يروى أن معزاة شكّلت انقلاباً في حياة النجمة الفرنسية الشهيرة، وهي في عزّ عطائها، عندما التقتها العام 1973 في موقع تصوير فيلم “القصة المبهجة والمفرحة لكولينو”، وعلى ما يبدو أنها (المعزاة طبعاً) كانت مهددة بالذبح، فأنقذتها، وآوتها مع كلبها في مكان إقامتها.
منذ ذلك الوقت توقفت النجمة الفرنسية عن التمثيل، واعتبرت أن فن السينما لم يعد يعبّر عن قيمها الجديدة. راحت تتصدى لكل أذى محتمل لما تسميه حقوق الحيوان. أطلقت مؤسسة حملت اسمها، جهدت في تأمين ملاجئ للكلاب والقطط وعرضتها للتبني، برامج لتعقيم الحيوانات الضالة، حماية الحيوانات البرية ودعم دمجها في بيئاتها الطبيعية، نادت بوقف التجارب العلمية أو غيرها على الحيوانات، واستخدامها في الصناعات، وكانت أشبه بحاجز تفتيش على كل من تسول له نفسه ارتداء ملابس حيوانية المصدر.
وقد شاركت مؤسستها باحتجاجات أمام دور الأزياء لاستخدام فراء الحيوانات في تصاميمها. على غرار وقفة الممثلة وعارضة الأزياء الأمريكية باميلا أندرسون (المتضامنة مع باردو) التاريخية عندما نشرت صورتها عارية، لتقول إنها تفضل أن تبقى كذلك (عارية) على أن تلبس فراء حيوان.
من البديهي إذن أن تصل باردو للتصادم مع ذبح الأضاحي على الطريقة الإسلامية، وقد خاضت مواجهات عديدة بهذا الصدد، فهي لم تكتف بالاعتراض على طريقة الذبح، بل سخرت من المسلمين أنفسهم، انتقدت الهجرة والمهاجرين معتبرة أن فرنسا “مُستعمرة من الأجانب، وخاصة المسلمين”، وكانت قد اعترضت بشدة على الذبح من دون تخدير للحيوان.
تصريحات قادت باردو إلى المحاكم الفرنسية وقد أدينت عدة مرات بغرامات مالية بتهمة التحريض على الكراهية والعنصرية.
فرنسا نظيفة!
وقد عرضت “لوموند” الفرنسية بعض تصريحاتها، معتبرة أنها “كانت النجمة الوحيدة التي دافعت علنًا عن اليمين المتطرف”.
ونقلت الصحيفة عن جان-ماري لوبان قوله: “لدينا قواسم مشتركة أكثر مما يبدو. هي تحب الحيوانات، ولديها حنين إلى فرنسا نظيفة؛ وأنا أحب شجاعتها وصراحتها”.
وذكّرت بتصريحها حول عيد الأضحى الذي “سيُغرق أرض فرنسا بدماء الخراف المذبوحة”، وبقولها: “يُذبح النساء والأطفال، رهباننا، موظفونا، سياحنا وخرافنا؛ وسيأتي يوم نُذبح فيه نحن، وسنكون قد استحققنا ذلك. فرنسا مسلمة، وماريان مغاربية؟ ولمَ لا، وقد بلغنا ما بلغنا؟”.
تقول الصحيفة بأنه بات الدفاع عن الحيوانات بوصلتها السياسية الوحيدة، وربما ليست المشكلة هنا تماماً، لو أن النجمة اكتفت بذلك من دون استخدام هذا الرفق، هذا اللطف والحنو تجاه كائنات ضعيفة، للدعوة إلى طرد فئة بشرية لا يستهان بها في فرنسا، ونعني ذلك العدد من المهاجرين العرب والمسلمين، لو لم تصل إلى خطاب الكراهية هذا لكان في منتهى النبل أن يغير المرء كل حياته، وينقلب عن كل المكاسب التي كان يحظى بها كرمى لعيني معزاة.
ومعاذ الله أن يسخر المرء من دأب السيدة باردو في المطالبة بحماية الحيوان، حتى لو كنا نشهد كل هذه الاستهانة التي لا يمكن احتمالها بحقوق البشر، إذ قد يتساءل الناس عن “هزل” الاهتمام بحقوق معزاة واستهانة بالمجازر الدموية المتنقلة حول العالم، بإشاحة النظر عنها. فهنا قد يكون الوقوع في محظور مغالطة منطقية، أو في سؤال الـ “ماذا عنّية” (من “ماذا عن؟”) العبارة المخلوقة للتخفيف وتسخيف أي فكرة أو قضية، إنما ما لا يجعل التساؤل مغالطة أن باردو لم تقل بحماية الحيوان وحسب، بل ارتكبت مقابله خطاب تحريض واحتقار وكراهية، والحمدلله أن القضاء الفرنسي نفسه من قال ذلك عندما أدانها.
وقد ينسحب ذلك على عمل جزء كبير من المؤسسات في هذه البلاد، إذ قد يدّعي بعضها الالتزام بحقوق البشر ثم يساهم في إنقاذ أو تعويم قاتل ومجرم.
الخلاص الوحيد
وشخصياً لديّ احترام كبير للرفقاء بالحيوانات، وأحسب حقاً أن عيني معزاة (خصوصاً المعزاة)، تستحقان فعلاً دفاع محامين وحقوقيين. وكان لي تجربتي الصغيرة في العزوف عن أكل اللحوم لحوالي العام، وزاد تقديري لصبر النباتيين، بل زاد تقديري أكثر للعازفين عن لحم الحيوان لا لشأن صحي بل لمجرد الرأفة وحسب. وعندي إيمان، فوق كل ذلك، أن التخلي عن اللحوم، والالتفات إلى النبات، سيكون هو الخلاص الوحيد للكوكب.
وددت أن أتذكر بريجيت باردو بحب أكبر، مستذكراً كونها رمزاً خالصاً للجمال، للفن، لكنها ثابرت على مرّ عقود في تحويل مساعيها إلى هزل خالص عندما كانت تنحو باللائمة كلّها على فئات بعينها.
هكذا استطاعت أن تحول نفسها، بانحيازها لكائنات هشة، من رمز للنبل، إلى مادة للسخرية كلما ذُكرتْ، أو جرى التطرق لمساعي الرفق بالحيوان، بدل أن تصبح مثالاً للنبل والرفعة.
وعلى ما يبدو، فما من أذى لحق بالحيوانات أكثر من دفاع بريجيت باردو عنها، فمعها (هكذا يمكن للمرء أن يتخيل) كان عناد الناس يزيد، وتوحشهم في الانقضاض على حيوانات الكوكب يتفاقم.
وصحيح أن باردو لم تدعُ صراحة إلى ذبح المسلمين مقابل التقدير الهائل لعيني ماعز (وأستوحي في العنوان عبارة محمود درويش: سأحارب من أجل تحليل لحم الخنزير، وتحريم لحم السجناء)، إلا أنها لم تفعل شيئاً سوى إعلان الرغبة بالتخلص منهم وطردهم، ما يؤدي فعلاً، لا مجازاً، إلى ذبحهم، إن توفرت ظروف ملائمة.
——————-
راشد عيسى
“القدس العربي”
29-12-2025




























