع.
تشير مادة «بابليا» إلى أن بعض من تقابلهم يطلبون منها المال، بينما تجيب بأن عملها هو الكتابة وإخبار العالم بما يشعر به الناس، وأنها لا تدفع مقابل المقابلات. لكنها تعترف، في بعض المواقف، بأن تمسكها بهذه القاعدة يبدو فارغاً ونظرياً عندما تترك شخصاً فقيراً بعد أن أخذت منه حكايته.
وهنا يظهر أحد أصعب أسئلة أدب الرحلة المعاصر: هل يمنح الرحّالة الناس المهمشين صوتاً، أم يأخذ قصصهم ويحولها إلى مادة أدبية؟
لا توجد إجابة بسيطة. فمن دون الرحالة والكتاب والمصورين قد تبقى حكايات كثيرة مجهولة، لكن نقل حياة الآخرين يضع الكاتب أمام مسؤولية كبيرة. إنه يختار الأسئلة، ويختصر الإجابات، ويحدد ما يظهر وما يُحذف، ويقدم القارئ إلى الشخص من خلال زاويته الخاصة.
الحدود لا تفصل بين الدول فقط؛ إنها تمر أحياناً داخل العائلات والقرى والذاكرة الشخصية.
وتزداد حساسية المسألة عندما يأتي الكاتب من بلد غني ومستقر، ويسافر إلى مناطق تعاني الحرب أو الفقر أو آثار الاستعمار. فالرحالة يستطيع المغادرة، بينما يبقى أصحاب القصص داخل الظروف التي كتب عنها.
الحدود التي تتحرك تحت أقدام الناس
في كتابها «الحدود»، تسافر فاتلاند عبر البلدان المتاخمة لروسيا، وتلتقي جماعات وأفراداً يعيشون آثار النزاعات والهويات المتداخلة. وفي منطقة الهيمالايا وكشمير، تكتب عن أسر لم تنتقل من مكانها، لكن الحدود تحركت من حولها وقسمتها بين دول ومشروعات قومية مختلفة.
هنا لا تبدو الحدود خطاً ثابتاً على الخريطة، بل قوة تعيد تعريف الإنسان: لغته، وجنسيته، وذاكرته، والجهة التي ينبغي أن يعلن ولاءه لها. وقد يجد الفرد نفسه مطالباً بالاختيار بين الاستقلال أو الانضمام إلى هذه الدولة أو تلك، مع أن حياته اليومية وتاريخه العائلي أكثر تعقيداً من الخيارات السياسية المتاحة.
وتكشف كتابة فاتلاند أن الحدود لا تفصل بين الدول فقط؛ إنها تمر أحياناً داخل العائلات والقرى والذاكرة الشخصية.
هل ما زال أدب الرحلة ممكناً؟
في زمن يمكن فيه مشاهدة معظم مدن العالم عبر الخرائط الرقمية ومقاطع الفيديو، قد يبدو أدب الرحلة فناً ينتمي إلى عصر سابق. لكن أعمال فاتلاند تقترح وظيفة مختلفة لهذا الأدب.
فالرحلة ليست إثباتاً لأن الكاتب وصل إلى مكان بعيد، وليست استعراضاً للشجاعة أو المغامرة. قيمتها الحقيقية في الوقت الذي يمنحه الكاتب للمكان، وفي قدرته على الجمع بين التاريخ والسياسة والتجربة الإنسانية.
خطف النساء ليس تقليداً بريئاً، بل عنف يُعاد تغليفه باسم العادات والهوية.
ومع ذلك، تبقى هذه المعرفة ناقصة بالضرورة. فنحن نرى المجتمعات من خلال عين شخص عابر، مهما طال سفره ومهما كانت معرفته الأنثروبولوجية. ولهذا يمكن النظر إلى أدب الرحلة بوصفه نافذة، لا مرآة كاملة؛ مدخلاً إلى العالم، لا بديلاً عن أصوات أهله وكتاباتهم.
إن أهمية كتب إريكا فاتلاند لا تأتي من ادعائها تقديم الحقيقة النهائية عن الأماكن التي تزورها، بل من محاولتها كشف الروابط بين حياة الأشخاص العاديين وبين القوى التاريخية الكبرى. فالناس في كتبها لا يعيشون خارج التاريخ، بل داخل بقايا الإمبراطوريات، وعلى حواف الحدود، وبين اللغات والهويات التي خلفتها عصور السيطرة.
وبذلك تذكّرنا الرحّالة النرويجية بأن آثار الإمبراطوريات لا توجد في المتاحف وحدها. إنها تعيش في لهجة يتحدث بها مجتمع صغير، وفي عائلة قسمها خط حدودي، وفي امرأة تقاوم عادة تُقدَّم لها باسم التراث، وفي قلعة قديمة تطل على مضيق ما زالت القوى الكبرى تتنافس على السيطرة عليه.
—————
المصدر
اعتمدت هذه المادة على موضوع بعنوان «إريكا فاتلاند، عالمة الأنثروبولوجيا النرويجية التي تسافر إلى نهاية العالم لاكتشاف الإنسانية»، للكاتب أوريول ريغيه سندروس، المنشور في «بابليا»؛ الملحق الثقافي لصحيفة «إلباييس» الإسبانية، بتاريخ 5 أغسطس/آب 2026.