«العار والغضب».. كيف فسّر طاهر بن جلون أحداث سبتة المغربية

باريس- “صوت صورة”: تناول الكاتب والروائي المغربي طاهر بن جلون، في بيان بعنوان «العار والغضب» (Honte et colère)، أحداث الهجرة الجماعية الأخيرة نحو مدينة سبتة، معبّراً عن مشاعر تجمع بين الحزن والغضب والقلق.

ويقدم بن جلون، في مقاله، قراءة لأحداث الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة المغربية، متناولًا أبعادها الإنسانية والسياسية والقانونية. ويتوقف الكاتب عند أسباب اندفاع آلاف الشباب نحو المدينة، وتأثير حكم قضائي إسباني على موجة الهجرة، كما يطرح تساؤلات بشأن ملابسات ما جرى، ويدعو إلى تحقيق شفاف يكشف حقيقة الأحداث، قبل أن يناقش تداعيات الأزمة على صورة المغرب، وقضية سبتة ومليلية، والعلاقات المغربية الإسبانية والجزائرية.

يستهل بن جلون بيانه، المنشور على صفحته في فيسبوك، بالقول إنه منذ 30 يوليو يعيش حالة من “العار الممتزج بالغضب”، بعد مشاهد آلاف الشباب الذين ساروا في مجموعات تحت حرارة الصيف باتجاه سبتة، في محاولة للوصول إلى الأراضي الأوروبية عبر البحر المتوسط، معتبراً أن تلك الصور شكّلت صدمة للرأي العام داخل المغرب وخارجه.

يرى الكاتب أن أكثر ما أثار غضبه هو الحصيلة البشرية التي خلّفتها محاولات العبور، والتي يقول إنها بلغت 64 وفاة وعشرات المفقودين، مشيراً إلى أن من بين الضحايا لاعبة كرة القدم الشابة فاتن بن عمر العزيزي، البالغة من العمر عشرين سنة والمنتمية إلى نادي طنجة.

لقد أُعطيت الإشارة. من أعطاها؟ ربما لن نعرف ذلك أبداً

كما يعتبر أن التغطية الإعلامية الدولية الواسعة لهذه الأحداث ألحقت ضرراً بصورة المغرب، بعد تصدّرها نشرات الأخبار والصفحات الأولى لوسائل الإعلام العالمية.

التشكيك في الطابع العفوي للهجرة

ويطرح بن جلون تساؤلات بشأن طبيعة التحرك الجماعي، معتبراً أن هذا العدد الكبير من الشباب لم يتحرك بصورة عفوية بالكامل، حتى وإن لعبت شبكات التواصل الاجتماعي دوراً في تداول المعلومات.

ويشير في هذا السياق إلى حكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية بتاريخ 8 يوليو 2026، يقضي بعدم جواز الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يصلون بحراً أو سباحة إلى سبتة، وضرورة إخضاعهم لإجراءات إدارية فردية قبل اتخاذ أي قرار بشأنهم. ويرى أن انتشار هذا القرار القانوني شكّل أحد العوامل التي شجعت كثيرين على محاولة العبور.

ورغم ذلك، يرى الكاتب أن العامل القانوني وحده لا يفسر حجم التعبئة، متسائلاً عمن أعطى “إشارة الانطلاق” لهذه الموجة، ولماذا تزامنت مع احتفالات عيد العرش، ولماذا لم تتدخل السلطات المغربية في بدايتها.

ويخلص إلى أن الإجابة عن هذه الأسئلة تستوجب، بحسب رأيه، فتح تحقيق جدي وشفاف لتوضيح ما جرى للرأي العام.

ويلفت بن جلون إلى أن المشاركين في محاولات الهجرة ليسوا جميعاً من العاطلين عن العمل، مستنداً إلى شهادات يقول إنه تلقّاها من مسؤولين اقتصاديين، من بينها فقدان فندق كبير في طنجة لنصف موظفيه، واختفاء ثلاثة عشر عاملاً في أحد المطاعم، إضافة إلى تغيّب عدد من العمال عن وظائفهم.

ويرى أن هذه الوقائع تعكس اتساع الرغبة في الهجرة حتى بين العاملين، وهو ما يعتبره مؤشراً على أزمة أعمق تتعلق بفقدان الأمل.

ويتطرق بيان بن جلون أيضاً إلى أعمال عنف صاحبت الأحداث، خصوصاً في محطة القطار بمدينة القنيطرة، حيث يشير إلى تعرّض منشآت للتخريب وإحراق سيارات وتعطيل حركة المرور، معتبراً أن هذه التطورات عمّقت من حدة الأزمة.

هذه الأزمة ألحقت، مرة أخرى، ضرراً بصورة المغرب

سبتة ومليلية في قلب النقاش

ويخصص الكاتب جانباً من مقاله للحديث عن الوضع السياسي لمدينتي سبتة ومليلية، معتبراً أن استمرار خضوعهما للسيادة الإسبانية، رغم وجودهما على التراب الإفريقي، يمثّل وضعاً غير طبيعي.

ويطرح رأياً مفاده أن إعادة المدينتين إلى المغرب من شأنها إنهاء إشكالات مرتبطة بحماية الحدود الأوروبية، وإنهاء الإرث الاستعماري.

كما ينتقد بن جلون تصريحات لرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي حمّلت إسبانيا مسؤولية الأزمة، ويرى أن أي دولة أوروبية لا ينبغي أن تدين دولة أخرى بهذه الطريقة، مشيراً في الوقت نفسه إلى غياب انتقادات لدول أخرى يعتقد أنها مرتبطة بالأزمة.

ويتناول الكاتب أيضاً التطورات في العلاقات المغربية الإسبانية والجزائرية، مشيراً إلى دعم مدريد للموقف المغربي بشأن الصحراء، ثم إلى التقارب الأخير بين إسبانيا والجزائر.

وفي هذا السياق، يطرح الكاتب فرضية مفادها أن بعض الأطراف قد تكون استغلت ملف الهجرة كورقة ضغط سياسية، مستحضراً أحداث سنة 2021، كما يوجّه انتقادات حادة للسلطات الجزائرية، معتبراً أنها تسعى إلى الإضرار باستقرار المغرب.

ويختتم بن جلون بيانه بالتأكيد على أن استمرار الغموض حول ما حدث يغذّي الشائعات ونظريات المؤامرة، داعياً الحكومة المغربية والأجهزة الأمنية إلى تقديم رواية رسمية واضحة، وإجراء تحقيق شفاف يكشف ملابسات الأحداث والمسؤوليات المرتبطة بها.

ويرى أن كشف الحقيقة أصبح ضرورة لحماية صورة المغرب واستعادة ثقة الرأي العام، ولمنع تكرار مثل هذه الأزمات مستقبلاً.

——————-

طاهر بن جلون كاتب وروائي وشاعر مغربي يكتب بالفرنسية، ويعد من أبرز الأدباء الفرنكوفونيين. حصل على جائزة غونكور سنة 1987 عن رواية ليلة القدر، ويعرف بمقالاته التي تتناول قضايا المجتمع والسياسة والهجرة.

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا