باريس- “صوت صورة”: داخل خيمة متواضعة في مدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة، تنحني شابة ترتدي قفازات طبية فوق قطعة فسيفساء حجرية. وبفرشاة طلاء عادية، تزيح عنها الغبار وبقايا الركام، بحركات دقيقة تشبه عمل الجراحين.
لا تتوافر في الخيمة مختبرات للترميم، ولا أجهزة متخصصة في حفظ الآثار، ولا مواد كيميائية احترافية. ومع ذلك، تحولت إلى مستودع مؤقت وورشة إنقاذ لذاكرة قطاع غزة، حيث يعمل متطوعون فلسطينيون على جمع القطع الأثرية والوثائق والصور واللوحات التي نجت من القصف، ثم تنظيفها وتوثيقها وحفظها بما تيسر من الأدوات.
وتأتي هذه الجهود في وقت تؤكد فيه منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» أنها تحققت، حتى 24 مارس/آذار 2026، من تضرر 164 موقعاً ثقافياً وتراثياً في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب، من بينها مبانٍ تاريخية ودينية، ومتاحف، ومواقع أثرية، ونصب ومخازن للقطع الثقافية. واعتمدت المنظمة في تقييمها على صور الأقمار الصناعية، قبل أن تبدأ بإجراء معاينات ميدانية سريعة في المواقع التي أمكن الوصول إليها بعد وقف إطلاق النار المعلن في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
إنقاذ التراث بأدوات بسيطة
بحسب تقرير نشرته وكالة الصحافة الفرنسية في 16 يوليو/تموز 2026، تقود جمعية «مياسم للثقافة والفنون» جانباً من جهود حفظ التراث في جنوب القطاع، عبر مشروع يشارك فيه فنانون ومرشدون ثقافيون ومتطوعون شباب.
ويجمع هؤلاء ما يمكن الوصول إليه من قطع فسيفساء وأدوات حجرية ووثائق وصور قديمة، ثم يضعون القطع المصنفة على رفوف خشبية داخل حاويات بلاستيكية لحمايتها من الرطوبة والغبار والتلف.
ويقول الفنان التشكيلي محمد أبو لحية، وهو أحد المشاركين في الحملة، إن الحرب تسببت في فقدان عدد كبير من اللوحات والأعمال الفسيفسائية، ودمرت بعضها بصورة كاملة أو جزئية.
إعادة بناء غزة لن تعني تشييد المنازل والطرق فقط، بل إعادة وصل الناس بتاريخ مدنهم وقراهم وحماية الشواهد
لكن أبو لحية يرى أن مواصلة العمل، رغم الفقد والدمار، تحمل معنى يتجاوز إنقاذ الحجارة والألوان، إذ تؤكد تمسك الفلسطينيين بتراثهم وهويتهم، وتنقل هذا الإرث إلى الأطفال والأجيال المقبلة.
وتتطابق هذه الجهود مع ما وثقته تقارير أخرى عن فريق «حراس التراث»، الذي أطلقته جمعية مياسم عام 2024. ويضم الفريق مجموعة من المتطوعين الشباب الذين ينقبون بين الأنقاض، أحياناً بأيديهم، بحثاً عن قطع أثرية ومخطوطات ووثائق يمكن إنقاذها.
جرن حجري عمره خمسة آلاف عام
داخل الخيمة، يشير مهند أبو لحية، وهو مرشد للتراث الثقافي في جمعية مياسم، إلى قطعة حجرية تُعرف محلياً باسم «الجرن».
كان هذا النوع من الأدوات يستخدم لطحن الحبوب والأعشاب، ويقدر أبو لحية عمر القطعة بنحو خمسة آلاف عام.
ليست القيمة في الجرن بوصفه أداة حجرية قديمة فحسب، بل في كونه شاهداً على حياة الناس اليومية في هذه المنطقة قبل آلاف السنين؛ ماذا كانوا يأكلون، وكيف كانوا يطحنون الحبوب ويعدّون الأعشاب، وكيف تشكلت مجتمعاتهم بالقرب من الساحل الفلسطيني.
وتوضح الجمعية أن عملها لا يقتصر على الآثار القديمة، بل يشمل أيضاً التراث المعاصر، واللوحات الفنية، والصور العائلية، والخرائط والسجلات والوثائق التي باتت معرضة للاحتراق أو الدفن تحت الأنقاض.
أرشيف غزة في صندوق أسود
إلى جانب طاولات ترميم الفسيفساء، أقام المتطوعون جهاز مسح ضوئي بدائياً، يتكون من كاميرا مثبّتة فوق صندوق مغطى من الداخل بورق أسود.
توضع الوثيقة أو الصورة أسفل الكاميرا، ثم تلتقط لها صورة رقمية تُحفظ على جهاز كمبيوتر. بهذه الوسيلة البسيطة، يحاول الفريق إنشاء نسخة إلكترونية من الوثائق قبل أن تتلف النسخ الأصلية.
وتعرض المتطوعة تغريد حجازي، البالغة 29 عاماً، خرائط هيكلية قديمة لمدينة خان يونس، إلى جانب صحف ووثائق وصور تعود إلى أواخر الحكم العثماني وفترة الانتداب البريطاني والإدارة المصرية لقطاع غزة.
بالنسبة إلى حجازي، فإن رقمنة هذه المواد ليست عملاً أرشيفياً تقنياً فقط، بل سباق مع الزمن لحماية ذاكرة اجتماعية وسياسية وعمرانية قد تختفي بسبب الغبار والرطوبة والنزوح وتكرار القصف.
غزة ليست أرضاً بلا تاريخ
تكشف الآثار المتعاقبة في غزة عن موقعها بوصفها ممراً تجارياً وحضارياً بين آسيا وأفريقيا والبحر المتوسط.
مر بها الكنعانيون والفرس واليونان والرومان والبيزنطيون، ثم الحضارات الإسلامية المتعاقبة والمماليك والعثمانيون. وتركت تلك الحقب موانئ وكنائس وأديرة ومساجد وأسواقاً وقصوراً ومقابر وأرضيات فسيفسائية.
ولهذا، فإن فقدان موقع أثري في غزة لا يعني خسارة فلسطينية محلية فحسب، بل خسارة جزء من تاريخ المنطقة والعالم.
ومن أبرز المواقع التي تعرضت لأضرار الجامع العمري الكبير في مدينة غزة، وقصر الباشا، وكنيسة القديس برفيريوس، وسوق القيسارية، وحمام السمرة، وميناء الأنثيدون الأثري، ومركز رشاد الشوا الثقافي، إضافة إلى مبانٍ وبيوت تاريخية داخل البلدة القديمة. وتضم قائمة اليونسكو المحدثة مواقع دينية وأثرية وثقافية من فترات تاريخية متعددة.
الجامع العمري… تاريخ أديان وحضارات
يحتل الجامع العمري الكبير مكانة خاصة في ذاكرة مدينة غزة. فقد تعاقبت على موقعه طبقات دينية ومعمارية مختلفة، ويُعتقد أن المكان ارتبط في مراحل من تاريخه بمعبد ثم بكنيسة بيزنطية، قبل أن يتحول إلى مسجد بعد الفتح الإسلامي.
وخضع المبنى لعمليات إعادة بناء وترميم خلال عهود مختلفة، حاملاً آثار العمارة الصليبية والمملوكية والعثمانية.
وفي تقارير صحفية دولية نُشرت بعد توقف جانب من العمليات العسكرية، وصف عاملون في مجال التراث الدمار الذي أصاب الجامع بأنه خسارة لمعلم يجسد تاريخ غزة المتعدد، وليس مجرد مبنى ديني. وقال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف بنية عسكرية مرتبطة بحركة “حماس” في المنطقة، بينما نفى فلسطينيون وخبراء تراث وجود ما يبرر تدمير المعلم التاريخي.
إنقاذ مستودع أثري قبل تدميره
ومن أبرز عمليات الإنقاذ التي شهدها القطاع خلال الحرب، محاولة نقل مجموعة أثرية كبيرة كانت محفوظة في مستودع بمدينة غزة تشرف عليه المدرسة الفرنسية للكتاب المقدس والآثار في القدس.
كانت المجموعة تضم نحو 180 متراً مكعباً من القطع، يعود بعضها إلى العصر الحديدي، فيما ينتمي بعضها الآخر إلى العصور الكلاسيكية والإسلامية.
وبعد تلقي تحذير بإخلاء المبنى قبل استهدافه، جرت اتصالات شاركت فيها جهات دبلوماسية ودينية ودولية، من بينها اليونسكو والفاتيكان، للحصول على مهلة تسمح بإخراج القطع.
ونجح الفريق في نقل نحو 70 في المائة من المجموعة إلى موقع دير القديس هيلاريون، قبل تدمير المستودع الأصلي في سبتمبر/أيلول 2025، وفق تقرير لصحيفة «لوموند».
دير القديس هيلاريون على قائمة الخطر
يقع دير القديس هيلاريون، أو تل أم عامر، في وسط قطاع غزة، ويعود تأسيسه إلى القرن الرابع الميلادي. ويُعد من أقدم المواقع الرهبانية في الشرق الأوسط.
وفي يوليو/تموز 2024، أدرجته اليونسكو على قائمة التراث العالمي، وعلى قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر، ضمن إجراء عاجل هدفه الاعتراف بقيمته الاستثنائية وتوفير حماية دولية أكبر له.
وتكتسب حماية الدير أهمية مضاعفة؛ فهو لا يمثل التاريخ المسيحي في غزة وحده، بل يعكس مكانة القطاع القديمة ضمن طرق التجارة والحج والتواصل الديني والثقافي في شرق البحر المتوسط.
خسائر لا يمكن قياسها بالأرقام فقط
تساعد أرقام اليونسكو في تقدير حجم الدمار، لكنها لا تقدم صورة كاملة عن الخسائر.
فالتقييم عن بعد لا يستطيع دائماً رصد القطع الصغيرة المدفونة تحت الركام، أو محتويات البيوت الخاصة، أو المكتبات الشخصية، أو الصور والرسائل والمخطوطات التي لم تكن مسجلة رسمياً قبل الحرب.
كما أن تضرر مبنى تاريخي لا يعني دائماً انهياره الكامل. فقد تؤدي الاهتزازات والانفجارات القريبة إلى تصدعات في الأساسات والجدران والزخارف، ثم تتفاقم الأضرار لاحقاً بفعل المطر والرطوبة وغياب أعمال التدعيم.
وحذرت مؤسسات دولية معنية بالمتاحف والتراث من أن الحرب لا تهدد المواقع الثابتة وحدها، بل تهدد أيضاً المقتنيات القابلة للنقل، التي تصبح أكثر عرضة للضياع والنهب والاتجار غير المشروع عندما تنهار منظومات الحماية والمراقبة. وقد جدد المجلس الدولي للمتاحف في أبريل/نيسان 2026 دعوته إلى حماية الممتلكات الثقافية، مشيراً إلى تحقق اليونسكو من تضرر 164 موقعاً في غزة، بينها متحفان.
صعوبة الوصول إلى المواقع
لا يزال جزء كبير من القطع والمواقع خارج متناول فرق الإنقاذ، إما بسبب وقوعه في مناطق خطرة، أو خلف خطوط الفصل والسيطرة العسكرية، أو تحت مبانٍ مهددة بالانهيار.
ويقول المتطوعون إن معرفتهم بوجود قطع أثرية في موقع ما لا تعني قدرتهم على الوصول إليها. كما أن نقل قطعة ثقيلة أو فسيفساء هشة يحتاج إلى أدوات ومواد تغليف ومركبات وخبراء، وهي موارد نادرة داخل القطاع.
وتزيد القيود المفروضة على دخول البضائع من صعوبة الحصول على مواد الترميم الأساسية، لذلك يستخدم الفريق فرش الطلاء المنزلية، والقفازات الطبية، والصناديق البلاستيكية، وما يمكن العثور عليه من أخشاب وأوراق.
تتداخل الحدود بين الأثر القديم والعمل الفني الحديث والصورة العائلية، فجميعها أجزاء من قصة المكان وسكانه
وبينما يؤكد الجيش الإسرائيلي أنه يراعي قواعد القانون الدولي ويحاول تجنب الإضرار بالمواقع الثقافية، يقول فلسطينيون وعاملون في مجال التراث إن اتساع الدمار، واستمرار منع الوصول إلى مواقع كثيرة، جعلا حماية الآثار مهمة شبه مستحيلة.
«حراس التراث» ينالون اعترافاً خارج غزة
رغم الظروف شديدة القسوة، حظي مشروع «حراس التراث» بتقدير إقليمي خلال عام 2026، بعد فوزه بجائزة للتراث ضمن فئة المشاركة المجتمعية والدمج المجتمعي.
ويعكس هذا التكريم أهمية المبادرات التي يقودها السكان المحليون، فالمتطوعون لا ينتظرون انتهاء الحرب أو وصول بعثات دولية كبرى، بل يعملون بما لديهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وتأسست جمعية مياسم للثقافة والفنون عام 2021 في بلدة القرارة بمحافظة خان يونس، وتعرّف نفسها باعتبارها جمعية مستقلة غير ربحية تعمل على تعزيز الهوية الثقافية الفلسطينية، وتوثيق التاريخ، وحماية التراث المادي وغير المادي، وتمكين الشباب والنساء من المشاركة في العمل الثقافي.
حماية الماضي من أجل مستقبل لم يصل بعد
تعمل ثلاث نساء داخل الخيمة على ترتيب مئات الأحجار الصغيرة لإعادة تشكيل لوحة فسيفساء معاصرة. أمامهن صورة مطبوعة للعمل الأصلي، وفي أيديهن كماشات نجارة يزلن بها الزوائد عن القطع.
قد لا تكون اللوحة من العصر الروماني أو البيزنطي، لكنها تنتمي إلى ذاكرة غزة الحديثة وإلى فنانيها الذين عاشوا الحرب أو نزحوا أو فقدوا أعمالهم.
وهنا تتداخل الحدود بين الأثر القديم والعمل الفني الحديث والصورة العائلية. فجميعها أجزاء من قصة المكان وسكانه.
إن إنقاذ ماضي غزة لا يقتصر على ترميم المساجد والكنائس والقصور، بل يشمل أيضاً حفظ خرائط المدن، وصحفها القديمة، وصور شوارعها وبيوتها، وأعمال فنانيها، والأدوات التي استخدمها أجداد سكانها في حياتهم اليومية.
وفي خيمة تفتقر إلى أبسط معدات الحفظ، يحاول المتطوعون القيام بما تفعله عادة مؤسسات كاملة: جمع القطع، وتوثيق مصدرها، وتنظيفها، وتصنيفها، وتصويرها، وتخزينها، ثم إعادة تركيب ما يمكن ترميمه.
قد لا يتمكن هؤلاء من إنقاذ كل شيء. فبعض القطع تحطم، وبعض المواقع سُوّي بالأرض، وبعض الوثائق احترقت أو اختفت. لكن كل حجر يوضع في صندوق، وكل صورة تُرقمن، وكل اسم يُسجل في أرشيف، يمثل انتصاراً صغيراً على محو الذاكرة.
وبينما ينشغل العالم بحساب أعداد المباني المدمرة وكلفة إعادة الإعمار، يذكّر «حراس التراث» بأن إعادة بناء غزة لن تعني تشييد المنازل والطرق فقط، بل إعادة وصل الناس بتاريخ مدنهم وقراهم، وحماية الشواهد التي تقول إن هذا المكان كان مأهولاً بالحياة والحضارات منذ آلاف السنين.
(وكالات)