بدأت الممثلة الفرنسية حديثها من صعوبة النطق بالعنف الجنسي، ثم جعلت من الاستوديو منصة لاتهام إسرائيل بارتكاب إبادة في فلسطين وفرنسا بالتواطؤ معها
———————————–
باريس- “صوت صورة”:
لم تحتج أديل هينيل إلى أكثر من ثلاث دقائق كي تنقل برنامجاً أدبياً فرنسياً من فضاء الكتب إلى قلب الصراع السياسي والإعلامي حول فلسطين.
جلست الممثلة والكاتبة والناشطة الفرنسية في مقعد مقدم برنامج «المكتبة الكبرى» (La Grande Librairie)، أوغستان ترابنار، وقرأت أمام الكاميرا نصاً قصيراً ينطلق من الخوف من الكلام وينتهي باتهام مباشر لإسرائيل وفرنسا.
بُثّت الحلقة مباشرة على قناة «فرانس 5» مساء التاسع من سبتمبر/أيلول 2026. وبعد انتشار المقطع بكثافة عبر شبكات التواصل الاجتماعي والقنوات الإخبارية، حذفت مؤسسة «فرانس تلفزيون» العامة إعادة الحلقة كاملة من منصتها الرقمية. وقالت إن موقف هينيل من القضية الفلسطينية لم يقابله عرض لوجهات نظر أخرى، بما ينسجم مع الالتزامات المفروضة على الإعلام العام الفرنسي.
لكن فهم ما حدث يتطلب العودة إلى بنية خطاب هينيل نفسه، لا الاكتفاء بالجملتين السياسيتين اللتين تصدرتا الجدل.
من الاعتداء الشخصي إلى الصمت العام
تُختتم حلقات «المكتبة الكبرى» عادة بفقرة تحمل اسم «Droit dans les yeux»، أي «النظر مباشرة في العيون». يترك ترابنار خلالها مقعده لأحد الضيوف كي يقرأ، وجهاً لوجه مع الكاميرا، نصاً من كتابته. وقد وصف المقدم الفقرة، قبل أن يمنح الكلمة لهينيل، بأنها فعل أدبي وإبداعي ومساحة لـ«كلمة حرة تماماً».
بَنَتْ هينيل نصها على صورة بلاغية واحدة: الكلام بوصفه قفزة من مكان مرتفع.
«حرّروا فلسطين»… ممثلة فرنسية تقولها على الهواء فتختفي الإعادة
في القسم الأول من النص، استحضرت تجربة ضحية تحاول للمرة الأولى أن تقول داخل محيطها العائلي: «لقد اغتصبني». الطاولة التي تجلس إليها تتحول في مخيلتها إلى منصة قفز؛ والكلمة الأولى تصبح اندفاعاً إلى المجهول، يعقبه سقوط بقية الجملة. وصفت هينيل العبارة بأنها قصيرة وحادة، تشق المكان بقوة تركيبها المباشر: فاعل وفعل ومفعول به.
ليس هذا المدخل منفصلاً عن سيرة صاحبته. فقد كانت هينيل من أبرز الأصوات التي كسرت الصمت عن العنف الجنسي داخل السينما الفرنسية. وفي أبريل/نيسان 2026، أيد القضاء الفرنسي إدانة المخرج كريستوف روجيا بالاعتداء الجنسي عليها، وحكم عليه بالسجن خمس سنوات.
وعندما تصل هينيل إلى فلسطين، لا تبدأ موضوعاً جديداً بقدر ما تنقل استعارتها من المجال الشخصي إلى المجال العام: مثلما يتطلب الكشف عن العنف الواقع على الفرد كسر حاجز الخوف، ترى أن الحديث عن فلسطين يستدعي اختراق «الصمت التلفزيوني» الذي يحيط بالقضية في فرنسا.
قالت هينيل:
«أنا أيضًا اتخذت قراراً. سأتكلم. إن تقاقم الألم لا يكذب. هذا المقعد الذي أجلس عليه منصة قفز. وستكون الكلمة الأولى قفزة في ذلك الصمت التلفزيوني الذي يُغرق البلاد في لزوجته؛ في ذلك الضجيج الإعلامي الذي يحجب، بلا انقطاع، الغياب الطاغي لبعض الكلمات.
هنا أيضاً ستكون الجملة قصيرة. وهنا أيضاً أشعر بالخوف. ولكن، ما دمتُ هنا، فلا بد من الكلام، وإعادة قول ما يسكن هذا الصمت، كي يسمعه الجميع».
تكمن قوة هذا المقطع في المقابلة التي يقيمها بين «الضجيج» و«الصمت». فالمشهد الإعلامي، وفق تصورها، ليس ساكناً أو خالياً من الكلام؛ بل هو ممتلئ إلى حد الصخب، غير أن كثرة الأصوات نفسها تحجب غياب كلمات لا تجد مكانها على الشاشة. الصمت الذي تتحدث عنه ليس انعداماً للبث، بل غياباً داخل البث.
بعد ذلك تأتي العبارة التي فجّرت الجدل:
«دولة إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في فلسطين، وفرنسا متواطئة. لا تقبلوا ما لا يمكن قبوله. لذلك، افرضوا العقوبات على إسرائيل وحرّروا فلسطين».
