في العالم آلاف اللغات، يواجه جزء كبير منها خطر الاختفاء. من التبت إلى سقطرى، لا يتعلق الأمر بضياع الكلمات وحدها، بل بذاكرة الشعوب ومعرفتها وفنونها وطرائقها الخاصة في رؤية العالم.
باريس- “صوت صورة”:
تشير اليونسكو إلى أن ما لا يقل عن 40% من لغات العالم معرض للخطر، وأن لغة تختفي في المتوسط كل أسبوعين؛ وهي معلومة تمنح المقال نقطة ارتكاز قوية منذ البداية.
في الثالثة والسبعين من عمرها، تجلس كالسانغ لامو في مركز لتعليم المسنين في التبت، وتحاول أن تفعل شيئًا يبدو للوهلة الأولى بسيطًا: أن تتعلم الكتابة بلغتها الأم.
تتحدث لامو التبتية، لكنها لم تدخل المدرسة في طفولتها، ولذلك لم تتعلم قط كيف تكتب اللغة التي عاشت بها حياتها. وحين زارت وكالة أسوشيتد برس التبت صيف 2026، كانت المرأة واحدة من أولئك الذين يحاولون الإمساك بشيء يخشون أن يضعف حضوره مع تغير المجتمع من حولهم.
في الخارج، تبدو الثقافة التبتية حاضرة بقوة: المعابد، الملابس، الحرف التقليدية، المنسوجات والأعلام والكتابات. وفي منطقة شنان، لا تزال تعاونيات حرفية تعلم أجيالًا جديدة نسج «بولو»، ذلك النسيج الصوفي التبتي الذي يعود إلى قرون. لكن خلف هذا الحضور البصري سؤال أكثر صعوبة: ماذا يحدث للثقافة عندما تبقى صورها وحرفها، بينما تتراجع اللغة التي تحمل ذاكرتها؟
السؤال يتجاوز التبت بكثير. ففي أنحاء العالم تجري اليوم، بصمت في الغالب، واحدة من أكبر عمليات الانقراض الثقافي في عصرنا: اختفاء اللغات.
ليس ضروريًا أن تُحظر لغة لكي تموت؛ يكفي أحيانًا أن تصبح لغة أخرى أكثر ضرورة للحياة
لغة تختفي كل أسبوعين
توثق اليونسكو 8,324 لغة منطوقة أو لغات إشارة في العالم، لا يزال نحو سبعة آلاف منها مستخدمًا. وتقدر المنظمة أن قرابة 40 في المئة من لغات العالم معرضة لخطر الاختفاء، وأن لغة واحدة تختفي في المتوسط كل أسبوعين.
والأكثر دلالة أن 351 لغة فقط تُستخدم وسيلة للتعليم، فيما لا يحظى سوى نحو 1,400 لغة باعتراف قانوني، ولا توجد على الإنترنت سوى قرابة ألف لغة، وفق أحدث بيانات اليونسكو.
هذه الأرقام تعني أن معظم التنوع اللغوي للبشرية يعيش خارج المؤسسات الكبرى التي تصنع المستقبل: المدرسة، الإدارة، الإعلام والعالم الرقمي.
لكن اللغة لا تموت عادة في يوم واحد، ولا يصدر أحد شهادة وفاة لها.
يبدأ الأمر غالبًا حين يتوقف الآباء عن التحدث بها مع أطفالهم.
يتعلم الطفل لغة أوسع انتشارًا لأنها لغة المدرسة والجامعة والوظيفة والمدينة والتكنولوجيا. يحتفظ بلغة أجداده لبعض الوقت، ثم يصبح فهمه لها أفضل من قدرته على الكلام بها. يأتي أبناؤه فيعرفون كلمات قليلة، قبل أن يأتي جيل يسمع اللغة ولا يفهمها.
وعندما يموت آخر المتحدثين بها، لا تختفي مجموعة من المفردات فحسب.
ماذا يوجد داخل اللغة؟
نحن معتادون على التفكير في اللغة باعتبارها وسيلة لنقول الشيء نفسه بأصوات مختلفة. «شجرة» بالعربية، tree بالإنجليزية، arbre بالفرنسية.
لكن اللغات ليست قواميس متوازية.
فداخل لغة مجتمع يعيش منذ قرون في غابة قد توجد معرفة دقيقة بالنباتات ومواسمها واستخداماتها الطبية. وداخل لغة جماعة من الصيادين أسماء للرياح والتيارات وحالات البحر لا يحتاج إليها ساكن المدينة. وتحمل لغات أخرى أنظمة كاملة للقرابة، أو الشعر الشفهي، أو الأساطير، أو وصف المكان.
