باريس- “صوت صورة”:
منذ أكثر من قرن، لم تكن السيارة مجرد وسيلة للانتقال من مكان إلى آخر. كانت وعداً بالحرية، وعلامة على الاستقلال، وقطعة تصميم، وغرفة خاصة صغيرة تتحرك بنا حيث نشاء. دخلت السينما والأغاني والروايات، وصارت بعض طرزها أيقونات لا تقل شهرة عن ممثلين ونجوم موسيقى. لكن شيئاً غريباً يحدث اليوم: ما زلنا نحب السيارة، فيما بدأت مدن كثيرة تتصرف كما لو أنها لم تعد تحب وجودها. باريس واحدة من أكثر الأمثلة وضوحاً على ذلك.
خلال عقدين، تراجعت حصة السيارة من التنقلات داخل باريس من نحو 12.8 في المئة إلى 4.2 في المئة، بينما ارتفعت حصة الدراجة من 1.3 إلى 11.2 في المئة. أما حركة السيارات نفسها داخل العاصمة فقد انخفضت بأكثر من النصف منذ مطلع الألفية. وفي 2025، وللمرة الأولى، أصبح في باريس عدد من أماكن ركن الدراجات يفوق أماكن ركن السيارات.
إنها أرقام تقول أكثر من مجرد نجاح مسارات للدراجات أو سياسة بلدية معادية للسيارة. إنها تشير إلى تحول في فكرة المدينة نفسها.
السيارة لم تكن أربع عجلات ومحركاً؛ كانت حرية
حين كانت المدينة تُبنى للسيارة
يصعب اليوم تخيل مقدار السلطة التي امتلكتها السيارة على تخطيط المدن في القرن العشرين. شوارع أوسع، مواقف أكبر، جسور وأنفاق وطرق دائرية، وأحياء سكنية تُبنى على افتراض أن الإنسان سيغادر بيته كل صباح خلف مقود.
لم تكن السيارة تتحرك داخل المدينة فحسب؛ المدينة نفسها كانت تعيد تشكيل جسدها لكي تسمح لها بالحركة.
ويمكن رؤية أثر ذلك حتى اليوم. تشير بيانات «ورشة باريس للتخطيط العمراني» إلى أن السيارة تستحوذ على أكثر من نصف مساحة الفضاء العام في باريس، رغم أن حصتها من الرحلات الداخلية لا تتجاوز بضعة في المئة.
وهنا تبدأ المفارقة. فالمدينة ليست مساحة لا نهائية. والمتر المربع الذي نمنحه للسيارة المتحركة أو المتوقفة لا يمكن أن يكون، في الوقت نفسه، رصيفاً أوسع أو شجرة أو مقعداً أو مسار دراجة أو مساحة يلعب فيها طفل.
لذلك ربما لا تدور المعركة المعاصرة حول السيارة نفسها بقدر ما تدور حول سؤال أكثر بساطة: لمن تنتمي المدينة؟

السيارة التي أحببناها
لكن إعلان موت السيارة سيكون متسرعاً. هناك علاقة بالسيارة لا تستطيع إحصاءات النقل قياسها. أول سيارة امتلكناها، سيارة الأب، رحلة طويلة في الصيف، أغنية ارتبطت بطريق معين، مقعد خلفي نام عليه الأطفال، أو حتى ذلك الشعور الصغير بالخصوصية حين يُغلق الباب ويصبح العالم فجأة خلف الزجاج.
ولهذا تبدو بعض النقاشات حول مستقبل السيارة ناقصة. فهي تتعامل معها باعتبارها مشكلة هندسية: انبعاثات، ازدحام، سرعة، مواقف. بينما السيارة، بالنسبة إلى ملايين البشر، شيء عاطفي أيضاً.
لقد باعت صناعة السيارات هذا الحلم ببراعة طوال عقود. السيارة لم تكن أربع عجلات ومحركاً؛ كانت حرية.
لكن الحرية الفردية لها ثمن جماعي حين يمتلك الجميع السيارة نفسها ويحاول الجميع ممارسة الحرية نفسها في الشارع نفسه وفي الساعة نفسها.
عندها يتحول رمز الحرية إلى ازدحام.
السيارة الكهربائية لا تحل كل شيء
قد يبدو أن السيارة الكهربائية جاءت لتحل هذا التناقض. نستبدل المحرك، نتخلص تدريجياً من الوقود الأحفوري، ونحتفظ بالسيارة وبالمدينة معاً.
والتحول جارٍ فعلاً بسرعة. في يوليو/تموز 2026 بلغت حصة السيارات الكهربائية 35.4 في المئة من تسجيلات سيارات الركوب الجديدة في فرنسا، أي أكثر من سيارة من كل ثلاث سيارات جديدة.
لكن الكهرباء تحل مشكلة المحرك، لا مشكلة المكان. فالسيارة الكهربائية تحتاج إلى الطريق نفسه، وتشغل مكان الركن نفسه، ويمكن أن تعلق في الازدحام نفسه. وهي، وإن خفّضت الانبعاثات المرتبطة باستخدام الوقود، لا تجعل مساحة المدينة أكبر.
لم تكن السيارة تتحرك داخل المدينة فحسب؛ المدينة نفسها كانت تعيد تشكيل جسدها لكي تسمح لها بالحركة
لهذا يبدو أن التحول الحقيقي الذي يجري في باريس ومدن أوروبية أخرى ليس مجرد الانتقال من سيارة تعمل بالبنزين إلى سيارة تعمل بالكهرباء، بل الانتقال من مدينة تتمحور حول السيارة إلى مدينة تصبح السيارة فيها خياراً بين خيارات متعددة. وهذا فرق جوهري.
سيارة أقل، لا كراهية أكثر
المثير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن السيارة ستختفي.
في منطقة باريس الكبرى، يتراجع عدد السيارات التي تمتلكها الأسر منذ سنوات. وبحسب أحدث بيانات «ورشة باريس للتخطيط العمراني»، يخرج أكثر من 26 ألف مركبة سنوياً من أسطول سيارات الأسر في المنطقة، في الوقت الذي تتسارع فيه كهربة السيارات الباقية.
كأن مسارين يحدثان في اللحظة نفسها: سيارات أقل، وسيارات مختلفة.
ربما يكون هذا هو مستقبل السيارة فعلاً. ليس عالماً بلا سيارات، ولا عالماً تحتل فيه السيارات كل شارع، وإنما مكاناً تتغير فيه وظيفة السيارة. نستخدمها عندما تكون الوسيلة الأنسب، لا لأنها الوسيلة التي بُني كل شيء من أجلها. وهذا التحول قد يعيد إلى السيارة شيئاً مما فقدته أيضاً. فحين لا نضطر إلى استخدامها لشراء الخبز، أو قطع كيلومترين، أو إيصال طفل إلى مكان قريب، قد تعود السيارة إلى ما أحببناه فيها أصلاً: السفر، الطريق، الحركة، المغادرة.
هل يمكن أن نحبها إذن؟
ربما يكون الجواب نعم. يمكن أن نعجب بتصميم سيارة جميلة، وأن نستمتع بقيادتها، وأن نحتفظ بذكرياتنا معها، وفي الوقت نفسه نفضّل شارعاً فيه أشجار ومشاة ودراجات على شارع تحيط به صفوف من السيارات المتوقفة.
لا يوجد تناقض حقيقي هنا إلا إذا افترضنا أن حب السيارة يستلزم أن تكون المدينة ملكاً لها.
لقد كان القرن العشرون، إلى حد بعيد، قرن السيارة. وربما لا يكون السؤال في القرن الحادي والعشرين ما إذا كانت السيارة ستبقى أم ستختفي. السؤال الأكثر إثارة هو: أي مكان سنتركه لها؟ فالسيارة قد تبقى معنا طويلاً، وربما تصبح أهدأ وأنظف وأذكى وأجمل. لكن المدينة، ببطء، تبدو كأنها تقول لها شيئاً مختلفاً عما قالته طوال مئة عام: نحن ما زلنا نحبك. لكن ليس عليك أن تكوني في كل مكان.