أمس، افتُتح قريباً منا فرعٌ من سوبر ماركت شهير في هذه البلاد، كان صديقَنا منذ أيامِنا الأولى هنا، وخسرناه عندما انتقلنا إلى بيت جديد.
أحسب أنه صديقُ ملايين محدودي الدخل في ألمانيا وفرنسا على الأقل، رخيصٌ وتتوفر فيه حاجاتُنا الأساسية. ظَنَنْا أننا سنكون أولَ الواصلين بعد ترقّب، ففوجئنا بالحشد، فوجئنا أكثر بهذه السعادة البادية على وجوه المحتشدين، فوجئنا بسعادتنا كذلك.
كان هذا الماغازان نقطةَ ارتكازٍ عظيمة لنا بعد تيهٍ مديد. من دون لغة، ومع كمٍ هائلٍ من السلع لم نكنْ نعرفُ كيف نصلُ إلى أبسط حاجياتنا، وكانت صديقة تدلُّنا هاتفياً: هنا تجدُ الطحين، وهناك تجدُ اللبن المناسب، وهنا القهوة.. وهنا لن تجد خبزك المألوف. مع الأيام، والسنين، بتنا نذهب فوراً إلى أغراضنا.
المفاجأة ليست في أننا استعدنا نقطةَ ارتكاز عظيمة، بل في أننا استعدنا حشداً أليفاً أيضاً، من دون سابقِ لقاءٍ حقيقي بأيّ منهم. أسعدتني هذه الأخوّةُ المفاجئة، هذا الانتماءُ الهشُ والعابرُ، ولا أعرف كيف أسميه.
ولكن انظر مِن أين بدأتْ غربتُنا،
اليوم، كنتُ أقلّب يومياتي، فوقعتُ على وريقة كتبتُها في دمشق ونشرتُها في العام 2012، وكانت الحربُ على أشيائنا العادية قد بدأت، حُوصرت بلدات، وتقطّعت السبل..
كتبتُ حينذاك:
من زمان، وأنا أحضّر نفسي لسفرٍ مفترض، تعلمتُ أن أولَ ما يجب فعله في البلد الجديد من أجل تفادي الإحساس بالغربة، البحثُ عن نُقاط ارتكاز؛ يعني عن شارعٍ نعتادُ المرورَ به كي نألفَهُ، سوبر ماركت معين، حلاق ومخبز، وغيرها.. لم أسافر، لكني ضيّعتُ هنا كلَّ نُقاط الارتكاز. لحامُ الحارة، وهو أحسنُ لحام في البلدة، لم يأتِ من داريا منذ أربعةِ شهور. اللبان إذا سألتَهُ عن اللبن سيقول لك إن الحلّابَ من داريا، وهو لم يعد يأتي بالمرة. مدرسةُ الصغيرة نُقلت إلى مكان آخر. الطريقُ الذي ألِفْتُهُ لم يعد هو..
كيف أتفادى كلَّ ذلك؟ لم أحضّرْ نفسي للبقاء هنا..
————————–
نقاط ارتكاز