ولهذا تصف اليونسكو اللغات بأنها مستودعات للتاريخ والثقافة والهوية وأنظمة المعرفة.
عندما تموت لغة، يمكن ترجمة بعض كلماتها، وتسجيل قواعدها، وحفظ صوت آخر المتكلمين بها في أرشيف. لكن من الأصعب حفظ العالم الاجتماعي الذي جعل تلك الكلمات حية.
إنه الفارق بين أن نحتفظ بتسجيل لأغنية وأن يبقى هناك مجتمع يغنيها.
التبت: عندما تبقى الثقافة ويضعف اللسان
أصبح هذا السؤال ملحًا بصورة خاصة في التبت هذا الصيف.
ففي الأول من يوليو 2026 دخل قانون «تعزيز الوحدة والتقدم الإثني» الصيني حيز التنفيذ. وينص القانون على جعل اللغة الصينية المعيارية اللغة الأساسية للتعليم في المدارس وعلى استخدامها في عمل مؤسسات الدولة، مع تأكيده في الوقت نفسه احترام حق الأقليات في تعلم لغاتها واستخدامها ودعم حفظ النصوص القديمة بها.
تقول الحكومة الصينية إن تعميم اللغة الوطنية يمنح أبناء الأقليات فرصًا تعليمية واقتصادية متساوية ويقوي التواصل بين المجموعات الإثنية.
حين تموت لغة، لا يختفي قاموس من الكلمات فحسب؛ تختفي طريقة كاملة في تسمية العالم وتذكّره
أما منتقدو السياسة فيرون أن وضع المندرينية في مركز التعليم والحياة العامة يسرع انتقال الأجيال الجديدة بعيدًا عن التبتية، حتى إن ظلت اللغة مسموحًا بها وموجودة في المجال الثقافي.
وتكشف المفارقة عن إحدى أهم حقائق موت اللغات: ليس ضروريًا أن تُحظر لغة لكي تضعف. يكفي أحيانًا أن تصبح اللغة الأخرى أكثر ضرورة للحياة.
والتبت تصل إلى السعودية
لكن أغرب فصل في هذه الحكاية لا يقع في جبال الهيمالايا. إنه يقع في السعودية.
قبل نحو سبعين عامًا استقرت عائلات من المسلمين التبتيين في المملكة. وفي دراسة لغوية شملت 96 فردًا من أحفاد تلك العائلات، وجد الباحثان سمية تركستاني ومحمد المعيلي اختلافًا واضحًا بين الأجيال في استخدام التبتية، مع انتقال متزايد إلى العربية الحجازية وندرة استخدام التبتية بين الأصغر سنًا.
ثم جاءت دراسة أخرى، نشرت في يناير 2026، لتكشف تحولًا ثقافيًا بالغ الدلالة: مع تراجع اللغة التبتية، أصبح الطعام لدى أفراد من هذه الجماعة وسيلة أساسية للحفاظ على هويتهم التبتية.
وهنا نصل إلى المفارقة المركزية: يمكن للثقافة أن تعيش بعد تراجع لغتها.
قد يبقى الطبق، والزي، والموسيقى، والطقس والذاكرة العائلية. لكن شيئًا ما يكون قد تغير جذريًا: الجيل الجديد يتذكر أجداده بلغة غير اللغة التي تذكر بها الأجداد أنفسهم.
القصة موجودة أيضًا في الجزيرة العربية
ليس على القارئ العربي أن يذهب إلى التبت كي يجد لغات تواجه هذا السؤال.
في جنوب شبه الجزيرة العربية توجد مجموعة لغوية شديدة القدم تعرف باسم اللغات السامية الجنوبية الحديثة، ومنها المهرية والشحرية والسقطرية والحرسوسية والبطحرية والهوبيوت.
اللغة المحفوظة في الأرشيف ليست بالضرورة لغة حيّة؛ اللغة تعيش حين يستخدمها طفل ليقول شيئًا لم يقله أجداده من قبل
وهي ليست لهجات عربية كما قد يوحي موقعها الجغرافي، بل لغات سامية مستقلة، وجميعها مصنفة لدى مشروع بحثي دولي متخصص في لغات جنوب الجزيرة باعتبارها لغات مهددة.
السقطرية، في جزيرة سقطرى اليمنية، مثال شديد الثراء. فاللغة مرتبطة بثقافة شفهية وبيئة تعد واحدة من أكثر بيئات العالم تفردًا. هنا تصبح حماية اللغة أكثر من حماية مفردات: إنها أيضًا حماية لأسماء النباتات والأماكن والشعر والحكايات والمعرفة المتراكمة عن الجزيرة.
لكن من الضروري عدم الوقوع في خطأ شائع: ليست كل اللغات غير العربية في المنطقة العربية «لغات تحتضر». الأمازيغية، مثلًا، لها ملايين المتحدثين وحضور رسمي متفاوت في بلدان شمال أفريقيا. وكذلك تختلف أوضاع النوبية والسريانية والكردية والمهرية وغيرها اختلافًا كبيرًا.
الخطر ليس صفة ثابتة للغة؛ إنه علاقة بين اللغة والأجيال التي ستأتي بعدها.
هل يستطيع الفن إنقاذ لغة؟
الغريب أن أحد أكثر حلفاء اللغات المهددة حيوية اليوم ليس عالم اللسانيات، بل الفن.
الأغنية تستطيع إدخال لغة الجدات إلى سماعات المراهقين. والراب قادر على نقلها من صورة «لغة الماضي» إلى لغة غضب وحب وحياة يومية. والسينما والمسرح والشعر تستطيع أن تمنح اللغة مكانة لا توفرها لها المعاجم.
فاللغة المحفوظة في متحف ليست لغة حية. لكي تعيش، يجب أن يستخدمها شخص ليقول نكتة، ويكتب بها رسالة حب، ويختلف بها مع صديق، ويؤلف أغنية، ويخترع كلمات لأشياء لم تكن موجودة في زمن أجداده.
ولهذا لا يكفي توثيق اللغة. المطلوب أن يصبح استخدامها ذا معنى للجيل الجديد.
والآن جاء الذكاء الاصطناعي
ثمة جبهة جديدة قد تحدد مصير لغات كثيرة: الآلة.
فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى كميات هائلة من النصوص والتسجيلات ليتعلم اللغة. الإنجليزية والصينية والإسبانية ولغات عالمية أخرى تمتلك محيطات من البيانات، فيما توجد لغات لا تملك إلا القليل من الكتب الرقمية أو التسجيلات.
وأظهرت أبحاث حديثة أن النماذج اللغوية الكبرى تعاني أداء أضعف في اللغات «منخفضة الموارد». وفي المقابل بدأت مشاريع تجريبية في أفريقيا باستخدام الذكاء الاصطناعي لبناء أدوات تعليمية للغات قليلة الموارد، ما يعني أن التكنولوجيا نفسها التي قد توسع الفجوة تستطيع أن تصبح أداة للإنقاذ.
آخر متحدث بلغة لا يحمل الكلمات وحدها؛ إنه يحمل آخر نسخة حيّة من عالم كامل يمكن أن يُقال بتلك الكلمات
المعركة المقبلة إذن ليست فقط: هل يتحدث الأطفال لغة أجدادهم؟ بل أيضًا: هل تستطيع هواتفهم التحدث بها؟ هل يفهمها محرك البحث؟ وهل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءتها وكتابتها؟
في القرن الماضي كانت اللغة تدخل منطقة الخطر عندما تغيب عن المدرسة والإدارة. وفي هذا القرن قد تضاف علامة جديدة: أن تصبح غير مرئية للآلة.
حين يصمت آخر المتكلمين
لهذا لا يكون موت اللغة حدثًا لغويًا فقط. فالإنسان يستطيع دائمًا تعلم لغة أخرى، والمجتمعات لا تتوقف عن الحياة حين تغير ألسنتها. وقد يكون الانتقال اللغوي اختيارًا عمليًا يمنح الناس فرصًا أكبر، لا مأساة مفروضة عليهم بالضرورة.
لكن الثمن الثقافي حقيقي. حين تختفي لغة، نفقد طريقة راكم بها بشر، عبر أجيال، أسماء الأشياء وعلاقاتها وحكاياتها. وربما تستطيع المتاحف أن تحفظ الملابس، والأرشيفات أن تحفظ التسجيلات، والمطاعم أن تحفظ الأطعمة، والمهرجانات أن تحفظ الرقصات.
لكن اللغة تحتاج إلى شيء أصعب بكثير من الحفظ: تحتاج إلى إنسان يقرر أن يتكلم بها غدًا.
في التبت، تتعلم كالسانغ لامو، في الثالثة والسبعين، كيف تكتب الكلمات التي نطقتها طوال حياتها. وفي مكان آخر من العالم ربما يحاول طفل أن يتعلم للمرة الأولى الكلمات التي توقف أجداده عن استخدامها. وبين المسارين تتقرر حياة اللغة.
لأن آخر إنسان يتحدث لغة لا يحمل كلمات فقط. إنه يحمل آخر نسخة حية من عالم كامل يمكن أن يُقال بتلك الكلمات.