8 C
Paris
الخميس 19 فبراير 2026

 ليلى شهيد تنهي حياتها بعد صراع مع المرض.. رحيل “صوت فلسطين” في أوروبا يثير موجة حزن واسعة

باريس- صوت صورة: رحلت الدبلوماسية الفلسطينية البارزة ليلى شهيد، التي شكّلت على مدى عقود أحد أبرز وجوه القضية الفلسطينية في أوروبا، بعدما أنهت حياتها الأربعاء 18 فبراير 2026 عن عمر ناهز 76 عاماً، في منزلها بجنوب فرنسا، بعد معاناة طويلة مع مرض عضال، وفق ما أكدته عائلتها، وبحسب صحيفة “لوموند” الفرنسية.

وبرحيلها، فقدت فلسطين واحدة من أبرز شخصياتها الدبلوماسية، التي كرّست حياتها للدفاع عن حقوق شعبها في المحافل الدولية، وتمكنت من إيصال الرواية الفلسطينية إلى دوائر القرار الأوروبية، بلغة جمعت بين القوة الأخلاقية والرصانة السياسية.

 مسيرة دبلوماسية جعلت منها “صوت فلسطين”

ولدت ليلى شهيد في بيروت عام 1949 لعائلة فلسطينية منفية، ودرست علم الاجتماع والأنثروبولوجيا قبل أن تنخرط مبكرًا في العمل الوطني. وفي عام 1989 أصبحت أول امرأة فلسطينية تمثل منظمة التحرير الفلسطينية في دولة أوروبية، عندما عُيّنت ممثلة لها في إيرلندا، قبل أن تتولى مهام مماثلة في هولندا والدنمارك.

غير أن حضورها الأبرز بدأ عام 1993 عندما عُيّنت مندوبة عامة لفلسطين في فرنسا، وهو المنصب الذي شغلته لأكثر من عقد، قبل أن تنتقل عام 2006 إلى بروكسل ممثلة لفلسطين لدى الاتحاد الأوروبي وبلجيكا ولوكسمبورغ، حيث واصلت عملها حتى تقاعدها عام 2015.

وخلال هذه السنوات، أصبحت شخصية مألوفة في وسائل الإعلام الأوروبية، ومدافعة ثابتة عن حق الفلسطينيين في الحرية والاستقلال، كما لعبت دورًا بارزًا في تعزيز الحضور الثقافي الفلسطيني، إيمانًا منها بأن الثقافة جزء أساسي من معركة الوعي.

 دبلوماسية الثقافة.. وجسر بين السياسة والإبداع

لم تكن ليلى شهيد مجرد دبلوماسية تقليدية، بل ربطت العمل السياسي بالثقافة والأدب. فقد كانت قريبة من الشاعر محمود درويش، والكاتب المغربي محمد برادة، زوجها، كما ارتبط اسمها بالمفكر والكاتب الفرنسي جان جينيه، الذي رافقته إلى مخيم شاتيلا بعد المجزرة عام 1982، وكان لتلك التجربة أثر كبير في كتاباته.

وكتب الشاعر اللبناني عيسى مخلوف أن شهيد لم تكن فقط وجهًا سياسيًا، بل شخصية عميقة الصلة بالثقافة، مشيرًا إلى دورها في مرافقة جينيه إلى مخيم شاتيلا، حيث كانا من أوائل الشهود على المجزرة، وهو الحدث الذي ألهم الكاتب الفرنسي نصه الشهير «أربع ساعات في شاتيلا».

كما لعبت دورًا محوريًا في إطلاق مبادرات ثقافية كبرى في فرنسا وبلجيكا، أبرزها “الربيع الفلسطيني”، الذي ساهم في تعريف الجمهور الأوروبي بالأدب والفن الفلسطينيين.

 إشادات واسعة: “سفيرة الحق الفلسطيني”

وأثار رحيلها موجة واسعة من الحزن في الأوساط السياسية والثقافية العربية.

فقد وصف رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق سلام فياض رحيلها بأنه “خسارة وطنية استثنائية”، مؤكدًا أنها جسدت الدبلوماسية بوصفها “التزامًا أخلاقيًا ومسؤولية تاريخية”، وساهمت في ترسيخ حضور فلسطين الدولي بكرامة وكفاءة.

من جهته، قال المفكر السوري برهان غليون إنها كانت “صوت الثورة الفلسطينية ومن أفضل من دافع عن القضية الفلسطينية في المحافل الدولية”.

ووصفها الزعيم اللبناني وليد جنبلاط بأنها “سفيرة الحق الفلسطيني بامتياز”، فيما اعتبر الروائي الجزائري واسيني الأعرج أنها كانت “كتلة من الطاقة والنشاط في الدفاع عن شعبها وأرضها”.

أما الإعلامي اللبناني ريكاردو كرم، الذي جمعته بها صداقة طويلة، فكتب أنها لم تكن مجرد دبلوماسية، بل “وضوحًا أخلاقيًا يمشي على قدمين”، وأنها نجحت في ترجمة القضية الفلسطينية “بلغة يفهمها العالم، بلا شعارات ولا ضجيج”.

 إرث سياسي وثقافي يتجاوز الدبلوماسية

إلى جانب عملها السياسي، شغلت ليلى شهيد منصب نائبة رئيس مجلس أمناء مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وواصلت نشاطها الثقافي والفكري حتى بعد تقاعدها، وظلت حاضرة في النقاشات الفكرية والسياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

وقد وصفها الكاتب حسن البلعاوي بأنها كانت أشبه بـ”الحارس الملاك” لذاكرة فلسطين الثقافية، نظرًا لدورها في رعاية التراث الأدبي الفلسطيني وتعزيز حضوره عالميًا.

 رحيل يترك فراغًا في الذاكرة الفلسطينية

برحيل ليلى شهيد، تفقد فلسطين دبلوماسية استثنائية جمعت بين الفكر والثقافة والسياسة، وبين الصرامة المهنية والحس الإنساني. كانت صوتًا واضحًا لقضية شعبها، ووجهًا مألوفًا في الدفاع عن حقه في الحرية والكرامة.

وقد اختارت، بعد سنوات من المعاناة مع المرض، أن تنهي حياتها بصمت، تاركة وراءها إرثًا سياسيًا وثقافيًا سيبقى حاضرًا في الذاكرة الفلسطينية والعربية، وذاكرة كل من عرفها أو استمع إلى صوتها وهي تدافع عن قضية اعتبرتها قضية العدالة في العالم.

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا

خيار المحرر

أكثر

    الأكثر قراءة

    حاتم علي: أدفع ثمن موقفي من مسلسل نزار قباني

    0
    يغيب المخرج السوري حاتم علي عن خريطة الدراما السورية في عروضها الرمضانية بشكل لافت هذا العام، ففي السنوات الأخيرة غالباً ما كان يطلّ بعملين؛...