رضخ جاك لانغ، رئيس معهد العالم العربي في باريس، أخيراً، لنداءات باستقالته، أطلقها سياسيون ومثقفون وناشطون إثر الكشف عن علاقات متينة له مع المتمول الأمريكي المدان بتهم بالاتجار الجنسي جيفري إبستين.
ففي رسالة وجّهها إلى وزير الخارجية الفرنسي، أعلن لانغ عزمه على تقديم استقالته، وذلك عشية موعد مراجعته لوزارة الخارجية التي طلبته لتقديم تفسيراته لما ورد في وثائق إبستين. موضحاً أنها جاءت « من أجل الحفاظ على معهد العالم العربي » و »التمكن من دحض جميع الاتهامات التي توجه إليه بهدوء ».
ورد اسم جاك لانغ، وزير الثقافة في عهد الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، 673 مرة، في آخر دفعة من الوثائق التي باتت تحمل اسم « مكتبة إبستين ».
مع هذا العدد من الوثائق، لا يستطيع لانغ، البالغ من العمر 86 عاماً، إخفاء علاقته بالرجل الذي عثر عليه مقتولاً في زنزانته العام 2019. وهو يؤكد أنه « يتحمل مسؤولية » علاقاته السابقة مع إبستين، مشدداً على أنه « لم يكن هناك ما يوحي » بأنه يقود شبكة للاتجار الجنسي بالقاصرات، ومعتبراً أن مجرد وجود اسمه في الوثائق لا يعني ارتكابه أي فعل غير قانوني.
قال لانغ: « عندما أقيم علاقة ودية مع شخص ما، ليس من عادتي أن أسأله عن سجله الجنائي. أنا أثق بالناس. أحب اللقاءات العرضية في الحياة اليومية. هكذا تستمر حياتي ».
وأوضح لانغ أن لقاءه « العرضي » بإبستين حدث عن طريق المخرج الأمريكي وودي آلن، وكان هذا الأخير نفسه في دائرة الضوء في أعقاب حركة « مي تو » إثر اتهامات بالاعتداء الجنسي على ابنته بالتبني، بعمر 7 سنوات حينها. دَعَمَ جاك لانغ المخرج الأمريكي المقرب من إبستين في محنته تلك، فأسعد قلب المتمول الأمريكي المدان بالاتجار بقاصرات، معتبراً أن لانغ « قام بعمل رائع » بدعمه آلن.
يقول لانغ إنه صُدم « عندما اكتشف الجرائم التي ارتكبها » إبستين، ويبرر غفلته عن ارتكاباته و »سذاجته » باعتباره أن إبستين « كان راعياً فنياً متحمساً، وكان يتردد على نخبة باريس ». مضيفاً: « لقد أذهلنا بثقافته الواسعة وفضوله الفكري ».
هذا الوصف تسبب للانغ بكاريكاتير ساخر في صحيفة « ليبراسيون » أظهره مع عبارة « عندما تعرفتُ إليه كان شغوفاً بالفن »، إلى جانب رسم فاضح يصوّر اعتداء إبستين جنسياً على تمثال كلاسيكي لامرأة عارية.
استدعاء أزمة دعم وودي آلن
ردود الفعل على ورود اسم جاك لانغ وعائلته في وثائق إبستين لا يحدها كاريكاتير، فهو يشغل مختلف الأوساط السياسية والثقافية، إذ طالبت العديد من الشخصيات باستقالته. وقد حذر جان-كريستوف كامبادليس، الأمين العام الأسبق لـ « الحزب الاشتراكي »، أن لانغ سيظل هدفاً للانتقادات ما دام لم يستقل، « سواء كان مذنباً أم لا »، لذلك فإن الخوف الأكبر الآن هو على المؤسسة التي يرأسها لانغ، معهد العالم العربي، وقد حذرت الوزيرة السابقة سيغولين روايال من أن استمرار بقائه على رأسها « سيضر حتماً بصورة معهد العالم العربي ».
كما أن مكتب الرئيس إيمانويل ماكرون قال إنه يعتقد أن على لانغ أن « يفكر في المؤسسة » التي يرأسها منذ عام 2013.
لكن الرجل ظلّ يؤكد أنه لا يملك ما يلام عليه، و »لا يفهم أسباب المطالبة باستقالته »، قائلاً: « أنا نقي كالثلج ». فيما يعنون « ميديابارت »، الموقع الاستقصائي الفرنسي البارز، تحقيقاً مطولاً بـ: « جاك متورط تماماً »، متحدثاً عن « وثائق جديدة تقوض دفاع جاك لانغ في قضية إبستين »، وأن سلسلة من رسائل البريد الإلكتروني تشير إلى أن الوزير الاشتراكي السابق كان على صلة شخصية بشركة خارجية مملوكة لجيفري إبستين وابنته (ابنة لانغ)، وأنه استفاد من هبات متنوعة من المجرم الجنسي، وأنه قلل من شأن صداقتهما.
وفي محاولته لإخماد الجدل، بحسب « ميديابارت » فإن جاك لانغ دافع عن نفسه بزعم أنه لا تربطه أي صلة بشركة « بريتاني « ، التي تملكها ابنته وجيفري إبستين كملاذ ضريبي، والمخصصة لشراء وبيع الأعمال الفنية. مؤكداً أن جيفري إبستين لم يكن أبداً « صديقاً » له، وأنه لم يستفد بأي شكل من أشكال من علاقتهما. وإلى جانب تلك الشركة فإن الحديث يدور حول تكاليف نقل وسيارة وسائق وتحضيرات لعيد ميلاد وموائد، عن روابط مالية ومصالح اقتصادية مشتركة بين عائلة لانغ وإبستين، ومراسلات تضمنت عبارات شكر وإشادة بإبستين.
تهم غسل أموال
وفي عام 2020، كُشف أن مؤسسة تابعة لإبستين دفعت 57897 دولاراً في عام 2018 إلى جمعية أنشأها مقربون من جاك لانغ. وكان الهدف من هذا التبرع هو « تمويل فيلم ». لكن هذا الفيلم، الذي أطلق عليه اسم « جاك لانغ، عبور القرن »، لم يُعرض أبداً بسبب حدة فضيحة إبستين.
ووفقاً لـ « ميديابارت » فإن كارولين لانغ، ابنة جاك لانغ، وهي شخصية مؤثرة في عالم السينما، وتظهر أيضاً في الوصية المالية للمجرم إبستين، أسست الشركة في جزر فيرجن، والتي تمتلك نصف أسهمها، في عام 2016 مع جيفري إبستين.
وجاءت استقالة لانغ غداة إعلان مكتب المدعي العام المالي الفرنسي بأن تحقيقاً أولياً فُتح مع لانغ، وابنته كارولين، على خلفية علاقاتهما مع المتمول الأميركي.
وقال المكتب إنه سيتم التحقيق مع لانغ وابنته بتهمة « غسل أموال » متعلقة بعائدات تهرب ضريبي بسبب علاقات مالية مشبوهة مع ابستين. فيما صرح وزير الخارجية الفرنسي جان لوي بارو أن « العناصر الأولى التي بدأت تظهر من هذه الملفات جديدة وخطيرة للغاية »، و »ستتطلب فحصا متعمقاً ».
واستقالت كارولين لانغ، الإثنين، من منصبها كرئيسة لـ « نقابة المنتجين المستقلين » في السينما والتلفزيون، بعد الكشف عن صلاتها بالملياردير السابق.
لكنها، مثل والدها، تفسر حالتها بالقول: « كنت ساذجة للغاية »، وتعترف بأنها لم تبلغ مصلحة الضرائب الفرنسية عن شركتها في جزر فيرجن، « نظراً لأنني لم أستثمر أي أموال فيها، فجميع الأموال كانت من جيفري، لم أقدر الآثار والعواقب ».
لكن حادثة ترويها بنفسها تثير تساؤلات حول حدود تلك « السذاجة »: « قال لي إذا بحثتِ عني على غوغل، ربما لن ترغبي في التحدث معي أبداً ». وتضيف: “لذا بحثت، ووجدت في الصحافة أنه أدين بتهمة استغلال قاصرات في الدعارة، وأنه حُكم عليه بذلك في عام 2008. أخبرني أنه دفع ثمن جريمته وعوض الضحايا، وأنا صدقته ».
تصر لانغ الابنة (64 عاماً)، في حديثها لـ « ميديابارت »، على إزالة أي غموض: « لم تكن لي أبداً علاقة عاطفية مع جيفري. كان حساساً، لكنه لم يغازلني أبداً. أبداً ».
الخوف على المؤسسة
ما يهم الآن، بالنسبة لشرائح واسعة من الفرنسيين (المهتمين منهم بالثقافة العربية خصوصاً) هو مصير معهد العالم العربي، فمع أن الاستقالة قطعت الطريق على هجوم حاد ودعوات لمقاطعة فعاليات المؤسسة البارزة، التي تحمل طابعاً رمزياً ثقافياً، وكانت قد بدأت بالفعل بعض الانسحابات من فعاليات مبرمجة مسبقاً، إلا أن المعهد لم ينج تماماً من مخاطر وتحديات تمليها الاستقالة هذه المرة. لقد انتقلت الأزمة من التمحور على سلوك شخص، إلى سؤال أوسع حول مستقبل المعهد برمته.
برغم كل ما يحيط بلانغ الآن من لغط وتساؤلات، أو حتى اتهامات، إلا أن أحداً لا يستطيع إنكار دوره في إضفاء حيوية استثنائية على فعاليات المعهد وحضوره في الثقافتين العربية والفرنسية، كما لا ينكر دعمه الصريح للقضية الفلسطينية عبره.
يخشى موظفون في المؤسسة العريقة من تعيين رئيس جديد ذي توجه يميني، ويتوجسون من أن يلحق المعهد بوزارة أخرى غير الخارجية، لأن أي تمويل آخر بعيد عن هذه الأخيرة سيكون خاضعاً، حسب تقديرهم، للأمزجة.
ويشير هؤلاء إلى أن الأسماء المتداولة للمنصب تتراوح بين اثنين؛ سفير فرنسا الأسبق في الجزائر فرانسوا غويّت، وريما عبد الملك، وزيرة الثقافة السابقة، المتحدرة من أصل لبناني.
بالنسبة لموظفي المؤسسة وأنصارها فإن التحدي الأهم هو هل سيكون الرئيس القادم قادراً على إقناع الخارجية الفرنسية، والبلدان العربية، بتقديم التمويل اللازم لاستمرار الفعاليات التي طالما جعلت من المعهد منارة حقيقة، ومركزاً لأنشطة ثقافية لا تهدأ على مدار العام. والأهم، بالنسبة لهم: هل ستكون اللغة العربية أولوية بالنسبة للرئيس القادم؟ ومن دون أخذ ذلك بالحسبان هل ستبقى المؤسسة معهداً للعالم العربي؟
« الجزيرة »
——————