لا تستخدم هينيل هنا لغة السؤال أو الاحتمال، ولا تصوغ كلامها بوصفه رأياً مفتوحًا للنقاش. إنها تلقيه في صورة تقريرية حاسمة، ثم تنتقل من الاتهام إلى النداء السياسي المباشر: رفض الواقع، ومعاقبة إسرائيل، وتحرير فلسطين.
لماذا حُذفت الحلقة؟
لم تمنع قناة «فرانس 5» الخطاب أثناء البث المباشر، ولم يقاطع ترابنار ضيفته أو يعقّب على كلامها. لكن مؤسسة «فرانس تلفزيون» حذفت لاحقاً الحلقة كلها من خدمة المشاهدة عند الطلب.
وفي ردها على مجلة «تيليراما»، أوضحت المؤسسة أن موقف هينيل لم يكن من الممكن موازنته بـ«وجهات نظر متعددة»، وهو ما يفرضه دفتر التزاماتها. وأضافت أنها، بعد تحليل الفقرة، أقدمت على حذف الفيديو «إجراءً احترازياً».
ينص دفتر التزامات «فرانس تلفزيون»، المنشور في السجل القانوني الفرنسي الرسمي، على أن القضايا المثيرة للجدل يجب أن تقدَّم بأمانة، مع ضمان التعبير عن وجهات النظر المختلفة. ومن هذه الزاوية، تعاملت المؤسسة مع كلام هينيل لا بوصفه نصاً أدبياً شخصياً فحسب، بل باعتباره تدخلاً سياسياً في قضية خلافية كان ينبغي أن يقابله رأي آخر.
لكن القرار يثير مفارقة يصعب تجاهلها. فالبرنامج قدّم الفقرة مسبقاً باعتبارها «كلمة حرة تماماً»، ولم تكن في أصلها مناظرة أو مقابلة إخبارية، بل «بطاقة بيضاء» يُترك فيها المقعد للضيف كي يقرأ نصه. والسؤال هنا ليس ما إذا كان يحق للقناة استضافة رأي مخالف؛ بل لماذا جرى حذف الحلقة بدل إضافة سياق تحريري أو إتاحة رد آخر إلى جانبها.
ثلاث دقائق عن فلسطين أربكت التلفزيون الفرنسي: الخطاب الذي بقي بعد حذف الحلقة
كما أن الالتزام بالتعددية في الإعلام الفرنسي لا يعني بالضرورة أن تتضمن كل مداخلة منفردة رأيين متعارضين داخل اللحظة نفسها. فمنذ توسيع «أركوم» قواعد مراقبة التعددية، يجري النظر أيضاً إلى تنوع الموضوعات والضيوف والآراء في مجمل البرامج وعلى امتداد مدة زمنية، مع الاهتمام خصوصاً بالاختلالات الواضحة والمستمرة.
وبحسب مصدر غير معلوم نقلت عنه «تيليراما»، أرادت «فرانس تلفزيون» من الحذف إظهار حسن نيتها أمام هيئة «أركوم»، بعد ورود شكاوى من مشاهدين بشأن المقطع. غير أن هذه المعلومة لم تصدر في بيان رسمي عن الهيئة؛ ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها رواية صحفية غير مؤكدة، لا باعتبارها إجراءً تنظيمياً ثابتاً. والمؤكد حتى الآن أن الحذف قرار اتخذته المؤسسة التلفزيونية نفسها، وليس عقوبة معلنة من «أركوم».
حذف الإعادة وبقاء الصورة
غادرت أديل هينيل صناعة السينما سنة 2023 لتتفرغ بصورة أكبر للكتابة والمسرح والعمل السياسي. وقد رفضت وصف ذلك بأنه تضحية بمسيرتها، قائلة إنها اتخذت «خياراً سياسياً» جعلها أكثر اعتزازاً بحياتها. ومن بين القضايا التي باتت حاضرة بقوة في نشاطها القضية الفلسطينية.
لهذا يصعب فصل خطاب «المكتبة الكبرى» عن المسار الذي اختارته هينيل لنفسها: الانتقال من ممثلة داخل مؤسسة السينما إلى صوت يعترض على قواعدها وصمتها، ثم من كسر الصمت حول الاعتداء الجنسي إلى اتهام المؤسسات السياسية والإعلامية بالصمت على فلسطين.
أما حذف الإعادة، فلم يؤدِّ إلى اختفاء الخطاب. لقد غاب عن المنصة الرسمية، لكنه انتشر في فضاء رقمي لا تستطيع القناة التحكم في نسخه وتداوله. بل إن قرار السحب أضاف إلى كلمات هينيل طبقة جديدة من المعنى: كانت تتحدث عن «صمت تلفزيوني»، ثم حُذف كلامها من منصة التلفزيون نفسه.
تبقى القضية، في النهاية، أكبر من خلاف حول رأي فنانة. إنها مواجهة بين مفهومين للمسؤولية الإعلامية: مفهوم يرى أن حماية التعددية تقتضي عدم ترك اتهام سياسي خطير من دون صوت مقابل، ومفهوم آخر يرى أن التعددية تتحقق بإتاحة مزيد من الكلام، لا بسحب الكلام الذي قيل.
وبين الاثنين تظل صورة هينيل في الاستوديو هي الأكثر رسوخاً: امرأة تجلس على مقعد تلفزيوني، تنظر مباشرة إلى الكاميرا، وتقول إن المقعد منصة قفز، وإن الكلمة الأولى هي القفزة.
——————————-
إعداد: “صوت صورة”
