إيلون ماسك في مرآة لا يملكها.. وثائقي يفكك أسطورة «ليوناردو العصر» 

باريس- “صوت صورة”:
ليس أصعب ما يواجه صانع الفيلم الوثائقي أن ترفض الشخصية الرئيسية الجلوس أمام كاميرته. الصعوبة الحقيقية تبدأ حين تكون هذه الشخصية إيلون ماسك: رجلاً يملك منصة إعلامية واسعة، وشركات تكنولوجية تتداخل أعمالها مع الفضاء والاتصالات والنقل والذكاء الاصطناعي والعقود الحكومية، وجمهوراً يستطيع استدعاءه فوراً لمهاجمة أي رواية لا تعجبه.
هذه هي المسافة الخطرة التي يدخلها المخرج الأميركي أليكس غيبني في فيلمه الجديد «Musk»، الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى، خارج المسابقة، في الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية السينمائي في 8 سبتمبر/أيلول 2026.
يمتد الفيلم قرابة أربع ساعات، بينها استراحة، ويحاول تتبع صعود ماسك من عالم شركات الإنترنت في التسعينيات إلى موقع لم يعد فيه مجرد رجل أعمال، بل أحد الأفراد الأكثر قدرة على التأثير في التكنولوجيا والسياسة والمعلومات والحياة العامة.
رفض ماسك المشاركة في الفيلم. لكن غيابه الجسدي لم يؤدِّ إلى غياب صوته؛ إذ لجأ غيبني إلى حيلة تقع في قلب الإشكالية التي يناقشها الوثائقي: صنع صورة رقمية متحركة لماسك، واستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لمزامنة صوته مع أقوال حقيقية سبق أن أدلى بها في مقابلات وظهورات علنية.
هكذا يجلس «ماسك» أمام المخرج من دون أن يجلس ماسك فعلاً.

أسطورة العبقري التكنولوجي لا تُبنى من الإنجاز وحده؛ تحتاج أيضاً إلى قصة سهلة التكرار

مقابلة مع شبح رقمي

يقول غيبني إن فريقه استشار محامين قبل استخدام الشخصية الرقمية. والحيلة، وفق تفسيره، ليست محاولة لخداع المشاهد أو نسبة كلام جديد إلى ماسك، بل مفارقة مقصودة تشير إلى ولع الأخير بفكرة أن البشر ربما يعيشون داخل محاكاة، وتضع في الوقت نفسه «واقع ما فعله» في مواجهة الرواية التي بناها عن نفسه.
لكن الاختيار يفتح سؤالاً أكبر من الفيلم: إذا أمكن تركيب مقابلة من أقوال موثقة، فهل تصبح الشخصية الرقمية بديلاً مشروعاَ عن الشخص الذي رفض الكلام؟ وهل يكفي أن تكون الجمل أصلية كي يكون السياق عادلاً؟
لا يقدم الوثائقي، وفق ما ظهر من التغطيات الأولى، شخصية رقمية محايدة. إنه يستخدمها بوصفها أداة تفكيك، ليضع تصريحات ماسك القديمة والجديدة أمام قراراته ونتائجها. غير أن هذه التقنية تضع على الفيلم مسؤولية مضاعفة: عليه ألا يكتفي بصحة الكلمات، بل أن يوضح متى قيلت، وفي أي سياق، وكيف جُمعت وأعيد ترتيبها.
المفارقة أن فيلماً ينتقد سلطة الذكاء الاصطناعي وصاحبه الأشهر يستخدم التقنية نفسها لاستحضار صاحب السلطة. وهذا التناقض ليس بالضرورة نقطة ضعف؛ فقد يكون أفضل مفاتيح العمل، ما دام المشاهد يعرف بوضوح أين تنتهي الوثيقة وأين يبدأ التركيب.

