حين تصبح العمارة خيانةً للوطن.. اليمين الألماني يعيد «الباوهاوس» إلى قفص الاتهام، من ديساو إلى تل أبيب ومدن عربية

باريس- “صوت صورة”:

ليست الواجهة زينةً بريئة معلّقة على وجه المدينة. إنها، في اللحظات السياسية الحادة، إعلانٌ عمّن ينتمي إلى الأمة، وعمّن يُدفع خارجها. نافذة أفقية، سقف مسطح، جدار أبيض خالٍ من الزخرفة: عناصر تبدو تقنية، لكنها تستطيع أن تتحول في خطاب قومي إلى أدلة اتهام. وهذا ما يحدث مجدداً في ألمانيا، حيث دخلت مدرسة الباوهاوس، بعد أكثر من قرن على تأسيسها، حملة انتخابية لا تناقش جودة مبانيها بقدر ما تسأل: هل هي ألمانية بما يكفي؟

قبيل انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت المقررة في 6 سبتمبر/أيلول 2026، وضع حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الباوهاوس في قلب معركته الثقافية. وصف الحزب المدرسة، وفق تقرير لوكالة أسوشيتد برس، بأنها «انحراف في الحداثة»، وانتقد افتقارها إلى الجذور الوطنية. ويتضمن برنامجه استبدال شعار الولاية «فكّر حديثاً» بعبارة «فكّر ألمانياً»، فيما يثير صعوده احتمال تقليص التمويل العام لمؤسسة باوهاوس ديساو. في المقابل، وقّع أكثر من 2500 شخص ومؤسسة بياناً دفاعاً عن المدرسة، وتعهدت الحكومة الاتحادية مواصلة مساندتها أياً تكن نتيجة الاقتراع.
هنا لا يعود الخلاف بين سقف مائل وآخر مسطح. الصيغة الأكثر كشفاً في الحملة هي المقابلة بين «الحديث» و«الألماني»، كأن الحداثة نقيض الانتماء، وكأن الشيء لا يصبح وطنياً إلا إذا بدا قديماً. بهذه الحيلة اللغوية تتحول الذائقة إلى امتحان ولاء: ما لا يحمل العلامات التي يختارها الحزب للماضي القومي يمكن تقديمه بوصفه جسماً غريباً، حتى لو صار منذ زمن جزءاً من صورة ألمانيا في العالم.

 مدرسة لم تكن «طرازاً» واحداً

تأسست الباوهاوس في فايمار عام 1919 بقيادة المعماري فالتر غروبيوس، وانتقلت إلى ديساو عام 1925، ثم إلى برلين في عامها الأخير. اختبرت، خلال عمر قصير، جمع الفنون والحِرف والتقنية والإنتاج الصناعي، وشارك فيها فنانون ومصممون من اتجاهات متباينة، بينهم بول كلي وفاسيلي كاندينسكي ولازلو موهولي-ناجي وغونتا شتولتسل. لذلك فاختزالها في مكعب أبيض أو شعار «الشكل يتبع الوظيفة» يطمس تنوعها وتحولاتها وخلافاتها الداخلية.

حين تصبح النافذة دليلاً على الوطنية، لا تكون العمارة وحدها في قفص الاتهام؛ تكون المدينة نفسها قد بدأت تفقد حقها في الاختلاف

لم تكن الباوهاوس كذلك جبهة سياسية متجانسة. تَعاقَبَ على إدارتها غروبيوس وهانس ماير ولودفيغ ميس فان دير روه، وتغيرت تحت كل منهم علاقتها بالصناعة والسياسة والتعليم. وقد أعادت معارض حديثة في فايمار فحص مصائر منتسبيها في الحقبة النازية: بينهم من تعرض للاضطهاد أو هاجر، ومن تكيف مع النظام، ومن تعاون معه. هذه الحقيقة لا تنقض وقوع المدرسة ضحيةً للضغط النازي، لكنها تمنع تحويلها إلى أسطورة نقية ومريحة.

بدأ الخنق قبل وصول هتلر إلى الحكم الاتحادي. بعد سيطرة النازيين على السلطة المحلية في ديساو أُغلقت المدرسة هناك عام 1932، فانتقلت لفترة قصيرة إلى مصنع مهجور في برلين. وفي 1933، وبعد مداهمة الشرطة السرية والضغط السياسي، قرر القائمون عليها حلها. لكن الإغلاق حقق عكس ما أراده خصومها على المدى الطويل: هاجر مدرسون وطلاب، وانتقلت الأفكار معهم إلى الولايات المتحدة وسويسرا والاتحاد السوفياتي وفلسطين تحت الانتداب البريطاني وغيرها.

كان الاتهام آنذاك قريباً بصورة مقلقة من مفردات الحاضر: فن «غير ألماني»، سطح مسطح لا يشبه البيت القومي المتخيل، ونزعة دولية تهدد التجانس. لذلك أثارت حملة «البديل» رداً حاداً من وزير الثقافة الألماني فولفرام فايمر، الذي شبّه لغتها باللغة التي استخدمها النازيون ضد المدرسة. التشبيه موقف سياسي، وليس برهاناً على تطابق الحزبين أو السياقين؛ لكن التشابه في بناء الخصم واضح: في الحالتين يُحوّل الشكل الحديث إلى علامة على غياب الجذر.

 تل أبيب: الباوهاوس التي غيّرت مناخها واسمها

من هنا تصل الحكاية إلى تل أبيب. الارتباط حقيقي، لكنه أكثر تعقيداً من العبارة السياحية الشائعة: «أكبر مدينة باوهاوس في العالم». ما سمّته اليونسكو عام 2003 «المدينة البيضاء في تل أبيب ــ الحركة الحديثة» يضم نسيجاً واسعاً شُيد أساساً من مطلع الثلاثينيات إلى الخمسينيات وفق مخطط عمراني وضعه باتريك غيدس. صمم مبانيه معماريون تلقوا تعليمهم أو مارسوا مهنتهم في أوروبا قبل الهجرة، ثم نقلوا إلى المدينة مبادئ متعددة من الحركة الحديثة.

كان بعض هؤلاء على صلة مباشرة بالباوهاوس، مثل أرييه شارون، لكن آخرين جاءوا من مدارس واتجاهات أوروبية مختلفة وتأثروا كذلك بلو كوربوزييه وإريش مندلسون والطراز الدولي الأوسع. الأدق، إذن، أن نقول إن تل أبيب تضم تركيزاً استثنائياً لعمارة الحركة الحديثة، كان الباوهاوس أحد روافدها الكبرى، لا أن ننسب كل شرفة بيضاء فيها إلى مدرسة ديساو.

مبنى من الطراز الدولي عند تقاطع جادة بن غوريون وشارع إميل زولا في تل أبيب، صممه H. Sima وA. Glik واكتمل عام 1935، وهو من المباني المحفوظة ضمن «المدينة البيضاء»

ثم إن الفكرة لم تنتقل كما هي. الزجاج الواسع المناسب لضوء شمال أوروبا تقلص أمام شمس المتوسط إلى نوافذ أصغر. امتدت الشرفات الضيقة لتلتقط نسيم البحر، وحمت كل شرفةٍ التي تحتها من الشمس. حلت الأسطح المستوية، التي يمكن استعمالها مساءً، محل الأسقف المائلة؛ ورفعت بعض المباني على أعمدة ليسمح الفراغ بحركة الهواء وباستخدام الأرض مساحةً مشتركة. لم تكن هذه خيانةً للأصل الأوروبي، بل كانت عمارة حية لأنها قبلت أن تتغير.

هذه المفارقة مهمة: ما يصفه القومي بأنه «طراز بلا جذور» لم يبق بلا مكان حين وصل إلى شرق المتوسط. اكتسب مناخاً ومواد وعادات سكن جديدة. الهوية المعمارية هنا ليست ختم منشأ، بل عملية ترجمة. والواجهة التي جاءت من شبكة أفكار عابرة للحدود لم تصبح محلية بتزيينها بزخارف جاهزة، وإنما بقدرتها على التفاوض مع الشمس والهواء والجسد والحياة اليومية.

الهوية المعمارية ليست ختم منشأ، بل عملية ترجمة

 المدينة البيضاء وظل يافا

لكن القصة لا تنتهي عند نجاح التكييف المناخي. فكل هوية معمارية تختار ما تضيئه وما تتركه في الظل. سردية «المدينة البيضاء» قدمت تل أبيب طويلاً بوصفها مدينة حديثة نهضت من الرمل، وهو تصوير يعزلها عن يافا الفلسطينية المجاورة وعن التاريخ العمراني والسياسي الذي تشكلت داخله المدينتان.

في كتابه «مدينة بيضاء، مدينة سوداء: العمارة والحرب في تل أبيب ويافا»، يعارض المعماري والمؤرخ الإسرائيلي شارون روتبارد هذه الصورة. يرى أن بياض تل أبيب ليس وصفاً لونياً فقط، بل سردية قوة صنعت مقابله «مدينة سوداء»: يافا، بتاريخها الفلسطيني وما تعرض له عمرانها وسكانها من اقتلاع وهدم وتهميش. الكتاب أطروحة نقدية، لا حقيقة وحيدة غير قابلة للنقاش؛ وقد أخذ بعض النقاد عليه التعميم والمبالغة في جعل العمارة الحديثة استعمارية بالضرورة. غير أن سؤاله يبقى أساسياً: هل يمكن الاحتفاء بتراث مبني من دون فحص التاريخ الذي أسكته هذا الاحتفاء؟

لا يلغي هذا السؤال القيمة الفنية للمدينة البيضاء، ولا يجعل كل مبنى حديث أداةً واعية للمحو. لكنه يمنع تحويل العمارة إلى بطاقة بريدية منفصلة عن الأرض. فالمبنى قد يكون في آنٍ واحد ابتكاراً مناخياً، وملاذاً لمعماري هارب من النازية، وجزءاً من مشروع قومي جديد، وعنصراً في سردية حجبت مدينةً وسكاناً آخرين.

 ماذا تقول المعركة لمدن العرب؟

لا يقف السؤال العربي عند تل أبيب ويافا. فقد عرفت القاهرة وبيروت وبغداد وعمّان والكويت وغزة وأريحا موجات حداثية محلية بعد الحرب العالمية الثانية. ولم تكن مجرد نسخ ضعيفة من أوروبا؛ فقد تفاوض معماريون عرب وأجانب مع المناخ والمواد وبرامج الدولة الحديثة وتوسع الطبقة الوسطى. يوثق مشروع «تصميم الحداثة: العمارة في العالم العربي 1945–1973» هذا التنوع، ويضعه داخل تاريخ عالمي أهمل طويلًا ما أنتجته المنطقة.

في بغداد، مثلًا، وضع غروبيوس ومكتب «ذا أركيتكتس كولابوريتف» مخطط جامعة بغداد بالتعاون مع معماريين عراقيين، واشتغل التصميم على اتجاه الشمس والظل والتهوية،

دخل جامعة بغداد الحديث المعروف باسم الذهن المنفتح في ستينيات القرن العشرين
مدخل «الذهن المنفتح» في جامعة بغداد بعد إنجازه في ستينيات القرن العشرين، ضمن المشروع الذي وضعه فالتر غروبيوس ومكتب «ذا أركيتكتس كولابوريتف»

لا على استيراد صندوق زجاجي من أوروبا. وفي القاهرة، حملت مباني المصانع والهيئات العامة والمساكن الحديثة آثار مشروع الدولة للتصنيع والتعليم، قبل أن يُهدم بعضها تحت ضغط السوق أو إعادة تشكيل المدينة. وهكذا يمكن أن يُمحى المبنى مرتين: مرة لأنه وُصف بأنه غريب عن الهوية، ومرة لأنه قريب أكثر مما ينبغي من عهد سياسي لم يعد مرغوباً في تذكره.

المشكلة أن الدفاع عن هذه العمارة يقع أحياناً في الفخ المقابل. فكما يحوّلها القومي إلى مؤامرة أجنبية، يحولها المعجب إلى أيقونة شكلية: خرسانة نظيفة، خطوط مستقيمة، وصور خالية من السكان. في الحالتين تختفي الحياة الاجتماعية للمبنى. السؤال الحقيقي ليس: هل الواجهة عربية أم أوروبية؟ بل: من صممها، ولمن؟ كيف تعاملت مع المناخ والشارع والعمل المنزلي والطبقة؟ من سكنها ومن أُبعد لإقامتها؟ وكيف تغير معناها حين تغيرت السلطة؟

لا توجد واجهة تخون الهوية من تلقاء نفسها؛ السياسي هو من ينصب لها محكمة

 الخيانة التي يخترعها السياسي

لا توجد واجهة تخون الهوية من تلقاء نفسها. السياسي هو من ينصب لها محكمة، ثم يختار علامات البراءة: القرميد بدل السطح المستوي، الزخرفة بدل التجريد، الماضي المتخيل بدل الحاضر المختلط. وما يبدو نزاعاً على الجمال سرعان ما يصير نزاعاً على المواطنة؛ فإذا أمكن وصف مبنى بأنه «غير ألماني» لأن لغته دولية، يصبح من الأسهل تطبيق المنطق نفسه على الفنان أو المدرس أو الجار.

ومع ذلك، لا ينبغي الرد على القومية بأسطورة مضادة تجعل الحداثة بريئة دائماً. يمكن للعمارة الحديثة أن تخدم السكن الاجتماعي أو رأس المال، التحرر أو السيطرة، بناء الجامعة أو محو حي قديم. الباوهاوس نفسها لم تكن جماعة ملائكية، والمدينة البيضاء ليست بيضاء بلا ظل. قيمة هذا التراث لا تأتي من نقائه، بل من قدرته على كشف تناقضات القرن العشرين: الصناعة والهجرة، التحرر والاقتلاع، الوظيفة والدعاية، العالمية والرغبة في بناء وطن.

لهذا تتجاوز معركة ديساو الانتخابات المحلية. إنها تذكّرنا بأن أول ما تفعله السياسة حين تضيق بالتعدد هو إعادة تعريف المشهد المرئي: أي مبنى يستحق التمويل، أي نصب يبقى في الميدان، وأي حي يوصف بالأصيل أو الدخيل. وحين تصبح النافذة دليلاً على الوطنية، لا تكون العمارة وحدها في قفص الاتهام؛ تكون المدينة نفسها، بما هي مكان للعيش المشترك، قد بدأت تفقد حقها في الاختلاف.

إعداد: “صوت صورة”

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا