في واحدة من قصص الفيلم الإيراني «لا وجود للشيطان» يصوّر المخرج محمد رسولوف يوميات رجل أمن إيراني في حياته العادية، أي بعيداً عن لباسه الميداني، وبعيداً في البداية عن وظيفته الرسمية. تراه كمواطن هادئ البال، مستمعاً جيداً لثرثرة زوجته، ملبياً لمتطلبات العائلة، رضيّاً يزور بيت والدته كل يوم، تقوم زوجته بتحميمها، فيما يقوم بكنس بيتها، رقيق القلب حين يساعد الجيران في تخليص قطة عالقة بين أنابيب المبنى، وفي الختام سينهض فجراً إلى عمله، نراه يعبر ممراً طويلاً ليصل إلى غرفة العمل، في واجهتها بعض الأزرار واللمبات الصغيرة، وبينما يقوم بغسل بعض حبات البندورة والخيار، ستتحول اللبمات إلى الضوء الأخضر، ما يعني أن عليه الآن القيام بكبس الزر. وما تلك سوى لحظة إعدام؛ تنفتح الشاشة على مشهد إعدام جماعي قاس ومرعب. نفذّه ذلك الرجل ذو الملامح السمحة، من دون أي ألم أو تغيّر في تعبيرات الوجه، وهو على الأرجح سيحظى في اليوم التالي بإجازة لثلاثة أيام، ولعله سيحمل معه شوال الرز المخصص له، وبعد الظهر سيأخذ زوجته وطفلته إلى الـ«سوبر ماركت» ويهيل في عربته ما شاء من المنتجات الملونة.
إنها الأوامر!
إنها يوميات عادية، ليست مترفة، لكن تبدو تلك «العادية» مكافأة كبسة زرّ الإعدام، فنحن نرى في قصص الفيلم التالية من يرفض أثناء خدمته العسكرية الإجبارية القيام بتلك المهمة، إلى حدّ يبدو جنديٌ مساقٌ لتنفيذ الحكم بآخرين كما لو أنه هو نفسه المحكوم بالإعدام. لكن للرفض ثمنا كبيرا ستدفعه إحدى الشخصيات حين يضطر طبيب للتخلي عن مهنته، وعن مختلف الحقوق المدنية، بل وكذلك التخلي عن طفلته التي ستعيش عشرين عاماً من دونه خارج البلاد، فيما يعيش مع زوجته الطبيبة في بيت ريفي ناءٍ كمعارض منبوذين.
لا وجود للشيطان إذاً، لا وجود للشيطان كما نعرفه في الأساطير وفي المرويات الدينية، هنالك فقط إرادة حرّة، أو مسلوبة. كبسة الزر ليست قدراً، ولا يمكن تبريرها بالقول «إنها الأوامر» و«إننا عبيد مأمورون». ولكي لا نذهب بعيداً فإن المخرج رسولوف نفسه نموذج لتلك الإرادة الحرة. فقد كان محكوماً بالسجن (مع وقف التنفيذ) بسبب «ارتكابه» مع زميله المخرج جعفر بناهي التصوير من دون إذن، وقد أدى نيله جائزة «الدب الذهبي» في مهرجان برلين في دورته السبعين إلى تفعيل الحكم السابق بالسجن.
ربما كانت عبارة «لا وجود للشيطان» الشجاعة وحدها كافية لإثارة حنق النظام الإيراني، هو الذي لا يكفّ في أدبياته عن شيطنة خصومه وتصنيفهم إلى شيطان أكبر وأصغر أو شيطان وسط.
السينما الإيرانية غير الموجهة، وكما أثبت عدد من السينمائيين الإيرانيين، هي رفض لكبسة زر الإعدام. والأجمل أنها ترفض مع الاحتفاظ بسويّة فنية عالية لا تطفئها الأيام.
راشد عيسى