من الإعجاب إلى الشك

دخل غيبني المشروع، بحسب تصريحه لوكالة أسوشيتد برس، وفي داخله قدر من الإعجاب بماسك. كان يأمل أن يجري معه مقابلة، قبل أن يقوده البحث إلى مراجعة الصورة الشائعة لرجل الأعمال باعتباره «ليوناردو دا فينشي الحديث»: مخترعاً منفرداً ينتقل بعبقريته من السيارات الكهربائية إلى الصواريخ والأقمار الاصطناعية والذكاء الاصطناعي.
هذه الصورة هي موضوع الفيلم الحقيقي. فأسطورة العبقري التكنولوجي لا تُبنى من الإنجاز وحده؛ تحتاج أيضاً إلى قصة سهلة التكرار. يظهر الفرد فيها سابقاً لعصره، بينما تتحول فرق المهندسين والعمال والباحثين والممولين والدولة إلى خلفية باهتة. تصبح الشركة امتداداً لشخصيته، وكل نجاح دليلاً على بصيرته، فيما تُعامل الإخفاقات باعتبارها ثمناً ضرورياً للجرأة.
لا ينكر الفيلم، كما توحي التغطيات، أثر الشركات التي ارتبط اسمها بماسك. ساهمت «تسلا» في دفع صناعة السيارات نحو الكهرباء، ورسخت «سبيس إكس» نموذجاً جديداً لإطلاق الصواريخ، وأصبح «ستارلينك» بنية اتصالات ذات أهمية في مناطق الحرب والكوارث والأماكن المعزولة. لكن الاعتراف بهذه النتائج لا يوجب قبول الرواية البطولية التي تجعل رجلاً واحداً مصدرها الوحيد.
يصف غيبني ماسك بأنه رجل بارع في إطلاق الوعود الضخمة واستخدامها لجمع المال والنفوذ. هذا حكم المخرج ونتيجة فيلمه، وليس حقيقة محايدة ينبغي تلقّيها بلا فحص. غير أن السؤال الذي يبنيه حول ذلك صالح خارج حالة ماسك: متى يكون الوعد التكنولوجي خطة قابلة للاختبار، ومتى يصبح عرضاً مستمراً تُموَّل به الأسطورة قبل وصول المنتج؟

فك الأسطورة لا يعني قلب علامتها من موجب إلى سالب. يعني تفكيك الآلة التي صنعتها

الخوف بوصفه مادة غائبة

تكمن إحدى أكثر إشارات الفيلم إثارة في الأشخاص الذين لا يظهرون فيه. قال غيبني لوكالة رويترز إن الخوف خيّم على عملية الإنتاج، وإن أشخاصاً يعرفون ماسك أو عملوا بالقرب منه رفضوا الحديث علناً.
لا يثبت امتناعهم وحده أنهم تعرضوا للتهديد؛ فقد يخشى المصدر دعوى قضائية، أو خسارة وظيفة، أو مخالفة اتفاقية سرية، أو دخول معركة جماهيرية مرهقة. لكن تراكم الصمت يصبح معلومة تستحق الفحص، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخص تتحكم شركاته في وظائف واستثمارات وعقود، ويملك في الوقت ذاته وسيلة قادرة على توجيه الانتباه إلى فرد بعينه خلال دقائق.
يضم الفيلم شهادة آشلي سانت كلير، المؤثرة المحافظة السابقة التي تربطها بماسك علاقة سابقة ولهما طفل. قالت في البندقية إنها رفضت عرضاً مالياً قيمته 40 مليون دولار مقابل توقيع اتفاق يمنعها من الكلام. الرقم والملابسات روايتها هي، ولا تعني مشاركتها أن كل ادعاءاتها صار مثبتاً لمجرد ظهوره في وثائقي.
وتكمن قيمة الشهادة الأوسع في السؤال الذي تطرحه عن اقتصاد الصمت: حين يستطيع الثري شراء السرية، لا يعود الأرشيف المتاح للجمهور نتاج ما حدث فقط، بل نتاج ما بقي مسموحاً بقوله.

المنصة ليست ساحة محايدة

ينتقل الفيلم إلى استحواذ ماسك على «تويتر»، الذي أصبح «إكس»، وإلى أثر ذلك في المجال العام. يرى غيبني أن ماسك تلاعَبَ ببنية المنصة وخوارزمياتها بطريقة رفعت حضور الغضب والكراهية على حساب تصورها القديم بوصفها «ساحةً للمدينة».
مرة أخرى، هذه أطروحة الفيلم وتحتاج إلى تقييم الأدلة التي يعرضها، لا إلى اعتمادها من تصريح المخرج وحده. لكن القضية تتجاوز سؤال ما إذا كان ماسك عدّل خوارزمية بعينها. فمالك المنصة لا يحتاج إلى حذف كل رأي كي يؤثر في النقاش؛ تكفي القدرة على تغيير قواعد التوصية، أو منح بعض الحسابات وصولاً أكبر، أو تحديد نوع المحتوى الذي يكافَأ بالانتشار.
تقليدياً، كان موضوع الفيلم يستطيع مقاضاة المخرج أو إصدار بيان مضاد أو الظهور في قناة منافسة. أما هنا، فموضوع التحقيق يمتلك جزءاً من البنية التي سيصل عبرها التحقيق إلى الجمهور وتدور فوقها المناقشة بشأنه. يستطيع الرد من حساب يتابعه الملايين، وقد تتحول كلماته إلى خبر مستقل قبل أن يشاهد الجمهور الفيلم.
لهذا لا يتعلق «Musk» بسيرة ملياردير فقط، بل بتحول في ميزان القوة بين الصورة ومن تُصوّره. الكاميرا لم تعد دائماً هي الطرف الأقوى.

من الصاروخ إلى السياسة

بدأ المشروع عام 2023 على هيئة فيلم أقصر، لكنه اتسع مع نمو حضور ماسك السياسي واقترابه من دونالد ترمب واليمين العالمي. لم يعد ممكناً، من وجهة نظر غيبني، الفصل بين شركات الرجل ومواقفه السياسية أو النظر إلى منشوراته بوصفها انفعالات شخصية لا صلة لها بموقعه الاقتصادي.
يمكن لرجل الأعمال العادي أن يؤيد حزباً أو مرشحاً. لكن الأمر يختلف حين يملك الشخص شبكة أقمار اصطناعية، ومنصة تواصل، وشركات تعتمد على عقود وقرارات تنظيمية حكومية، وقدرة مالية تتيح له التأثير في الانتخابات والسياسات العامة.
هنا يستبدل الفيلم سؤالاً مألوفاً – «هل ماسك عبقري أم محتال؟» – بسؤال أدق: ما مقدار القوة التي يجوز لمجتمع ديمقراطي أن يتركها في يد فرد واحد، بصرف النظر عن درجة ذكائه أو صدق نياته؟
الثنائية الأولى مغرية إعلامياً، لأنها تحوّل العالم إلى مسابقة في الحكم على الشخصية. أما الثانية فتجبرنا على النظر في المؤسسات: من يراقب العقود؟ من يحاسب المنصة؟ من يستطيع تدقيق ادعاءات الشركة؟ وماذا يحدث إذا أصبح نفوذ صاحبها أكبر من قدرة المؤسسات التي يفترض أن تنظمه؟

وثائقي أم مرافعة اتهام؟

لا ينبغي منح غيبني حصانةً نقدية لمجرد أنه يواجه رجلاً شديد القوة. فقد صنع المخرج أفلاماً استقصائية عن «إنرون» و«ثيرانوس» و«السيانتولوجيا» والمال السياسي، ويملك خبرة واضحة في تفكيك المؤسسات والشخصيات التي تبني حول نفسها أسواراً من السرية والعلاقات العامة. لكن هذا التاريخ قد يدفع المشاهد أيضاً إلى توقع الإدانة قبل بدء الفيلم.
رفض ماسك المشاركة يحرم العمل من مواجهة مباشرة، لكنه لا يُلزم المخرج بتخفيف استنتاجاته إذا كانت الأدلة تسندها. وفي المقابل، لا يجوز أن يتحول الرفض إلى تصريح مفتوح يجعل كل تفسير من طرف واحد مكتفياً بذاته.
سيتحدد نجاح «Musk» حين يصل إلى الجمهور والنقاد خارج المهرجان: هل يفرّق بين الوثيقة والتأويل؟ هل يمنح المهندسين والعمال والمصادر مساحة تتجاوز دور الشهود على عظمة الرجل أو خطورته؟ هل يشرح تداخل الشركات بالدولة والأسواق، أم يستبدل أسطورة العبقري بأسطورة مضادة عن الشرير القادر وحده على تشكيل العالم؟
فك الأسطورة لا يعني قلب علامتها من موجب إلى سالب. يعني تفكيك الآلة التي صنعتها.

وفرة ظهور إيلون ماسك لا تعني أننا نعرفه؛ قد تعني فقط أننا نعرف الصورة التي يريد إبقاءها أمامنا

من يملك صورة الرجل الأقوى؟

ثمة مفارقة أخيرة في أن يحتاج فيلم طوله أربع ساعات إلى مطاردة رجل ينتج صورته كل يوم، وأحياناً مرات عدة في الساعة. ماسك حاضر باستمرار في الأخبار والمنشورات والمؤتمرات وإطلاق المنتجات والمواجهات السياسية. لكن وفرة ظهوره لا تعني أننا نعرفه؛ قد تعني فقط أننا نعرف العلامة التي يريد إبقاءها أمامنا.
يحاول فيلم غيبني انتزاع صورة ماسك من سيطرة ماسك. ولذلك ليست معركته على المعلومات وحدها، بل على حق ترتيبها: أي لقطة تأتي أولاً، وأي وعد يوضع أمام نتيجته، وأي صوت يشرح ما حدث بعد انطفاء أضواء العرض.
هذا هو الرهان الثقافي الأهم في الوثائقي. ففي زمن يستطيع فيه الفرد الثري امتلاك الشركة والمنصة والخوارزمية وجمهور الرد، تصبح صناعة صورة مستقلة عنه فعلاً سياسياً. لكنها لا تصبح، لهذا السبب وحده، صورة عادلة أو نهائية.
قد ينجح «Musk» في إسقاط لقب «ليوناردو العصر»، وقد يستبدله بصورة أخرى لا تقل تبسيطاً. غير أن السؤال الذي يتركه صار أكبر من بطله ومخرجه معاً: إذا كان الرجل قادراً على بناء وسائل المستقبل وامتلاك القنوات التي نتحدث عبرها عنه، فمن يملك المرآة التي نراه فيها؟

————————-
إعداد: “صوت صورة”

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا