باريس- “صوت صورة”: مع سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، لم تفتح بوابات السجون ليندفع من
أحشائها آلاف المساجين المغيّبين وحسب، بل وكذلك تدفقت حكايات وقصص لم يكن رويها ممكناً قبل ذلك، ومن بينها حكاية الممثل السوري مهند قطيش، الذي روى جزءاً من قصة اعتقاله في مقابلات تلفزيونية، لم تتسع وحدها لتفاصيل وعذابات ما وراء القضبان، لتجد طريقها إلى كتاب صدر أخيراً، وأعطاه الفنان اسم “الدجاج السياسي، ثلاث سنوات في سجن صيدنايا”. (محترف أوكسجين للنشر)
وبدلاً من أن تشكّل مهنة مهند قطيش وشهرته كممثل حصانة له من الاعتقال والخطف من الطريق أمام زوجته وطفلته، كانت على العكس من ذلك وبالاً عليه، وعلى ما يبدو فإن أجهزة النظام الأمنية أطلقت شائعة تجسسه لصالح إسرائيل، ومن ثم خبر إعدامه في ساحة المرجة الدمشقية، الذي سرى بين السوريين كالنار في الهشيم، كي تقطع الطريق على أي محاولة تتوسط للفنان. ومنذ يوم اختطافه الأول من قبل فرع الخطيب سيئ الصيت لحق به زميله الفنان فراس إبراهيم على الفور، كما يسرد الكتاب، ليجده مقيداً بالأغلال، وربما كان إبراهيم الأخير الذي تدخّلَ لفك قيده، فلم يكن النظام قد فبرك الشائعة الخطيرة بعد، ولم يكن قد قال للسائلين عنه: انسوه. ومَن الذي سيسأل من الزملاء المشاهير ما دام سجّان قطيش نفسه (المكنّى أبو ربيع) كان حارساً شخصياً للمخرج السوري نجدت أنزور، حيث سيصادفه الفنان في أحد مواقع التصوير إثر الإفراج عنه: “تَقَدَّمَ نحوي وهو يبتسم ابتسامة باهتة كأن شيئاً لم يكن، قال لي ببساطة خالية من الندم: لا عداوة بيننا، كنت أقوم بعملي فقط”.
سجّان قطيش كان حارساً شخصياً للمخرج السوري نجدت أنزور، حيث سيصادفه الفنان في أحد مواقع التصوير إثر الإفراج عنه
يحرص الفنان على تقديم روايته في سياق سياسي محتدم، كشهادة على زمن حكم بشار الأسد من لحظة التوريث وصولاً إلى ثورة درعا، وبدء حريق المدجنة، بحسب تعبيره، مضمناً شهادته تاريخ مرحلة، بدءاً من ربيع دمشق، البيانات والمنتديات، حيث كان وصديقه و”ابن دعوته” الصحفي يحيى الأوس يتابعانها، ثم تجربة سجن صيدنايا، والتطرق إلى الاستعصاء فيه، ثم اندلاع الثورة وسقوط النظام، وصولاً إلى تعليقاته حول محافظته السويداء، وتقييمه للإدارة الجديدة في البلاد. ولا شك أنها شهادة توثيقية جديدة تضيف إلى ما نعرفه عما كان يجري وراء القضبان، ولكن لا يمكن إغفال أن عنصر الفرادة فيها أنها تجربة فنان مشهور وراء القضبان، وأن ذلك أضفى عليها نوعاً من الكوميديا السوداء، التي يمكن التعامل معها اليوم كعمل سينمائي أو تلفزيوني، أو وثائقي.
ففي فرع أمن الدولة في كفر سوسة، كان سجّانوه ومعذبوه يخرجوه إلى غرفتهم بعد انتهاء الدوام ليسامروه كممثل، وقد صادف أن التلفزيون كان مفتوحاً على أحد مسلسلاته، ولكنهم في غرف التعذيب لن يرحموه، ولن تجدي نفعاً سجائرُ وضحكُ ومسامرةُ الليلة الفائتة، فلقمة العيش غالية، والعمل هو العمل.
لستُ جاسوساً.. كنت فقط سورياً أراد أن يعيش بكرامة
لا يتوقف الأمر عند الجلادين الصغار، إذ تصرّف الضابط الكبير المسؤول عن ملفه كما لو أنه بطل في مسلسل، إذ راح أنور رسلان، الذي يقضي اليوم حكماً في السجون الألمانية لارتكابه جرائم ضد الإنسانية، يستعير عبارات من مسلسل “الزير سالم” وكان قطيش أحد أبطاله. استقبله رسلان بعبارة: “أهلاً بِسَلَمَة. تأخرت علينا يا رجل. كنا بانتظارك”. وعندما جرى تحويله إلى صيدنايا، بعد تحقيق وتعذيب 33 يوماً، قال له، مستعيراً عبارة من حكاية الزير سالم نفسها: “ذهبتَ بشسع نعل كليب”، و”نصبنا فخاً لحوت، فوقعتْ سمكة”.
كان مهند قطيش وراء القضبان الفنان المشهور الذي بات فرجة الجميع، سجانين وسجناء، ومِن هؤلاء المعتقلين سيعرف أن السوريين في الخارج يتداولون تهمة لم يُسأل عنها أثناء التحقيق البتة هي الجاسوسية، كانت العيون تستطلع ملامح فنان عرفوه على الشاشة الصغيرة، ثم يبحثون فيه عن ذلك “الجاسوس”. فيما كان في الواقع يخضع للتحقيق في كتابة مقالات صحفية معارضة للنظام، قبل أن يحكم بالسجن بتهمة “التحريض على نشر أخبار كاذبة تسيء لسوريا والسوريين”.
استعارة الدجاج
سيروي قطيش حكاية السجن بالنظر إليه وإلى البلاد عموماً كمدجنة، والمعتقلين كدجاج “سياسي”، وسنتذكر هنا فيلم السينمائي السوري الراحل “الدجاج” الذي حققه عن أهالي قرية صدد في منطقة القلمون، كنموذج لباقي أطياف الشعب السوري، عن عملهم بتربية الدواجن، في شريط ساخر يرصد آليات تحوّل المجتمع السوري على يد النظام الحاكم. فجاء الوثائقي بارعاً في تصوير تدجين السوريين. ولو أن هذا التصوير سيواجه خطر ازدراء السوريين جميعاً واتهامهم، فمنذ الإهداء يقول الكاتب: “إليك أيها القارئ، أنت لم تكن متفرجاً على حكايتي، بل أنت شريك فيها، كنت تسمعها، وتصدقها، وربما تضيف إليها من خيالك، فاسمح لي أن أقول لك: لستُ جاسوساً! كنت فقط سورياً أراد أن يعيش بكرامة”.
استعارة قطيش ستجد مبررها في تجربة قطيش الشخصية، عندما عمل في مراهقته في محل لبيع الدجاج، فكان هو حينذاك من يختار الدجاجة الأسمن للذبح، ليرميها من ثم في “نتّافة الدجاج”.
يسترسل الكاتب/ الفنان في تشريح أحوال المدجنة السورية والمدجنين، فهذا دجاج بيّاض، وذاك معلوف، وذلك فاسد، وصولاً إلى الدجاج الحرّ، هذا النوع الذي، بحسبه، يزجّ به في صيدنايا: “أصبحت الثقافة والفن تحت حكم المؤسسات، والفنان فيها صار موظفاً يستخدم كأداة تجميل للسلطة، ومن يشق الصف مثلي يتحول إلى دجاج سياسي،.. ما إن تدخل يد الديك الحاكم وتلتقط دجاجة خرجت عن السرب حتى تزج لتذبح في فروع المخابرات وترمى في نتافة الريش معلبة في أكفان جاهزة للموت”.

عين الممثل تعود إلى الذاكرة الشخصية ليراقب ربما من جديد نفسه ودجاجاته و”نتّافته” في مهنة المراهقة، يتذكر صمت الدجاجات حين دخول ضيف على المحل، ثم محاولاته في التقاط الدجاجة الأسمن، ترقُّب الدجاجات، صراخهن، مستخدماً دائماً أوصافاً من عالم المدجنة، القفص، الديكة، رتل الدجاج، النقيق،..
إن جزءاً كبيراً من الأسى الذي يبقى أثناء قراءة هذا الكتاب، لا يأتي فقط من تصويرنا جميعاً، كسوريين، كدجاج، والبلاد كمدجنة، وليس فقط من عذاب السجن الرهيب الذي لا تتحمله جبال، بل كذلك في قصة الحب العاصف والدافئ والعائلة التي تموت ببطء على مدى السيرة بفعل بطش النظام.
منذ لحظة الاعتقال لن تغيب عن المخيلة صورة الزوجة (وهي كذلك ممثلة مشهورة) والطفلة التي لم تكمل العامين من عمرها، اللتين بقيتا في الشارع، ثم حضورهما معاً أمام محكمة الدولة، حين كان يؤتى بالأب المعتقل.
لن يُنسى منديل الزوجة المعطر والمهرب إلى السجن، والذي سيرجع إليها رسالة كُتبت عليها أعذب الكلمات والأشواق، ثم قبلاتها الطائرة أمام المحكمة، وصولاً إلى اللحظة الأقسى، والتي تتزامن، لسخرية الأقدار، مع النطق بالحكم، عندما تطلب الزوجة الطلاق، تخلعه بـ “علة السجن”. سيكون ذلك أقسى من الحكم الذي نطق به قاضي النظام السفاح فايز النوري، ذروة درامية مؤلمة تشعر بأنها الأقسى تماماً، الشيء الوحيد الذي بإمكانه أن يفتت إمكانيات الصمود. وحتى بعد خروجه من المعتقل، لن يعود الفنان إلى نفسه أبداً، ستتربى ابنته، بحسبه، بين يدي أكثر من أم، وأكثر من أب، ولن يكتب للعائلة بعد ذلك الركون في مكان، ظلت دائمة التنقل والهجرة وصولاً إلى المنفى الهولندي.
قبل ذلك، لطالما روى الفنان في مقابلاته محاولات التحرش بزوجته أثناء بحثها عنه، ومحاولات التوسط له، وقد زادت تهمة الجاسوسية من التجرؤ عليها.

فن البقاء
بعد صدور الحكم الظالم سيتحدث الفنان المعتقل عن فن البقاء، يقول له أكرم، رفيق السجن: “تذكَّرْ، هذا الباب لا يبقى مغلقاً على أحد”، ويعلق الممثل: “اكتشفت أن النجاة ليست أن تخرج من السجن، بل أن تبقى قادراً على الحياة وأنت في قلبه”. وسيتعزز ذلك بلقائه بالشخصية السياسية البارزة عبدالعزيز الخير في مهجع واحد، سيكون شاهداً على ترتيب مكتبته الهائلة، وسيحرص على التعلم منه: “تغيّر شيء في نظرتي إلى الحياة، وأدركتُ أن المعرفة في السجن ليست ترفاً، بل هي شكل آخر للبقاء”.
بحث عن أكرم، معلمه في فن البقاء، فوجد بقايا إنسان بين نازحي السويداء
الخير، طبيب السجن وحكيمه الذي راكمَ أكثر من عشر سنوات في السجن (من 1992 إلى 2005) جَمَعَ، مثل مساجين آخرين، ذرات التراب العالقة بحبات البطاطا، لتستخدم في زراعة بعض نباتات تحيي المكان الرهيب، إلى أن تمكن من زراعة وردة تسمى “ليلة القدر”، وهي تتفتح لمرة واحدة فقط في العام، لتبدأ بعدها على الفور بالذبول. يروي قطيش وصفاً ولا أجمل لذلك المشهد، حينما تتفتح الزهرة فيفوح شذاها، وتنتقل صورة التفتح عبر المرايا: “الزهرة التي كبرت بين الحديد أزهرت ليوم واحد تحت سقف الإسمنت، ثم اختفت تحت سطح الوطن تاركة عطرها”، يستعير الكاتب تلك الصور متحدثاً عن اختفاء الخير بعد إطلاق سراحه، وبعد اندلاع الثورة عندما خطفه النظام، وغاب أثره إلى اليوم.
وبرغم كل جماليات البقاء وفنونه في كتاب مهند قطيش ستطغى نبرة حزينة لا تبعث على التفاؤل، خصوصاً مع حديث الفنان الناجي القديم من سجن صيدنايا عن مدينته السويداء وموقفه من السلطة الراهنة في البلاد. عندما يتحدث مثلاً عن رفيق المعتقل أكرم، معلمه في فن البقاء، الذي خرج قبله وبنى لنفسه عائلة وأطفالاً في قرية بعيدة، يقول بحثت عن اسمه وصورته بين النازحين، إثر أحداث محافظة السويداء، فوجدته بقايا إنسان.
الخروج للشمس لم يكتمل إذن، وطعم السجن ما زال في الحلق، وإلا لكان الفنان في بلده مستعيداً مكانه على الشاشة، ومعاداً له الاعتبار في نقابة الفنانين.








